عنترة في ثوبٍ جديد من كومكس

من المنعش دومًا رؤية محاولات عربية في فن الكومكس، وهو الفن الذي اعتدنا على رؤيته بالإنجليزية أو مترجمًا في أفضل الأحوال، إلا أنه من وقتٍ لآخر تظهر محاولات جادة لإنتاج عمل عربي في هذا الفن، ولكن أغلب هذه المحاولات في الوطن العربي قد تكون عبارة عن بطل خارق بطابع عربي أو فرعوني، أو فن الكومكس الساخر، ونادرًا ما يخرج الأمر عن هذين الاحتمالين، لذا أحسست بالسعادة لوجود عمل كومكس خارج عن المألوف يقدم شخصية ملحمية من التاريخ العربي، وهي شخصية عنترة بن شداد الشاعر المحارب.

 

 

صدرت القصة عن شركة “كومكس” إحدى الشركات التابعة لمجموعة كلمات في الشارقة، وقد نشرت الشركة عددًا من كتب الكومكس المترجمة من الإنجليزية إلى العربية ـ حظيتُ بفرصة ترجمة عددٍ منها ـ ولكن عملها لم يقتصر على الترجمة فقط، بل خرجت علينا الشركة بقصة كومكس عربية أصلية، وهي قصة “عنترة” من تأليف الكاتب مؤمن حلمي، وهو كاتب ومحرر محب للكومكس والمانغا. له عدة إصدارات في مجال كتب الأطفال واليافعين وهذا هو أول إصدار له في مجال الكومكس. كما أنه يعمل حاليًا على روايته الأولى. ورسومات القصة للفنان أشرف غوري وهو رسام وصانع أفلام هندي تخرّج من جامعة هيوستن بالولايات المتحدة ويقيم حاليًا في دبي، وهو حاصل على عدة جوائز ومعروف بصناعته لأول فيلم CGI Animation في الإمارات، وقد ظهرت أعماله في عدة إصدارات لدور نشر كبرى مثل “دارك هورس” و “آي دي دابل يو”.

تتتبع القصة شخصية عنترة، الطفل الذي ولد عبدًا من أم جارية سوداء البشرة وهي “زبيدة” وأب من سادة قبيلة عبس وهو شداد بن قراد العبسي، ورحلته لجعل أبيه يعترف بنسبه، وإثبات نفسه أمام قبيلته، وسعيه للزواج من ابنة عمه الفاتنة عبلة بنت مالك بن قراد، وما تحمله هذه الرحلة من مفاجآت ومغامرات وصعاب.

أعجبني اختيار “عنترة” لتقديم قصته في صورة كومكس، رغم أننا قد رأيناه في أكثر من صورة، أشهرها الفيلم السينمائي من بطولة فريد شوقي، وهنالك أيضًا معالجة علي أحمد باكثير الرائعة التي دُرّست في المدارس للمرحلة الأولى الثانوية، ولكن من الرائع تقديمه في صورة عصرية قريبة من الجيل الجديد، الذي ربما لم يشاهد الفيلم أو يعرف شيئًا عن عنترة، كما أن الكتاب قد قدمه في صورة يمكنني أن أقول إنها أكثر ملحمية، وأقرب إلى عقلية القارئ المعاصر. الكتاب أيضًا فرصة لتقديم شخصيات بارزة من تاريخنا العربي مثل عنترة بن شداد إلى القارئ غير العربي، فمن الممكن ترجمة الكومكس إلى الإنجليزية ـ وغيرها من اللغات العالمية ـ لإيصال هذا الكتاب إلى أكبر عدد ممكن من قراء الكومكس عبر العالم، وتقديم ملامح وشخصيات من تاريخنا العربي إليهم، والتي قد لا يعرفون عنها شيئًا بأي طريق آخر.

 

 

تعاون الكاتب والرسام لتقديم شخصية عنترة بأفضل طريقة ممكنة، فالحوارات سلسلة وبسيطة وممتعة، وقد أجاد الكاتب اختيار كلماته وبناء الحوارات بين الشخصيات، كما أعجبني للغاية الأبيات الشعرية المختارة من شعر عنترة بن شداد لتقديمها في أحداث القصة، وبعضها من أبياته المفضلة بالنسبة لي. الرسم جاء في غاية الجمال وغاية الاحترافية، لا يقل بحالٍ من الأحوال عن الرسوم المقدمة في دور نشر الكومكس الكبرى في الخارج، أعجبتني تفاصيل الشخصيات وخصيصا عنترة وعبلة الشخصيتين الرئيسيتين في العمل، ولا أخفيكم سرًا أني أعجبت كثيرًا بصورة عبلة في هذا العمل أكثر من أي عمل آخر. بعض المشاهد وخصوصا مشاهد الحروب كانت غزيرة التفاصيل وأظهرت مدى براعة الرسام، ومشاهدي المفضلة هي تلك المشاهد التي يندمج فيها مشهد الحروب مع الشعر، فهي تجعل الحماس يتدفق في العروق مع كل مشهد. كما أعجبني استخدام الأبيض والأسود في ذكريات عنترة عن طفولته لتكون مميزة عن بقية المشاهد الأخرى، فهي لمسة فنية جميلة، وتؤكد على طفولة عنترة التراجيدية ومأساته بين كونه عبدًا وبين كونه ابن أحد سادة قبيلته.

هذه التجربة من شركة كومكس لتقديم شخصية تاريخية عربية في صورة كومكس هي تجربة تستحق الإشادة، وأتمنى أن تتبعها تجارب أخرى تتناول المزيد من الشخصيات من تاريخنا العربي، فهي فرصة لتقديمها إلى القارئ المعاصر، وأيضًا إلى القارئ العالمي من خلال ترجمتها إلى لغات أخرى وهو ما أتمنى من الشركة فعله، وسأنتظر أعمالها القادمة بشغفٍ.

 

نشر المقال للمرة الأولى على موقع بوابة الكومكس

 

الفانتازيا والرعب في الأدب المصري المعاصر

الفانتازيا باعتبارها فنًا قصصيًا هي أقدم أنواع الحكي الذي عرفه البشر منذ فجر التاريخ، فالفانتازيا هي الخيال، أو الحكايات الخيالية، قصص الآلهة والسحر والمخلوقات الأسطورية، فلا توجد حضارة بشرية قديمة تخلو من الميثولوجيا، وقصص الآلهة والخلق، والحكايات الشعبية عن الساحرات أو الغيلان أو الجنيات. ولعبت هذه الحكايات دورًا في تفسير الظواهر الغامضة التي وقف الإنسان البدائي حائرًا أمامها، مثل البرق الذي فسره الإسكندنافيون على أنه مطرقة ثور، وفسره الإغريقيون على أنه أسهم زيوس. وفي وقتنا المعاصر تعد الحكايات الشعبية جزءًا لا يتجزأ من الفن الشعبي لأي مجتمع بشري، فمن منا لم يستمع في صغره إلى حكايات الجدات عن الشاطر حسن وست الحسن والجمال، أو يتخيل نفسه جزءًا من مغامرة خيالية في عالم آخر سحري.

وقد حظيت الفانتازيا الحديثة بشعبية كبيرة في العصر الحديث، وتصدرت الفانتازيا المشهد السينمائي بأعمال ذات إنتاج ضخم مثل سيد الخواتم وهاري بوتر، ورغم اعتقاد البعض أن الفانتازيا قد تنزوي مع التقدم العلمي ونبذ الانسان للخرافات القديمة، إلا أن ما يحدث عكس ذلك، فيقول مارك تشادبورن المؤلف الفانتازي البريطاني: “كلما صار العالم أكثر عقلانية، جنحنا إلى اللا معقول في خيالنا.”

 

 

أما عن الرعب، فهو أيضًا جزء من اللاوعي البشري، يقول لافكرافت إن الخوف هو أقوى وأقدم المشاعر البشرية، وأقوى وأقدم نوع من الخوف هو الخوف من المجهول. فقد وجد البشر أنفسهم في بداية التاريخ في بيئة عدائية تمامًا لهم، فكان الخوف من الجوع، ومن المرض، ومن الحيوانات المفترسة المتربصة بالإنسان بين الظلال الداكنة، والخطر يحيط بالإنسان من كل حدبٍ وصوب، وقد انعكس هذا الخوف على ثقافة الإنسان في شتى الحضارات، ما بين المعتقدات والطقوس، وصولًا إلى الحكايات الشعبية عن المخلوقات المخيفة كالغيلان وغيرها.

وهكذا تتلاقى الفانتازيا والرعب عند هذا الخط الرفيع، فيمتزجان أو يفترقان، ولا يقتصر رعبنا على المخاوف القديمة، فحتى في العصور الحديثة وبعد التقدم البشري الكبير ما زلنا نعثر على أشياء جديدة تخيفنا، وخصوصًا بعدما أدركنا مدى اتساع الكون الشاسع ومدى ضآلة الجنس البشري على هذا الكوكب الصغير المسمى الأرض، وهل نحن وحدنا في هذا الكون الشاسع، أم أن هناك من يشاركنا إياه، وكلا الاحتمالين مخيف للغاية.

والسؤال هو، لماذا نستمتع بالرعب، ما سر حبنا في صغرنا لحكايات الجدات عن الجن والغيلان، أو حبنا في كبرنا للروايات والأفلام المرعبة، والإجابة هي أن الإنسان يحب أن يجرب المشاعر السلبية في بيئة آمنة، لعبة “الاستغماية” ونحن صغار وخوف أحدنا من أن ينكشف، ولكنه خوف بريء لا خطر منه، وكذلك استمتاعنا بلعبة قطار الرعب في الملاهي، هذا القطار المسرع المجنون الذي ينقلب بك رأسًا على عقب وتشعر أنك تكاد تهوي، ولكنك متيقن أن هذا لن يحدث، هذا هو مصدر الاستمتاع، تجريبنا للخوف والاحساس بالخطر، مع احساسنا الخفي بالأمان والطمأنينة. لهذا نحب أن نواجه المخلوقات المرعبة في الروايات والأفلام، لأننا نعرف أننا سننجو من هذه المواجهة، وهذا مصدر إحساسنا بالاستمتاع.

 

 

وهكذا نجد أن الفانتازيا والرعب يلعبان دورًا في حياة البشر وفكرهم ومعتقداتهم منذ القدم، ولهما دور لا يُستهان به في الأدب والوسائط الإعلامية الحديثة، فليس غريبًا أن يتجه العديد من الكُتّاب الشباب إلى هذا اللون من الأدب، فهم ذاتهم قد يكونون من عشاق الفانتازيا والرعب، فالكاتب غالبًا ما يكتب ما يحب أن يقرأه، فبعد موجة الفانتازيا الحديثة في الأدب والسينما، وجدنا الكثير من الكُتّاب الشباب يتجهون إلى ابتكار عوالمهم السحرية الخاصة، سواء مستوحاة من التراث العربي مثل “الغول الأحمر الأخير” للكاتب محمد الدواخلي، أو يغلب عليها التأثر بالطابع الغربي مثل “صانع الأحلام” للكاتب معتز حسانين. ولعل هذا يرجع أيضًا إلى أن شعبية هذه الأعمال الغربية قد فتحت الباب أمام نشر الأعمال العربية والمصرية، فقبل ذلك لم تكن الفانتازيا أو الرعب ضمن أنواع الأدب الحقيقية في أعين النقاد ودور النشر، ولا يعدوهما سوى قصص للأطفال على أقصى تقدير؛ ولكن بعد شعبية سيد الخواتم وهاري بوتر، وبعد أن ترجمتهما دار “نهضة مصر” إلى العربية، والتي اتجهت إلى ترجمة أعمال الفانتازيا الغربية الأخرى مثل “سيبتموس هيب” و”سبايدر ويك”، صار المجال متاحًا لنشر الروايات الفانتازيا العربية.

السبب الآخر والأهم، هو الكاتب الراحل “أحمد خالد توفيق” عليه رحمات الله، فهو لم يكن مجرد كاتب، بل كان ظاهرة أثرت في جيلٍ بأكمله، فقد كتب في أدب الرعب سلسلة “ما وراء الطبيعة”، وكتب سلسلة تحمل عنوان “فانتازيا”، ولكنه الكاتب الوحيد في مصر الذي كان يقرأ له الجميع من كل الأعمار بدءً من طلبة الابتدائية حتى طلبة الجامعة، كانت كلماته سلسة، وأفكاره بسيطة، ولكنها تحمل تيمات من الخيال والرعب، ورغم بساطتها وخيالها إلا أنها كانت تحمل بين طياتها أفكارًا عميقة، ودروسًا في الحياة، والعديد من الشباب تأثرت أفكارهم وشخصياتهم بكتابات هذا الرجل وحده، حتى أن بعضهم صار يحاكي شخصياته في التفكير أو حتى أسلوب الحديث، وبعضهم حاكى حتى أسلوب الكتابة، وبدأ يبني عالمه الخاص، ورأينا عددًا كبيرًا من كُتّاب الرعب في مصر، وصار بعضهم أسماءً لامعة مشهورة، ولكنهم يعترفون بأستاذية أحمد خالد توفيق حتى اليوم، وأهدوه في حياته لقب العرّاب، الأب الروحي لجيل من الشباب بأكمله.

 

 

كنت واحدًا ممن تأثروا بهذه المرحلة، فقد نشأت في صغري على حكايات جدتي الشعبية، وعندما كبرت قليلًا تأثرت بسيد الخواتم وهاري بوتر، ثم اتجهت لقراءة كتب الفانتازيا الغربية وفي الوقت ذاته تعرفت من خلال أحمد خالد توفيق إلى لافكرافت وبو، وقد كتبت بعض قصص الفانتازيا في المرحلة الإعدادية والثانوية ولكنها كانت محاولات غير ناضجة، حتى وصلت إلى روايتي المنشورة الأولى “ريـــم” وهي مزيج من الفانتازيا والرعب تأثرًا بتلك المرحلة، وقد بدأت الفكرة بقصة رعب قصيرة كتبتها بعنوان “القط الأسود” ثم توسعت في الفكرة والعالم ومرت القصة بالعديد من التعديلات والتغيرات، حتى وصلت إلى هيئتها الأخيرة المعروفة باسم “ريـــم”. القصة لا تمزج بين الرعب والفانتازيا فقط، بل تمزج ملامح الحكايات الشعبية المصرية، بعناصر من الحكايات الشعبية الأوروبية، التي فُتِنْتُ بها كثيرًا وقرأت لأغلب جامعيها من الأخوين جريم وهانز كريستيان أندرسن وغيرهم.

ورغم أن الروايتين المنشورتين بعد “ريـــم” وهما “ملاذ: مدينة البعث” والشتاء الأسود ينتميان إلى أدب الخيال العلمي، أو أدب ما بعد الكارثة على وجه التحديد، إلا أنه ما يزال في جعبتي العديد من الحكايات الفانتازية التي لم أروِها بعد، وروايتي القادمة ستكون من أدب الفانتازيا بإذن الله.

 

نشر المقال لأول مرة على موقع لأبعد مدى

نهاية العالم من الميثولوجيا إلى الأدب

الإنسان يخاف من المجهول، والمستقبل هو أكبر مجهول في حياتنا، وبالطبع يميل المتشائمون إلى توقع الأسوأ، ومن رحم هذا الخوف وُلِد أدب ما بعد الكارثة أو ما بعرف باسم Post-Apocalypse هو نوع فرعي من أدب الخيال العلمي، يدور في المستقبل القريب أو البعيد، ويدور حول كارثة تؤدي لدمار الحضارة، قد تكون هذه الكارثة بفعل الإنسان مثل الحرب النووية، أو لسبب خارج عن إرادة الإنسان كالأوبئة والتغيرات الجوية، بعض الروايات تتناول الكارثة ذاتها، ومكافحة البشر للنجاة في تلك البيئة القاسية، وبعضها يتناول محاولة الناس للتكيف على الحياة بعد الكارثة.

والحديث عن نهاية العالم بشكله المعروف هو أمر ليس بجديد، بل هو قديم قدم الحضارة الإنسانية ذاتها، فلا تخلو ديانة أو ميثولوجيا من محاولة تخيل نهاية العالم، مثل معركة راجناروك في الميثولوجيا الإسكندنافية، وأسطورة الشموس الخمس أو نهاية دورة الزمان الخامسة عند حضارة الأزتك.

 

Ragnarök by Rasmus Berggreen

 

ولكن أدب ما بعد الكارثة بشكله الحديث لم يظهر إلا مع بدايات القرن التاسع عشر وخصيصًا مع رواية “الرجل الأخير” (1826) لماري شيلي والتي تدور حول مجموعة من البشر يكافحون للبقاء في عالم يجتاحه الوباء، ورجل يصارع من أجل إبقاء عائلته آمنة، ولكنه في نهاية الرواية يصبح الرجل الوحيد المتبقي على قيد الحياة. تلتها أعمال أخرى مثل رواية “المحاورة بين إيروس وتشارميون” (1839) لإدجار ألان بو وهي عن محاورة بين روحين في الحياة الأخرى، يتحدثان عن كيفية دمار الحياة على سطح الأرض عن طريق اصطدام نيزك بالأرض أدى إلى فقدان النيتروجين من الغلاف الجوي وفناء البشر في الاحداث التالية لذلك الاصطدام. وهناك أمثلة أخرى كثيرة مثل “آلة الزمن” (1895) و”حرب العوالم” (1898) لـ إتش جي ويلز و”بعد لندن” (1885) لريتشارد جيفريس ورواية “الآلة تتوقف” لـ إي. إم. فورستر (1910) وغيرهم.

ورغم ذلك لم ينل هذا النوع من الأدب شهرته وشعبيته إلا في منتصف القرن العشرين، مع حلول الحربين العالميتين، ورؤية الإنسان لما قد تفعله القنابل النووية، فأصبحت نهاية العالم ممكنة وليس ضربًا من الخيال، فتصدرت فكرة الكارثة النووية هذا النوع من أدب، وظهرت روايات مثل “الإنذار الأحمر” (1958) لبيتر جورج والتي تتحدث عن أول ساعتين من الحرب العالمية الثالثة، والتي حولها المخرج الشهير ستانلي كوبريك إلى فيلم سينمائي، ورواية “على الشاطئ” (1957) لنيفيل شوت والتي تتحدث عن اندلاع الحرب العالمية الثالثة النووية وتبدأ بحرب بين ألبانيا وإيطاليا ثم يتطور الأمر لصراع بين الناتو والاتحاد السوفيتي، وقد تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي أيضًا، وهناك العديد من الأمثلة الأخرى.

 

Nuclear Winter by Emilis Baltrusaitis

 

في وقتنا الحاضر يعد سيناريو “ما بعد النفط” هو الأشهر في أدب ما بعد الكارثة، والصراع على موارد الطاقة بين القوى العظمى، ولعل الأشهر في هذا اللون سلسلة أفلام “ماد ماكس” مع الجزء الذي عرض سنة (1979) وتدور أحادثه في مستقبل استنزف فيه الوقود وما تبعه من نقص شديد في موارد الطاقة وانهيار لمنظومة القانون والقيم والأخلاق. وفي رواية “عالم صنع باليد” لجيمس هوارد كونستلر (200) يتخيل الكاتب الحياة في شمال ولاية نيويورك بعد نقص موارد النفط العالمية والدمار الشديد الذي تعرض له الاقتصاد الأمريكي على إثر ذلك مما يجبر الناس والمجتمع على التكيف في حياتهم اليومية بدون نفط رخيص. وفي في رواية اللاعب رقم واحد لدوغلاس كوبلاند (2010) نرى أربعة أشخاص يلجؤون إلى حانة مطار في تورنتو بينما تحدث في الخارج سلسلة من الأحداث الكارثية. وتروي قصة “النور الأخير” وتكملتها “ما بعد النور” بقلم أليكس سكارو سقوط الحضارة البريطانية بعد حرب في الشرق الأوسط تستزف أغلبية موارد الأرض من النفط.

وهكذا نرى أنه كلما ظهر مصدر جديد لخوف الإنسان تلي ذلك تصور جديد لنهاية العالم، وألوان جديدة من أدب ما بعد الكارثة، الخوف من سيطرة الروبوت على الإنسان، الخوف من الغزو الفضائي، وسيستمر الأمر كذلك حتى نهاية العالم الحقيقية، أو ما بعدها.

 

نشر المقال للمرة الأولى على موقع الميادين

هكذا تسللت ميثولوجيا لافكرافت إلى اللاوعي الجمعي

يعد هوارد فيليبس لافكرافت من الكُتّاب القلائل الذين يتركون ورائهم تأثيرًا كبيرًا لا على الأدب وحده، ولكن على الثقافة البشرية بشكلٍ عام، فيمكن أن ترى إشارات وتلميحات واقتباسات إلى عناصر عدة من أعمال لافكرافت في العديد من أشكال الفن كالروايات والمسرحيات والأغاني والسينما وألعاب الكومبيوتر، وأصبحت كلمات من كثولو وآرخام ونيكرونوميكون معروفة لدى العديد من الناس حتى هؤلاء الذين لم يقرؤوا أعمال لافكرافت.

ما يجعل الأمر أكثير إثارة للحيرة هو أن لافكرافت عاش حياته بلا أي شهرة، ولم تتعدى قراءة أعماله دائرة أصدقائه ومعارفه وعدد قليل من متابعي المجلات التي كان ينشر بها، بل أنه نفسه كان يتنبأ باندثار أعماله بعد موته، فما سر تلك الشعبية الطاغية لأعمال لافكرافت؟

العديد من الكتاب وخصوصا في الفانتازيا يسعون إلى خلق العوالم والميثولوجيا الخاصة بهم، وكثيرًا ما يتم الإشارة إلى أعمال بعض الكُتاب الفانتازية بأنها ميثولوجيا، مثل ميثولوجيا تولكين في السيلماريليون، أو ميثولوجيا سي. اس. لويس في نارنيا، ولكن هذه الأعمال لا تصنف كميثولوجيا حقيقية، بل يظل تصنيفها رواية، عمل إبداعي لكاتب استطاع أن يخلق عالم بكل تفاصيله، ولكنهم لم يصلوا حقًا إلى مرحلة الميثولوجيا، وذلك لأنهم يفقدون عنصر هام موجود في ميثولوجيا الشعوب المنتشرة على نطاق واسع، وهي دورة المحاكاة.

المقصود بدورة المحاكات هي بداية القصة بفكرة صغيرة، يتم تداولها وتحريفها وتضخميها مرارًا وتكرارًا، لتعكس شيئًا جديدًا في كل مرة متعلق براوي تلك القصة، فكل الحكايات والأساطير القديمة عن الآلهة والوحوش الأسطورية والأبطال هي مجرد انعكاس لأفكار البشر ومشاعرهم وطموحاتهم ومخاوفهم.

بشكلٍ ما استطاع لافكرافت أن يحقق ذلك لسبب بسيطة وهو أنه لم يكن يكترث ببناء عالم، بل جاء بسبب عادة لديه أثناء الكتابة وهي أن يشير إلى نفس العناصر مرارًا في أعمال مختلفة، وقد يكون لإحداها دورًا صغيرًا في إحدى القصص، ثم يصبح لها دورًا أكبر في أعمال أخرى. فمدينة آرخام على سبيل المثال ظهرت للمرة الأولى في قصة “هربرت ويست المعيد إلى الحياة” ثم ظهرت بعدها بسنوات في قصة “الاحتفال” ثم أصبحت نقطة مركزية للأحداث الخارقة للمألوف في كل أعماله. وفي قصته الشهيرة “الظل فوق إنزماوث” يكون لداجون أحد الكيانات القديمة دورًا كبيرًا، ولكن العديد من القراء لا يعرفون أنه قد ظهر قبلها بأربعة عشر عامًا في قصة قصيرة للغاية بعنوان “داجون”.

 

شخصية غريبة الأطوار

 

 

النقطة المهمة الأخرى هي شخصية لافكرافت غريبة الأطوار، فبسبب المعاناة التي مر بها في طفولته أصبح لافكرافت شخصًا منطويًا وأغلب تواصله مع المحيطين فيه كان عبر الخطابات، التي ترك وراءه عشرات الآلاف منها، في تلك الخطابات كان يشجع أصدقائه والكتاب المبتدئين على مشاركته عالمه، والبناء على أساس أساطيره، وأحد هؤلاء المشاركين هو كلارك أشتون الذي قدم مخلوقًا يدعى “تساثوجوا” تم التلميح له لاحقًا في بعض أعمال لافكرافت، مثل “الهامس في الظلام” و”الرعب في المتحف” و”على جبل الجنون”.

كتب فرانك لونج في المقدمة التي لم تنشر لقصته “آكلو الفضاء” اقتباسًا غير موثوق المصدر لكتاب لافكرافت المسمى “النيكرونوميكون” من المفترض أن من ترجمه هو جون دي العالم الحقيقي الشهير الذي لعب دورًا كمستشارٍ للملكة إليزابيث، لاحقًا ضم لافكرافت هذه الترجمة إلى عالمه مشيرًا إلى اسم جون دي كمترجم للعمل في بعض خطاباته عن تاريخ النيكرونوميكون.

بتلك الطريقة صنع لافكرافت قاعدة عريضة يدعم بها عالمه، ترك لافكرافت العديد من التفاصيل الغامضة، والقطع الناقصة في أعماله، والتي ملأها بعده الروائيين والموسيقيين وصانعي الألعاب لتتفرع الحكايات أكثر وأكثر وتكتسب المزيد من التفاصيل ويظهر منها العديد من الأطوار والنسخ، تمامًا كما حدث من الخرافات والأساطير قديمًا.

وكما تعكس الأساطير الشعبية مخاوف ومشاعر تلك الشعوب، فقد عكست أساطير لافكرافت أفكاره ومشاعره ومخاوفه الخاصة؛ فلسفة لافكرافت حول العالم والحياة البشرية هي فلسفية عدمية، يرى عبثية الحياة أمام هذا الكون العشوائي الأعمى، ونرى ذلك متجسدًا في الدور الضئيل الذي يلعبه البشر في أعماله أمام الكيانات الهائلة المخيفة التي لا تكترث بالبشر، مثل أزاثوث الإله الأعمى الذي لا يفصله عن الكون المألوف سوى غشاء رقيق، إنه قوة فوضوية مخيفة قادرة على تدمير الكون كله، ولا يستطيع أحد من الكيانات القديمة الوقوف أمام وجهه. كما أن العديد من أشكال الحياة قد انبثقت بالصدفة من الإلهة العمياء شَب ـ نيجوراث التي أنجبت العديد من الكيانات القديمة مثل كثولو وتساثوجوا ونج ويب. في الميثولوجيا يكون لإلهة الخصوبة دور كبير ويتم الإشارة للإنجاب باعتباره طقس مقدس، أما لافكرافت فكان يعبر عن سخطه على الحياة وربما احتقاره لها. حتى كثولو نفسه يمثل تلك العدمية والسخط، فصحوته الأخيرة ستؤدي إلى فناء البشر ودمار كل ما بنوه على تلك الأرض، لا شيء سيبقى، الكل سيفنى. وقد صنفه الناقد الإنجليزي كولن ولسن بأنه من الكتٌاب الرافضين للواقع المعاش، وقال في كتابه المعقول واللامعقول في الأدب الحديث أن لافكرافت يهرب من الواقع بطريقة هستيرية ساخطة، تبتعد كثيرًا عن الايجابية والمعقول.

 

خطورة المعرفة

 

 

نرى أيضًا فلسفته حول خطورة المعرفة وعدم قدرة البشر على تحمل الحقيقة في الكثير من أعماله التي يصاب أبطالها بالجنون لأنهم عرفوا أكثر من اللازم، ويتجسد ذلك في يوج ـ سوثوث الذي يعرف الماضي والحاضر والمستقبل، ويهب المعرفة لمن يسعى ورائها ويطلبها، ودومًا ما تؤدي تلك المعرفة إلى الجنون، ولعل ذلك يعكس شغف لافكرافت دومًا بالعلم وما تبع ذلك من فشل أكاديمي.

أشرنا أيضًا إلى شخصية لافكرافت المنطوية غريبة الأطوار، ولكنها لا تقف عند هذا الحد، فلافكرافت كان عنصريًا ولديه خوف من الغرباء، وأي شيء خارج نطاق عالمه المألوف في نيو إنجلاند، وأعماله الأولى خصيصا مليئة بالإشارات العنصرية حيث يضع الرجل الأبيض في مكانة أعلى من البشر الآخرين، ونرى اسقاط ذلك في بعض الكيانات القديمة في أعماله مثل “نيرلاثوتب” المخادع المتحول، الوحيد الذي يستطيع التحرك بحرية عبر الغشاء الذي يفصل بين العالم المألوف وعالم الآلهة الخارجية، إنه يرمز لتسلل الغرباء إلى عالمنا المألوف، ونرى أيضًا جنس قاطني الأعماق الذين يتجانسون مع البشر في “الظل فوق إيزنماوث” الذين يحملون العديد من الإشارات والدلائل على خوف لافكرافت من الآخر، والجدير بالذكر أن حدة تلك العنصرية قد خفت كثيرًا في أعماله اللاحقة، ويصفه بعض النقاد بأنه ضحية فترة عنصرية في بلدة عنصرية، وبالتأكيد فإن طبيعته المنطوية قد ساهمت في تعزيز ذلك الخوف والعنصرية.

يمكن رؤية تلك الاسقاطات في كل أعماله، فهو لم يستخدم تلك العناصر مرارًا وتكرارًا لأنه كان يرغب في بناء عالم، بل لأن تلك العناصر هي إسقاطات لمشاعره ومخاوفه، وهذا هو سر شعبية تلك الأعمال، فكما استخدم القدماء الأساطير والآلهة مثل زيوس أو ثور أو إيزيس أو عشتار كتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم ومخاوفهم، كذلك نستخدم نحن أساطير لافكرافت للتعبير على سخطنا على الحياة أو خوفنا من الآخر أو احساسنا بضآلة الجنس البشري أمام قوى أخرى مخيفة مجهولة تقبع لنا في الظلام.

 

نشر المقال للمرة الأولى على موقع الميادين

الوينديجو

يعد الكاتب الإنجليزي ألجرنون هنري بلاكوود (14 مارس 1869 – 10 ديسمبر 1951) الذي عاش في أواخر العصر الفيكتوري، واحد من آباء أدب الرعب أو الخيال الغريب أو الماورائيات بأعماله التي كتبها على مدار مسيرته الأدبية التي استمرت لأكثر من أربعة عقود نشر خلالها مئات القصص القصيرة وعشرات الروايات التي ملهمًا العديد من كتاب أدب الرعب المعاصرين مثل لافكرافت، وآرثر ماكين، وتولكين، وقد عده لافكرافت في كتابه “الرعب الماورائي في الأدب” أفضل كاتب في هذا النوع وقال إن كتاباته تقع في أعمق نقطة في اللاوعي وتتجاوز الحاجز بين الواقع والخيال.

ولد بلاكوود سنة 1869 في ريف لندن لأبوين ثريين وفرا له حياة رغدة وتعليم خاص، وفرضا عليه بعض التعاليم الدينية الصارمة، إلا أن ألجرنون الصغير تمرد على ذلك، وقام بالترحال، مستكشفا الفلسفة الشرقية، باحثًا عن طريقه الخاص في الحياة بدون وصاية أو توجيه من أحد. ترك جامعة إدنبرة في اسكتلندا وهي واحدة من أعرق الجامعات في العالم بعد عام واحد من الدراسة فيها وقام بالسفر إلى عدة بلدان مستكشفا أفكار وثقافات مختلفة قبل أن ينتقل إلى كندا ليؤسس مزرعة للأبقار وهناك أيضًا قام بإدارة فندق لمدة ستة أشهر، ثم انتقل للعمل في مناجم الذهب في ألاسكا قبل أن ينتقل إلى نيويورك وعمل كمراسل صحفي لجريدة نيويورك تايمز، كما عمل كسكرتير خاص ورجل أعمال وعامل في البار ومعلم لعزف آلة الكمان.

في أواخر الثلاثينات من عمره عاد بلاكوود إلى إنجلترا وبدأ في كتابة قصص الرعب القصيرة للجرائد، ونجحت أعماله للغاية واكتسبت شعبية كبيرة، وكان بلاكوود يقوم برواية أعماله بنفسه في الراديو أو التلفزيون، ونشر عشرة مجموعات قصص قصيرة على الأقل، وأربعة عشر رواية، والعديد من قصص الأطفال والمسرحيات، ومنها العديد من القصص التي لم تنشر أو لم يسع هو لنشرها.

كان بلاكوود محبًا للطبيعة، وعاش حياة مستقلة بدون أن يتزوج أبدًا، وكان يفضل البقاء وحيدًا، كما أنه لم يدرس الفلسفة الشرقية على سبيل الفضول بل كان مؤمنا بها أشد الإيمان، وكان يعتقد بوجود قوى الطبيعة الخارقة والعوالم الماورائية والكيانات القديمة، فنشأ لديه ولع بالطب وعلم النفس والفلسفة الهندوسية وتعمق في دراسة الأمور الروحانية والسحر والتنجيم وعلوم ما وراء الطبيعة والقدرات الروحية الخارقة الكامنة لدى البشر. ثم اشترك في جمعية سرية تدعى الفجر الذهبي تخصصت في الروحانيات وألهمه اشتراكه فيها روايته “الوتر”، فقد كان يستمد إلهامه من خبراته الشخصية ورحلاته وحياته في عدد من الدول المختلفة فاستوحى روايته “الصفصاف” من إحدى رحلاته في نهر الدانوب، أما رحلته لمصر فقد ألهمته رواية الرمال وغيرها، واختفاؤه عن الأنظار لصيف كامل في إحدى غابات كندا ألهمه كتابة روايته التي بين يدينا اليوم “الوينديجو”.

تتميز أعمال بلاكوود بأنها تلعب على الوتر الحساس لدى الانسان وهو الخوف من المجهول، فترتع القوى الغامضة، والعوالم الغريبة، والخوارق الطبيعية، بعيدًا عن الغيلان والوحوش التي كانت تتميز بها قصص الرعب عند معاصريه، ففي رواياته لا يوجد وحوش او غيلان او رعب مباشر، بل لمحات مخيفة من عالم غامض يقع وراء الحقول التي نعرفها، حيث يتماس عالمنا مع عالم آخر مخيف، ويتجنب بلاكوود الشرح والتفسير، بل يترك مخاوفنا الكامنة في أنفسنا بتكملة الأجزاء الناقصة من اللوحة، فتشعر بالرعب والفزع يزحف على عمودك الفقري، وبعد أن تترك أي رواية له ستظل الصورة مرتسمة في ذهنك مثيرة أفكارك وخيالاتك متسائلًا إن كان هناك شيء في هذا العالم كهذا حقًا.

الشتاء الأسود

“ماذا سيحدث لو اندلعت حربًا عالمية ثالثة واستخدمت الدول ترسانة أسلحتها النووية؟ يقول العلماء أن الانفجار الناتج عن القنابل النووية سيؤدي إلى تصاعد الدخان والغبار إلى طبقات الجو العليا مما سيتسبب في حجب أشعة الشمس وانخفاض درجة الحرارة بشكلٍ كبير، وهذا يعني دخول الأرض في شتاء نووي، شتاء مخيف قارس يزحف على الكون ويغلفه برداء بارد مظلم”.

 

الشتاء الأسود، الشتاء الأبيض، لم نعتد شتاءً أبيض في مصر، فما بالك بالشتاء الأسود! الشتاء الأبيض يحمل من الرومانسية بقدر ما يحمل من الكآبة. إن كنت ممن يظنون بكآبة الشتاء الأبيض؛ فانتظر حتى تقرأ الشتاء الأسود لأحمد صلاح المهدي. بأنامل محترفة ينسج لنا أحمد المهدي أحداث روايته، وبنفس هذه الأصابع يسحبنا بسلاسة عبر أحداث الرواية.

ينجح أحمد المهدي في رسم صورة حقيقية بدرجة مبهرة لأحداث الشتاء الأسود في مصر، تركت لدينا ظاهرة ما بعد الرؤية After Image بصورة ممتدة فواحة، فعندما تتم أحداث الرواية تصل لحالة من الانسجام العقلي تجعل أحداثها ماثلة أمامك، حتى بعد أن تغادر صفحات الراوية وتذهب لشئون أخرى؛ أحداثها تظل تطارد مخيلتك، لتشعر بمزيج من القلق والمتعة.

أحمد المهدي يحفر لنفسه مكانًا بارزًا بين كتّاب الموجة الرابعة لكتّاب الخيال العلمي العرب؛ وهذه الرواية علّها تكون (موناليزا أحمد المهدي) أو بمثابة رواية (حلول الليل) لعظيموف.

– د. حسام الزمبيلي، رئيس الجمعية المصرية لأدب الخيال العلمي.

 

يجيد الروائي “أحمد صلاح المهدى” حبكته الروائية المشوقة، ويحكم حول فؤاد القارئ حبال السرد المنسوجة من خيال خصب يصف لنا مغامرة ما بعد كارثة الحرب الكونية، التي غمرت العالم بالظلمة والقتامة والتلوث الإشعاعي والرعب، وتبدو واقعية فنية تمثل “زرقاء يمامة” روائية، تستشرف المستقبل، وترى كيف يكون الإنسان أشد خطرًا من الكارثة ذاتها، (كنبوءة قادمة من مستقبلٍ مخيفٍ مظلم) بتعبير الرواية، ليمثل عبارة الرواية المركزية (كانت الزهور قد دُفنت أسفل الثلج)، لكنها تظل زهورًا، تتوق إلى الحرية والمساواة.

ويستعمل الراوي “التناسخ الروائي” من خلال مشهدية مواقف مناظرة، في إيقاع سردي متوازن مبهور الأنفاس لتجسيم الداهية والإنسانية في توحشها ونبلها بين طرفي نقيض يكشف مغزى الرواية الماتعة، ولم يكن الروائي صاحب شغف بطقس المغامرة والتشويق النابع من بطولة مطلقة، لكنه -كما أرى- صاحب مشروع ورؤية ثاقبة للواقع يمارسها في بث رسالي نبيل، حول المشكلة والحل، ويكفي أن نشير أن رواية “الشتاء الأسود” كاملة مثلت تشغيلًا لآلة الزمن السردية بتقنية الاسترجاع الخارجي “خارج زمن الحكاية” لرواية الكاتب الأخرى “ملاذ – مدينة البعث”، فما أجمله من فكر وسرد.

– أ. خالد جودة، ناقد أدبي.

جون مكافي، من مؤسس مكافحة الفيروسات، إلى رجل تطارده المخابرات

برنامج مكافي هو من الأسماء الأشهر في عالم مكافحة فيروسات الكومبيوتر والبرمجيات الخبيثة، وتعود شهرته إلى كونه أول برنامج كومبيوتر من هذا النوع، فقد تم اطلاقه سنة 1987 ملاقيًا نجاحًا كبيرًا، وواضعًا حجر الأساس لصناعة مضادات الفيروسات لتصبح صناعة تمثل ملايين الدولارات، رغم أن برنامج مكافي نفسه لم يعد يحظى بنفس الشهرة التي كان يلاقيها في الماضي.

 

معاناة الطفولة وطيش المراهقة

يعود تأسيس البرنامج إلى “جون ديفيد مكافي” والذي حمل البرنامج اسمه بعد ذلك، والذي ولد 18 سبتمبر 1945 بأحد القواعد العسكرية الأمريكية في إنجلترا لأب أمريكي وأم بريطانية ثم انتقل لاحقًا مع عائلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليستقروا بمنزل في مدينة سالم بولاية فيرجينيا، وكانت طفولته قاسية حقًا، فقد كان أباه مدمن مشروبات كحولية، والذي كان يضربه باستمرار هو وأمه ثم انتحر وجون في سن الخامسة عشر، وبسبب تلك الطفولة القاسية أصبح يجد صعوبة في الثقة في أحد، وقال: “لا تستطيع الثقة في أحد، ما أثق به هو أن البشر سيتصرفون كبشر، يسعون فقط لتحقيق منافعهم الخاصة، ولو فهمت ذلك تستطيع استغلاله.”

 

كلية رونوك

 

التحق جون بعد ذلك بكلية رونوك Roanoke College وحصل على درجة البكالوريا في العلوم والرياضات سنة 1967، أثناء دراسته في الكلية كان يتحصل على المال من بيع اشتراكات وهمية للجرائد والمجلات، فكان يمر على المنازل ليسألهم ان كانوا يودون في اشتراك مجاني في أحد الجرائد أو المجلات وكل ما عليهم دفعه هو قيمة الشحن، ونجح في جمع بعض المال من هذه الخدعة، والذي أنفق جزء كبير منه على المشروبات الكحولية، والسعي للحصول على وظيفة دكتور بجامعة شمال شرق لويزيانا سنة 1968، والتي طرد منها بعد ذلك عندما اكتشفوا أنه ينام مع احد الطالبات لديه.

 

رحلة البحث عن الذات

تنقل جون بعدها بين الوظائف وغالبا ما كان يصنع لنفسه سيرة ذاتية مختلقة للحصول على بعض الوظائف، فعمل كمبرمج بمعهد ناسا لدراسات الفضاء في مدينة نيويورك من سنة 1968 حتى 1970. من هناك ذهب إلى يونيفاك كمصمم برمجيات وفيما بعد إلى زيروكس وعمل كمهندس تشغيل أنظمة. أغرب تلك الوظائف عندما عمل لدى سكك حديد مازوري لبرمجة خطوط ومواعيد سفر القطارات، فكان يعمل وهو يتناول حبوب الهلوسة مثل إل إس دي ودي إم تي. وترك العمل لاحقًا بعد تناول جرعة مكثفة أثناء العمل. انتقل بعدها إلى وادي السيليكون في كاليفورينا متنقلًا بين عدة وظائف، واحدة منها كانت في احدى شركات تخزين بيانات الكومبيوتر تسمى أوميكس في مقاطعة سانتا كلارا وقال جون عن تلك الفترة أنها أسوء فترات حياته، فكان يشرب الخمر ويتناول الكوكايين أثناء العمل، ثم يتناول المزيد من الجرعات عندما يعود إلى بيته، كان يعيش وحيدًا، ومصاب بالبارانويا، وفكر كثيرًا في انهاء حياته كما فعل أبوه.

 

جون مكافي في شبابه

 

سنة 1983 تلقى العلاج من الإدمان، وأقلع عن شرب الخمور، وبعد فترة نقاهة التحق بشركة شركة لوكهيد وهي شركة أمريكية لصناعة الطائرات، وفي سنة 1987 سمع جون عن برنامج يسمى العقل Brain ولذي يعد أول فيروس للكومبيوتر، صنعه أخوان في باكستان سنة 1986 وانتشر على أجهزة الكومبيوتر حول العالم في أقل من عام، ولكن هذا الفايروس لم يكن الغرض منه الايذاء او التدمير، فقد كان الاخوين يرغبان فقط في معرفة إلى مدى سينتشر برنامجهم عن طريق حقن نفسه في أجهزةٍ أخرى كما تفعل الفيروسات الحقيقية عندما تنتقل من جسدٍ إلى جسد، حتى أنهما قد أضافا بيانات التواصل الخاصة بهما داخل كود برنامج الفايروس، في حالة قام أحد بفك شفرة البرنامج وأراد التواصل معهما.

