ما بعد السحرة والتنانين: الأهمية الحقيقية للفانتازيا

الفانتازيا هي أقدم نوع قصصي عرفه الإنسان، فهي تعد جزء من اللاوعي الجمعي للجنس البشري، وقد امتلأت مخيلة الإنسان البدائي بحكايات عن الآلهة والبشر والسحرة والتنانين والوحوش الخيالية والأسطورية، كما أنهم وضعوا تفسيرات أسطورية للظواهر الطبيعية الغامضة التي وقف الإنسان البدائي حائرًا أمامها، مثل البرق: فهو مطرقة ثور عند الإسكندنافيين، وهو أسهم زيوس عند الإغريق، وأيضًا من الحكايات المشهورة عند الإغريق حكاية إيكو ونركاسيوس؛ فإيكو هي فتاة لعنتها الآلهة حيرا بسبب حب زيوس لها فأصبحت تردد آخر كلمة تسمعها، وكانت تحب الفتى الجميل نركاسيوس الذي لم يحب إلا نفسه، فتموت إيكو بعد ذلك من الحزن وتحرق أثينا جثتها لتنثر رمادها في الكون، فيتردد بعد ذلك صوت آخر كلمة يقولها الإنسان وهو إيكو Eco أي صدى الصوت.

كما أن نركاسيوس المغرور عشق صورته المرتسمة على صفحة المياه وهو يظنها جنية وقتل نفسه من الحزن، فحرقت الجنيات جثته لينبت منها زهرة النرجس لتصبح النرجسية رمز لغرور الإنسان وحبه لنفسه، وهكذا نجد أن الفانتازيا كانت وسيلة الإنسان القديم لمواجهة المجهول وقد صاغ كل ذلك في شكل ملاحم وأساطير بين الآلهة والبشر والمخلوقات الخيالية المختلفة.

وعلى هذا فالفانتازيا في ذلك الوقت لم تكن نوع قصصي، بل هي القصص الوحيد المعروف للإنسان، ويتمثل في الأساطير والملاحم والسير الشعبية، وهناك أعمال فانتازية قديمة مكتملة مثل ملحمة جلجامش الأشورية والإلياذة الإغريقية والشاهنامة الفارسية وغيرها، وأيضًا تعد حكايات ألف ليلة وليلة عمل فانتازي ضخم، وكذلك فالفانتازيا جزء من طفولة كل واحد منا، فمن لم يستمتع وهو صغير بحكايات الشاطر حسن وست الحسن والجمال وحكايات الجن والغيلان، ومن لم يتخيل نفسه وهو طفل صغير أنه بطل خارق ينقذ العالم، أو في مغامرة خيالية سحرية؟

أهمية الفانتازيا للطفل

ويقول العلماء إن الفانتازيا مفيدة للطفل؛ فهي تملأ الفراغ عند الطفل بين المعرفة knowledge والخبرة أو التجربةexperienceفمن خلال الفانتازيا يستطيع الطفل أن يجرب مشاعر مثل الخوف والحزن والفرح والمغامرة، ويستطيع الطفل أن يخوض مغامرة ويواجه المخاطر والصعوبات ويتعرف على المشكلات وحلها، كل ذلك في بيئة آمنة من خلال الفانتازيا، ويقول البروفيسور جون ستيفنز المحاضر في جامعة Macquarie بسيدني في أستراليا: “واحدة من فوائد الفانتازيا أنها تعطي القارئ الفرصة ليرى العالم بطرق مختلفة، فإنها تأخذ موقف افتراضي وتدعو القارئ أن يربط بين هذا الموقف الخيالي وواقعه الاجتماعي الخاص”، ويقول فيليب بولمان الروائي البريطاني الحائز على جائزة الجارديان: إن “الأطفال يحتاجون للفن والقصص والشعر والموسيقى، بقدر حاجتهم للحب والطعام والهواء النقي واللعب.”

ويعتقد البعض أن الفانتازيا مجرد هروب من الواقع وأنها لا تفيد الإنسان، وهذا غير حقيقي، فما الذي يستفيده الإنسان من الفانتازيا؟ فالحقيقة أننا عندما نقرأ الفانتازيا في سن صغيرة فإننا نفهم معنى الشجاعة والحكمة، وتجعلنا نفهم ما الصواب وما الخطأ، وتنقل لنا خبرات أجدادنا، بل أن هذا لا يقتصر على السن الصغيرة فقط، فالناضجون أيضًا يستفيدون من الفانتازيا والخيال عندما يقرأونها، كما أن الفانتازيا لا تنكر وجود الألم والمعاناة، فتقول الكاتبة الأسترالية كيت فورسايث  مؤلفة سلسلة The Chain of Charm: إن “الفانتازيا مثل الشمعة تلقي الظلال في الوقت الذي تضيء فيه، ولكن لحظة الإضاءة هي الأهم، فالحكايات الخيالية تخبرنا أن الأمل والنهايات السعيدة موجودة طالما آمنا بوجودها، الفانتازيا تنكر اليأس، وتجعلنا نتمسك بالأمل في وجود عالم أفضل، وتشير إلى الطريق إليه.”

الفانتازيا والعقل المبدع

كما أن الفانتازيا تحفز على الإبداع والابتكار، وقد أثبت العلم أن من يقرأون الفانتازيا لديهم القدرة على الإبداع أكثر من غيرهم، فعلى سبيل المثال المخترعElon Musk عندما تم سؤاله عن أكثر الكتب التي تأثر بها أجاب بعدة كتب منها سيد الخواتم لتولكين وكتب فانتازية أخرى، وأيضًا واحد من أشهر العقول في القرن العشرين ألبرت أينشتاين، صاحب نظرية النسبية، يقول: “عندما أتأمل نفسي وأساليبي في التفكير، أجد أن هبة الفانتازيا (الخيال) عنت لي أكثر بكثير من موهبة الملاحظة والتفكير الإيجابي.”

وعلى هذا فالفانتازيا لا تقتصر على الفنانين، بل تصل إلى رجال الفكر من مخترعين وعلماء وغيرهم، وقد أدركت الجامعات والمراكز العلمية ذلك، لذا تم إنشاء أقسام ومراكز علمية متخصصة في الفانتازيا، مثل قسم الفانتازيا والحكايات الشعبية في جامعة تشتشستر في بريطانيا، وقسم الحكايات الشعبية في جامعة بيتسبرغ بولاية بنسلفانيا في أمريكا وغيرها.

ولهذا نستطيع أن نقول إن الفانتازيا جاءت لتبقى، وإن الإنسان مع كل كتاب لا يكتشف فقط عوالم خيالية جديدة، بل يكتشف جزءًا من ذاته، فهذا هو هدف الأدب سواء كان فانتازي أو واقعي، أن نعرف أنفسنا.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست