عن النوستالجيا والفانتازيا

من منا لا ينتابه الإحساس بالنوستالجيا، هذا الإحساس الجميل والمؤلم في الوقت ذاته، الحنين إلى طفولتك، إلى شيء فقدته وتعرف يقينًا أنه لن يعود، هذا الإحساس الذي يجعلك تشعر أن كل ما عايشته في طفولتك أجمل مما تعايشه الآن، من موسيقى وكتب وأفلام، هذا الإحساس مؤخرًا وأنا ألعب بعض ألعاب الأتاري القديمة وسألت نفسي هل هي حقًا أجمل من الألعاب الحديثة بكل ما تحمله من دقة في الرسومات والتفاصيل؟

الإجابة المنطقية هي بالتأكيد لا! ولكن هناك إجابة أخرى طرقت ذهني، في الماضي كان هناك قيودًا كثيرة في صناعة الألعاب والأفلام، وهذا ما جعل القائمين على هذه الأعمال يلجأون إلى ترك أشياء كثيرة بلا تفاصيل، ويعتمدون على مخيلة المشاهد أو اللاعب كي يملأ تلك التفاصيل الناقصة بخياله، هذا الذي لجأ إليه المصممون بسبب نقص الإمكانيات هو ما أعطى تلك الألعاب سحرها وجاذبيتها، كم من مرة وأنت تلعب لعبة قديمة من ألعاب الأتاري سألت نفسك ما هذا المبنى الغريب الموجود في خلفية اللعبة؟ أنت بالتأكيد لن تستطيع الوصول إليه ولا معرفة الإجابة، ولكن خيالك سيتكفل بهذا الأمر.

أتذكر واحدة من الألعاب كانت تسمى كاراتيكا Karateka واللعبة عبار عن لاعب كاراتيه يواجه مجموعة أخرى من لاعبي الكاراتيه وكلما هزم واحدًا منهم، يظهر الزعيم وهو يشير بيده لواحدٍ آخر كي يتقدم ويواجه البطل، ومن وقت لآخر تظهر فتاة جالسة وحدها حزينة، لم يكن هناك حوار أو حتى جمل مكتوبة ولا أي شيء يشير إلى قصة اللعبة، ولكن عقلي تكفل بملء كل التفاصيل، هذا البطل يسعى لإنقاذ تلك الفتاة المحتجزة، وهذا الذي يشير بيده للاعبي الكاراتيه هو الشرير الذي يحتجز الفتاه، ولا شك أن البطل هو حبيبها كان كل هذا كافيًا لإثارة مخيلتي، وكلما تركت اللعبة تذكرت الفتاة التي تنتظرني كي أخلصها من الرجل الشرير.

لعبة كاراتيكا

الأمر يشبه لعبة سوبر ماريو حيث لا تعرف شيئًا عن البطل ماريو ولا عن الأميرة التي يرغب في إنقاذها، ولا لما يقوم التنين باوزر ـ الذي لم نكن نعرف اسمه في ذلك الوقت ـ بخطف الأميرة باستمرار، ولكن هذه التفاصيل القليلة والرسومات التي تعتمد على أبسط قدر من التفاصيل، وموسيقى اللعبة التي هي عبارة عن ألحان بسيطة بقدر ما تسمح به إمكانيات الجهاز المتواضعة، كل تلك التفاصيل الصغيرة تحولت إلى أشياء عظيمة في خيالي، أذكر عندما لعب أخي اللعبة قبل أن أراها وعاد ليحكي لي عن مغامراته لإنقاذ الأميرة والوحوش التي قابلها والتنين الذي ينفث النار وقلعته المخيفة، لم تكن اللعبة بمثل تلك التفاصيل ولكنها كانت كذلك في مخيلتنا.

سوبر ماريو

هذا يأخذني إلى سؤال آخر، وهو سر شعبية مسلسلات مثل هركليز وزينا وسندباد في تسعينيات القرن الماضي، حيث كانت الشوارع تخلو من المارة ويتجمع الناس في المقاهي أو في بيوتهم لمشاهدة حلقة جديدة من هذا المسلسل أو ذاك، وهذه المسلسلات تعد فانتازيا، فهي تمتلئ بشتى أشكال الخيال والسحر والوحوش الأسطورية والمغامرات العجيبة، فما سر شعبية تلك المسلسلات القديمة ولما تحوز مسلسلات الفانتازيا الحديثة مثل تلك الشعبية؟ والإجابة على تلك النقطة هي نفس الإجابة على نقطة الألعاب القديمة، وهي اعتمادهم على مخيلة المشاهد لملء التفاصيل.

أبطال مسلسليّ هركليز وزينا

كُتّاب الفانتازيا المعاصرين مولعين للغاية ببناء عالم الفانتازيا وتفاصيله أو الـWorld Building ومولعين أيضًا بما يسمونه نظام السحر أو الـ Magic System وهذا يعني أن يشرح الكاتب كل شيء للقارئ بالتفصيل، بل بعضهم يقول إن على الكاتب التفكير في تفاصيل كل شيء في عالمه قبل أن يبدأ كتابة الرواية نفسها، وهذا لا يدع شيئًا لمخيلة القارئ إلا تخيل ما يكتبه المؤلف، وهذه النقطة هي ما يميز الفانتازيا عن غيرها من أشكال الكتابات الخيالية الأخرى.

الفانتازيا هي نوع قديم للغاية من الأدب كما قلت من قبل في مقال “ما بعد السحرة والتنانين: الأهمية الحقيقية للفانتازيا”: “الفانتازيا هي أقدم نوع قصصي عرفه الإنسان، فهي تعد جزءًا من اللاوعي الجمعي للجنس البشري، وقد امتلأت مخيلة الإنسان البدائي بحكايات عن الآلهة والبشر والسحرة والتنانين والوحوش الخيالية والأسطورية، كما أنهم وضعوا تفسيرات أسطورية للظواهر الطبيعية الغامضة التي وقف الإنسان البدائي حائرًا أمامها، مثل البرق فهو مطرقة ثور عند الإسكندنافيين، وهو أسهم زيوس عند الإغريق”.

الأمر بالنسبة لي أنا يشبه حكايات جدتي التي كانت تمتلئ بالفرسان والأميرات والساحرة الشريرة والغول والوحوش الغريبة، هذه الحكايات ينقصها الكثير من التفاصيل التي تجعلك تتخيل، يشبه الأمر عند تولكين شخصية “توم بومبادل” فهذه الشخصية تكسر كل القواعد التي وضعها كُتّاب الفانتازيا، فهي شخصية غامضة لا يعرف القارئ عنها أي شيء سوى أنها أقدم من الأجناس الموجودة في الأرض الوسطى، ولكن ليس هذا هو الغريب فقط، بل الغريب أيضًا أن تولكين نفسه لا يعلم أي شيء عن تلك الشخصية، لقد وضعها دون أن يعرف عنها الكثير، وقال إن على الكاتب أن يجهل بعض الأشياء في عالمه.

توم بومبادل

من الروايات التي أعجبتني كثيرًا رواية “بنت ملك جن” من تأليف لورد دونساني، فإنها رواية سحرية غامضة غريبة، لا يكاد دونساني يفسر فيها أي شيء، فمن هو ملك الجن وكيف ظهر عالمه وما علاقاته بعالمنا، ما سر خلود كل شيء في عالمه ولما يمضي الوقت في عالمنا أسرع من عالمه؟ لقد قضى البطل بضع دقائق في أرض الجن ليعود فيكتشف أن سنوات عديدة قد مرت في عالمه، هناك العديد من أشكال السحر في الرواية أيضًا ولكن الكاتب لم يشرح كيف يعمل هذا السحر، لا يوجد نظام سحر كما يسميه الكُتّاب المعاصرون، هذا ما يجعل القصة غامضة وسحرية ومثيرة للخيال، فالسحر في عالمه ليس مجرد قوة أو وسيلة للقتال أو أداة لتحريك الحبكة، بل السحر هو سحري حقًا، جزء من العالم يتحرك ويتنفس، رائع وغامض وغير مفهوم وأحيانًا أخرى مخيف، ولكنه جزء لا يتجزأ من العالم.

غلاف النسخة الفرنسية من رواية بنت ملك الجن

 هذا ما يجعلها فانتازيا حقًا، أن يشارك القارئ بخياله في ملء تفاصيل العالم، قد لا يكون عالم لورد دونساني ضخمًا ومعقدًا ومليئًا بالتفاصيل بحيث يحتاج إلى عدة أجزاء يبلغ كل جزء منهم حجم موسوعة إلا أن عالم دونساني أكثر شعرية وساحرية، وهو ما أرى أنه يستحق لقب فانتازيا حقًا.

نشر المقال للمرة الأولى في موقع نون بوست