 

صراع العقول

بالنسبة لشخص شكاك لا يثق في أحد كجون مكافي كان هذا الفايروس الصغير كافيا للفت انتباهه، ورغم أنه كان قادرًا على إزالة فيروس “العقل” بنفسه، إلا أنه كان يعرف أن غالبية مستخدمي الكومبيوتر لا يستطيعون فعل ذلك، وهذا ما ألهمه لتأسيس شركة “مكافي أسوشييتس” بمنزله في كاليفورنيا. قام بعدها بشراء سيارة بيجو عشرين قدم وملأها بمعدات الكومبيوتر، وكان يسافر بها عبر البلد وأسماها وحدة مكافحة الفيروسات. كان يتلقى المكالمة من أحد المنازل أو الشركات فيتوجه إلى هناك بسيارته ويقوم بفحص الكومبيوتر والتخلص من الفيروس إذا عُثر عليه.

 

الاخوان باسط فاروق وأمجد فاروق صانعي العقل

 

لاحقًا استطاع أن يصنع برنامج يقول بعمل تلك الخطوات بشكلٍ أوتوماتيكي وأطلق عليه اسم مكافي لفحص الفيروسات McAfee Virus Scan وكان يوزع البرنامج بالمجان للاستخدام الشخصي، أما الشركات فكانوا يدفعون مبلغ شهري مقابل استخدام البرنامج والدعم الفني له. لاحقًا قام بتأليف عن الفيروسات والبرمجيات الخبيثة التي تهدد أجهزة الكومبيوتر، وأصبحت تلك المخاوف التي عانى منها جون مصدر دخل له، وبحلول عام 1990 كان يحقق أرباحا تربو عن الخمسة ملايين دولار في السنة، وكلما ازداد عدد الفيروسات والبرمجيات الخبيثة التي تهدد أجهزة الكومبيوتر كلما ازدادت أرباحه.

 

مايكل أنجلو .. بداية النهاية

ولكن الأمور بدأت تأخذ منحنى آخر في أوائل التسعينات، ومع الرعب من فايروس جديد يدعى “مايكل أنجلو” وقد دق ناقوس التحذير من هذا الخطر جون مكافي بنفسه، فقد تحدق عنه أكثر من مرة على شاشات التلفزيون والجرائد القومية، وقال إنه قادر على إصابة من خمسين ألف إلى خمسة مليون جهاز بين عشية وضحاها، مما أدى إلى زيادة مبيعات برنامج مكافي المضاد للفيروسات بشكلٍ كبير. ولكن الوقت مر ولم يظهر هذا الفايروس المزعوم، مما جعل البعض يوجهون أصابع الاتهام ناحية جون مكافي وبرنامج وأن هذا الفايروس مجرد خدعة لإثارة خوف الناس ورفع مبيعات البرنامج. ورغم انكار جون المتواصل لتلك الاتهامات الا أن هذا الامر أثر بشكلٍ سلبي كبير على شركته، مما دفعه للاستقالة من الشركة ومغادرتها بشكلٍ نهائي سنة 1994. وبعد عامين أصبحت مكافي شركة مساهمة، وباع جون حصته المتبقية في الشركة.

 

جون مكافي في أحد اللقاءات معه

 

ولكن الشركة بعدها أصبحت تنحدر من سيء لأسوء، وبدأ الناس يشتكون من البرنامج خصوصا بسبب كونه يأتي محملًا على اغلب الأجهزة بشكلٍ مسبق بسبب الاتفاقيات التي عقدت مع الشركة، حتى أن جون مكافي قال أنه أصبح يكره البرنامج بشكل كبير بسبب الحالة السيئة التي وصل لها، كما قال أنه يشعر بالندم لأنه أطلق اسمه على البرنامج، فالناس أصبحت تربط بينه وبين الحالة السيئة التي وصل لها البرنامج، كما أن الهاكرز “المخترقين” دائما ما يجعلونه هدفًا لهم مما جعله مضطر لتغير أجهزته وعنوان الآي بي وموضع اقامته بشكلٍ مستمر لكي يبقى آمنًا من تلك الهجمات.

 

رجلٌ غريب الأطوار

سنة 2011 استحوذت شركة انتل على شركة مكافي أسوشييتس وغيرت اسمها إلى انتل سكيوتري إلا انها احتفظت باسم البرنامج مكافي كما هو. أما جون فبعد ترك شركته قام جون مكافي بتأسيس عدة شركات أخرى، وكتب بعض المؤلفات حول اليوغا ولكن حياته اتخذت منحنى آخر أكثر غرابة، لتصبح الحكومة والشرطة ووكالة الاستخبارات في أعقابه، بسبب تهم مثل تصنيع وبيع المخدرات، وتجارة السلاح، فهرب إلى بليز وهناك تم اتهامه بتأسيس جيش صغير خاص به، واتهموه بقتل جاره بينما هو تحت تأثير المخدرات. فتم مداهمة بيته من قبل القوات الخاصة، ولاحقًا قتل كلبه وتعرض بيته للحرق على إثر تلك الاتهامات.

 

جون مكافي بعد هربه إلى بليز

 

ورغم أن أيًا من تلك التهم لم تثبت عليه، إلا أنها أدت إلى تدهور حالته النفسية وعززت من احساسه بالبارانويا، فيرى أنه هدفًا لمحاولات الاغتيال وتجسس وكالات الاستخبارات عليه.

ما يزال جون مكافي حتى اليوم شخصية مثيرة للاهتمام والجدل حتى أنه في في عام 2015 رشح جون مكافي نفسه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، كرئيس لحزبه الخاص “The Cyber Party” متحدثًا عن مشكلات عدة مثل الأمن الشخصي لمستخدمي الانترنت، وتعرضهم للمراقبة وانتهاك الخصوصية، ولكن بالطبع لم يحالفه الحظ.

 

نشر المقال للمرة الأولى على موقع الميادين

جورمنجاست .. العبقرية حبيسة عقل ميرڤن بيك

الكاتب البريطاني ميرڤن بيك Mervyn Peake هو رجل متعدد المواهب، إنسان مبدع، وفنان غريب الأطوار، هو كاتب وشاعر ورسام، ورغم شهرته الكبيرة في موطنه بريطانيا، إلا أن القليل يعرفون عنه وعن أعماله حول العالم، ولكن ميرڤن بيك له مكانة خاصة في الأدب الإنجليزي، وخصوصا أدب الفانتازيا، فثلاثيته الرائعة “جورمنجاست” تعد المؤسس لفرع مستقل من الفانتازيا وهي فانتازيا الأشخاص، وهي الفانتازيا المعنية بأفكار الشخصيات ومشاعرهم وانفعالهم ودوافعهم، العناصر الخيالية في تلك الروايات ليست السحر أو التنانين أو الأجناس الأسطورية المختلفة، بل أشخاص وأماكن من الواقع نفسه، كذلك فعل ميرڤن بيك في كتابة روايات سلسلته جورمنجاست، فعالم جورمنجاست ينتمي لعالمنا الحقيقي، قلعة عتيقة، وعائلة ذات دماء نبيلة، وتقاليد وطقوس تجري طيلة قرون بين أصحاب تلك الدماء. ولكن شخصيات بيك هي من تجعل العالم لا مثيل له، أفكارهم ودوافعهم وصراعهم مع ذاتهم أو لتحقيق أفكارهم الخاصة هو من يجعل هذا العالم عجيب. ما يثبته بيك بكتابته هو عالمنا الواقعي يمتلئ بالأعاجيب إذا حدقنا النظر حولنا، ويحتاج الأمر لكاتب حقيقي ومبدع كي يستطيع رؤية هذه العجائب ورسمها على الورق.

 

قلعة جورمنجاست

 

يقول الروائي الكندي روبرتسون ديفيس: “يعد ميرڤن بيك شاعرًا مرهف الحس أكثر من إدجار آلان بو، لذا كان قادرًا على الحفاظ على روعة عالمة الخيالي [الفانتازي] خلال ثلاثة روايات. إن ثلاثية جورمنجاست هي عمل عظيم للغاية … وأحد كلاسيكيات عصرنا الحالي.”

يعد الجزء الأول “تايتوس جرون” تمهيدًا لعالم جورمنجاست، يتعرف على المكان الشخصيات واحدًا تلو الآخر، فنعرف أن جورمنجاست قلعة عريقة مبنية على مساحة شاسعة، بأبراج متداعية وجدران يغطيها اللبلاب، ينظر إليها قاطني الوادي من حولها بنظرة إجلال وتقدير يكاد يصل إلى مرتبة التقديس الديني، يقطن القلعة عائلة جرون النبلاء وسيدها اللورد سيبلكريڤ هو الإيرل السادس والسبعين لعائلة جرون، والذي يتوق لوريث يحمل اللقب من بعده. ونتعرف على كذلك على زوجته الكونتيسة جريترود وطباعها الغريبة وابنتها فيوشا ذات الخمسة عشر ربيعا والسيد فلاي كبير الخدم، وسويلتر كبير الطهاة، وسوردست سيد الطقوس والمشرف على المراسم وابنه برانكنتاين فيما بعد، والطبيب برونسكويلر وأخته إيرما، والعمتان التوأم كورا وكلاريس جرون وستيربايك الفتى الماهر الماكر الذي يبدأ كفتى من فتيان المطبخ، ويصبح له دورًا كبيرًا في الحبكة فيما بعد.

تبدأ الحبكة بميلاد البطل تايتوس جرون، الذي يمثل حدثًا هامًا في حياة القلعة، وعلى الفور يعج المكان بالحركة من المطبخ في الطابق السفلي حتى قاعة المنحوتات اللامعة في الطابق العلوي، وينفض سيد الطقوس التراب عن الكتب القديمة استعدادًا لاستقبال الإيرل السابع والسبعين لعائلة جرون، ورغم أن الكتاب يحمل اسم “تايتوس جرون” إلا أن دوره في الحبكة صغير ويظل طيلة الأحداث طفلًا رضيعًا لا يتجاوز عمره العامان.

 

بعض الشخصيات من عالم جورمنجاست بريشة ميرڤن بيك

 

الجزء الثاني “جورمنجاست” يبدأ بتايتوس وهو في عمر السابعة، وهو طفل متمرد يحاول رفض تلك الطقوس والتقاليد التي فرضت عليه منذ مولده، وتظهر شخصيات جديدة مثل طاقم التدريس في مدرسة جورمنجاست وخصوصا المدير بيلجروڤ، و”الشيء” تلك الفتاة الصغيرة التي ولدت مع مولد تايتوس من مرضعته، وأثرها في حياة تايتوس، ويعد الجزء الثاني استكمالًا لقصة الجزء الأول، فكليهما يتبعان نفس الشخصيات في نفس المكان وهو قلعة جورمنجاست كما أن هذا الجزء يغلق بعض الخيوط التي تركت مفتوحة في الجزء الأول.

ورغم أن الجزء الأول امتاز بمسحة من التراجيديا في أحداثه، إلا أن الجزء الثاني يعد أكثر منه تراجيدية، فقلعة جورمنجاست في هذا الجزء تكسوها مسحة من الكآبة، ولكنها ليست كآبة منفرة، بل كآبة سحرية تشبه تلك التي تنتابك وأنت تتأمل غروب الشمس، أو تستغرق في حالة من النوستالجيا، إنها كآبة بشكلٍ ما في نهاية القصة تشعر أنها غسلت روحك.

أما الجزء الثالث “تايتوس وحيدًا” فيختلف عن الجزئيين الأول والثاني بشكلٍ كبير، فالجزئين الأول والثاني يدوران في قلعة جورمنجاست، ويمتازان بكبر الحجم والوصف الدقيق للتفاصيل الصغيرة، ورسم ملامح كل شخصية ودوافعها وأفكارها، أما الجزء الثالث لا يدور في قلعة جورمنجاست، بل بعد خروج تايتوس لرؤية العالم الخارجي ومعرفة أسراره، ليفاجئ بعالم يختلف تمام الاختلاف عن عالمه المألوف، ففي الخارج يركب الناس السيارات والطائرات ويوجد حكومة وشرطة وأوراق رسمية وعلماء وأجهزة غريبة، وهم لا يعرفون شيء عن جورمنجاست ولا عن تقاليدها العريقة، بالنسبة لهم تلك الطقوس والتقاليد شيء من الماضي قد انتهى، وبالنسبة لهم تايتوس شخص مجنون يخيل له وجود هذا العالم المسمى جورمنجاست.

 

قلعة جورمنجاست بريشة الفنان البريطاني آلان لي المشهور برسم عالم الأرض الوسطى لتولكين

 

يضل تاتيوس طريق عودته إلى بيته ووطنه، وفي ظل عدم تصديق الناس لوجود جورمنجاست يبدأ هو نفسه في الشك في وجودها، بل والشك في عقله ذاته، لذا نجد أن تايتوس يبحث عن جورمنجاست كي يجد نفسه، كي يثبت لنفسه أنه ليس مجنون، وأن ماضيه وطفولته وكل الأحداث التي عايشها هي أحداث حقيقية لا من اختلاق عقل مجنون.

تايتوس وحيدًا هي النوستالجيا مجسدة في كتابٍ واحد، فيشاطر القارئ تايتوس شعوره بالوحدة، وشعوره بالغربة، وشعوره بالحنين إلى ماضيه ووطنه، كما يبرع في رسم هذا العالم الحديث، بآلاته وتكنولوجيته الغريبة، حتى لتشعر أن ميرڤن بينك قد مزج بين الفانتازيا والخيال العلمي في مزيج غريب وممتع.

بسبب اختلاف الجزء الثالث عن الجزأين السابقين له فإنه لقى ردود فعل متباينة بين القراءة، البعض كان يرغب في أن تظل الأحداث في نطاق جورمنجاست، وأنا كنت أشاطرهم الرأي في بداية مطالعتي للجزء الثالث، ولكني أحببت العالم الجديد الغريب وشخصياته الجديدة التي رسمها بيك، وشعرت في العديد من المشاهد أنها تشبه تلك اللوحات القديمة التي تتخيل المستقبل بما فيها من غرابة وسحر. الجدير بالذكر أن هناك نسختان من “تايتوس وحيدًا” النسخة الاولى التي قدمها ميرڤن بيك للناشر، ثم عاد وقام بتحسينها وتنقيحها وأضاف لها العديد من الفصول والمشاهد، وقد سعت أرملته ميڤ جيلمور لنشر الجزء الثالث منقحًا وكاملًا بمساعدة بعض أصدقاء زوجها الراحل حتى نجحت في ذلك أخيرًا بعد موت زوجها بسنواتٍ عديدة.

 

ميرڤن بيك وأرملته ميڤ جيلمور

 

لغة بيك شعرية وسحرية، ورغم واقعية العالم إلا أنك ستشعر كأنك تسير في حلم، العالم جميل وينبض بالحياة، كل شخص، كل مكان، كل حجر من أحجار القلعة مرسوم بدقة شديدة وريشة رسام تجعلك ترى كل مشهد وتتخيله وتعيشه، ولعل هذا يرجع لكون بيك رسام في الأصل، فقد اشتهر برسم كتب الأطفال الكلاسيكية مثل أليس في بلاد العجائب وجزيرة الكنز، كما كان لرسوماته دورًا في الحرب العالمية الثانية حيث صورت لوحاته مأساة الحرب ومعاناة الضحايا، كما أن بيك هو الرسام الوحيد الموجودة رسمته الذاتية في متحف اللوحات الوطني البريطاني National Portrait Gallery، كما أن مخطوطاته الأولى لروايات جورمنجاست التي كتبها بيده كانت تحوي بعض الرسومات لشخصيات وأماكن من الرواية.

 

رسمة من مخطوطة تايتوس جرون تظهر ستيربايك وفيوشا كما تخيلهما بيك

 

يأخذ بيك وقته في رسم المشهد، كل حركة، كل صوت، كل رائحة، وهذا ما يجعل إيقاع الرواية بطيئًا، ولكنه ليس مملًا، فالقارئ يسير بين مشاهدة مسحورًا مبهور الأنفاس، فهو يجعل القارئ يرى كل مشهد ويتخيله ويعيشه، كنت أحتاج أثناء قراءة الروايات لبعض اللحظات بين مشهد وآخر كي أفكر فيه وأتخيله واتأمله، أحيانا أستمر في القراءة كي أكتشف بعد عدة فقرات أنني ما زلت مستغرقًا في مشهدٍ سابق. ورغم بطء إيقاع المشاهد إلا أن القارئ يظل متيقظًا متحفزًا، دوافع الشخصيات المرسومة بدقة، الأفكار التي تدور في عقلها، اهتمام القارئ الحقيقي بمصير الشخصيات وتعلقه بها تجعله يرغب في معرفة ما سيحدث فيما بعد، العديد من المشاهد في القصة اضطرتني للوقوف لأنني لم أحتمل البقاء هادئًا وانا اقرأ المشهد.

يقول الكاتب البريطاني سي إس لويس مؤلف سلسلة نارنيا عن أعمال بيك أنها: “إضافة حقيقية لحياة المء، إنها كحلمٍ نادر تمنحنا إحساسً لم نشعر به من قبل، وتوسع إدراكنا ومجال الخبرات التي قد يخوضها الإنسان.

تم اقتباس “جورمنجاست” بعد ذلك في العديد من الأعمال المسرحية والمسلسلات الإذاعية على الراديو والمقطوعات الموسيقية الأوبريالية، كما قامت BBC سنة 2000 بإنتاج مسلسل بعنوان جومنجاست يتناول قصة الجزء الأول والثاني من السلسلة بطولة العديد من النجوم البريطانيين اللامعين مثل سير كريستوفر لي وايان ريتشاردسن وسيليا ايمري وغيرهم، ولاقى المسلسل احتفاء النقاد وحظي بالعديد من الجوائز مثل الجائزة البريطانية لفنون الفيلم والتلفزيون.

 

طاقم مسلسل جورمنجاست

 

كان بيك يرغب في أن تكون سلسلة جورمنجاست ـ أو كتب تايتوس كما أسماها ـ ملحمة تتبع شخصية واحدة منذ المولد حتى الموت، فالجزء الأول “تايتوس جرون” يتحدث عن مولد تايتوس وتأخذ فترة كونه طفل رضيع، أما الجزء الثاني “جورمنجاست” فيتحدث عن مرحلة الفتوة وبداية سنين المراهقة، أما الجزء الثالث والذي تدور أحداثه خارج قلعة جورمنجاست فيتحدث عن مغامرات المراهقة وطيش الشباب، حتى يبلغ تايتوس مرحلة النضج، وكان من الممكن أن يكمل ميرڤن بيك مشروعه لو يصاب بالمرض الذي جعله يتوقف عن الكتابة، قبل أن يداهمه الموت وهو يضع الخطوط الأولية لرواية رابعة بعنوان “استيقاظ تايتوس” ولكنه لم يترك منها سوى ورقات قليلة، وحاولت أرملته إكمال القصة على نفس المنوال ونشرتها لاحقًا ولكنها لم تقبل نفس الاحتفاء الذي قوبلت به روايات زوجها الأصلية.

فقد الأدب الإنجليزي والعالمي الكثير بموت ميرڤن بيك قبل أن يكمل سلسلته، وكم كنت أتمنى أن أرى المزيد من تلك العبقرية الحبيسة في عقل ميرڤن بيك، ولكن ستظل سلسلة جورمنجاست شاهدة على ابداعه وعبقريته.

نشر المقال للمرة الاولى على موقع شبكة الميادين الإعلامية

الكاتب عماد الدين عيشة قاصٌ بارع بعقل باحث تاريخ وريشة فنان

المؤلف البريطاني ذو الأصول الفلسطينية د. عماد الدين عيشة هو من الكتاب القلائل في الساحة العربية المخلصين حقًا لأدب الخيال العلمي، رغم كونه يكتب باللغة الإنجليزية ـ لغته الأم ـ بسبب مولده ودراسته في بريطانيا، إلا أن أفكار رواياته وقصصه القصيرة عربية حتى النخاع.

تجمع كتابات د. عيشة بين عنصرين جوهريين، الأول هو النظرية العملية؛ مثل فكرة السفر عبر الفضاء واستعمار الكواكب الأخرى، أو السفر عبر الزمن للحضارات القديمة، وقضايا السايبربانك والروبوتات وغيره، والأمر الجوهري الآخر هو اهتمامه ومعرفته بالتاريخ وإلمامه بتفاصيله وخاصة التاريخ العربي والإسلامي. فعلي سبيل المثال، عمله الأكبر “سجلات الجزيرة الخضراء: المسلمون على المريخ” ـ والذي يعد بعضها للنشر على شكل عدة قصص منفصلة ـ تعد أبرز مثال على أسلوب د. عيشة الأدبي، فالرواية باختصار تروي عن مستقبل استعمر فيه البشر المريخ، وعن العرب والمسلمين الذين يتمتعون بعدة مستعمرات منفصلة على المريخ، ويناقش خلالها قضايا العرب ومشاكل الجيران من منظور خيالي علمي عربي إسلامي، كحكاية “منحنى في الفضاء” التي تظهر كيف أن العيب ليس في المكان ولكن في الأشخاص أنفسهم؛ وأي مكان سيذهبون إليه سيحملون معهم مشاكلهم الخاصة. وأيضًا قصة “صانع الساعات” التي تدور في العالم نفسه، وأظهر فيها المؤلف المسلمين من حضارات وثقافات مختلفة على الأرض، وخاصة الثقافات الأسيوية وكيف يحيون ويتصرفون على المريخ، ولم بظهر فيها الكاتب معرفته بالتاريخ فقط، ولكن أظهر بوضوح معرفته بالدين والمذاهب والسياسة أيضًا.

أما عن قصة “جسد المقاومة” وقصة “دائرة الشك” وهما قصتان تدور أحداثهما على الأرض في العالم المألوف، فيحملان عناصر من “السايبربانك” و”الاسبياناج” في جوٍ عربي مميز، ويظهران اهتمام الكاتب بالتفاصيل الدقيقة، وحرصه على اكساب قصصه حلة مميزة، فالقارئ المتمعن لن يخطئ التعرف على قصة كتبت بقلم “عماد الدين عيشة” أما قصتي المفضلة من أعماله هي قصة “أنصاف آلهة عبر الزمن” التي تدور أحداثها في العراق في المستقبل، ثم تنتقل بنا إلى الماضي، إلى عصر “جلجامش” بطل الملحمة الشهيرة، ويرسم د. عيشة بدقة – بعقل باحث تاريخ وريشة فنان – حضارة وثقافة وعادات البشر في تلك الأحقاب القديمة، فيشعر القارئ أنه يرى الأحداث ويعايشها، ولا تخلو القصة من عناصر الخيال العلمي، وكيف استطاع البطلان التواصل مع جلجامش والناس في عصره باستخدام التكنولوجيا الموجودة معهم، بشكلٍ غاية في الإتقان والإقناع، مما يدل على أننا أمام قاصٍ بارع.

أتمنى أن ينال د. عماد الدين عيشة نصيبه من اهتمام النقاد، واهتمام الناشرين والنقاد على حد سواء، فقلمه قادر على تغيير وجه الخيال العلمي في العالم العربي والإسلامي، ولعله في العالم أجمع، فهو يضفي بأعماله بعدًا جديدًا لهذا النوع من الأدب على شاكلة الرواد الأوائل للخيال العملي مثل فيرن وويلز وأزيموف وفيليب ديك، وأتمنى أن نرى أعماله مطبوعة في كل مكان، ونراها أيضًا مقتبسة على شاشات التليفزيون والسينما؛ الأجنبية ونتمنى أيضًا، العربية.

 

Dr. Emad El-Din Aysha, a British author of Palestinian origin, is one of the few writers in the Arab arena who is truly dedicated to science fiction. What is more, the ideas of his novels and short stories are Arab to the core although he writes in his mother tongue, English, because of his birth and study in Britain.

The writings of Dr. Aysha bring together two key elements. The first is scientific theory, such ideas as ​​traveling through space and colonizing other planets, or travel through time to ancient civilizations, cyberpunk, robotics and other issues. The other key component is his interest and his knowledge of history and its details, particularly Arab and Islamic history. For example, his compendious work, “The Algeciras Chronicles: Muslims on Mars” – some portions of which are being prepared for publication in the form of several separate stories – is the most prominent example of Dr. Aysha’s literary style. In sum, the novel tells the story of a future in which humans have colonized Mars, and the Arabs and Muslims enjoy several separate colonies on Mars, allowing him in turn to discusses Arab issues and the problems of neighbors, all from the perspective of Arab-Islamic science fiction, like his story “A Detour in Space.” It illustrates how the defect is not in place but in the people themselves; wherever they go, they will carry their own problems with them. And the story of the watchmaker, which takes place in the same world. Here the author presents Muslims from different civilizations and cultures on earth, especially Asian cultures, and how they live their lives and conduct themselves on Mars. The writer illustrated not only his knowledge of history, but also his knowledge of religion, sects and politics.

The story “Body of Resistance” and the story of “Circle of Doubt” are two stories that take place on the Earth in the familiar world. They carry elements of “cyberpunk” and “espionage” in a distinctive Arabic atmosphere. They show the writer’s attention to detail, and his dedication to giving them a distinctive flavor. The attentive reader will not miss a story written by Emad El-Din Aysha. My favorite story by far is “Demigods in Time” that takes place in a future Iraq, and then moves us to the past, to the era of Gilgamesh, hero of the famous epic. The world depicted by Dr. Aysha is painted by the brush of an artist, but with the precision of a historical researcher. The reader feels that he sees events and lives them, the civilization, culture and human customs of those ancient times. Nonetheless, there ae no shortage of science fiction elements in the story, how the heroes manage to communicate with Gilgamesh and the people of his time using the technology they have carried with them, done with great skill and persuasion, evidence a gifted storyteller.

I hope that Dr. Emad El-Din Aysha’s gets his rightful share of attention by the readers, and peeks the interest of publishers and critics alike, for his pen is capable of changing the face of science fiction in the Arab and Islamic world, and perhaps in the world as a whole. His works are genre defining, lending a new dimension to this literature on the model the pioneers of science fiction, such as Verne and Wells and Asimov and Philip Dick. I look forward to seeing his works printed everywhere, and to see them also adapted to television and cinema; foreign and, we hope also, Arabic.

Works by Dr. Emad El-Din Aysha

القلب والعقل: من حكايات الياتي غريب الأطوار

مجموعة قصص كوميدية رسومات وحوار نِك سيلوك الرسام الكارتوني الشهير باسم “اليتي غريب الأطوار” عن العلاقة بين العقل الذي يشعر بالمسؤولية والقلب الذي ينجرف وراء مشاعره، والمواقف الطريفة فيما بينهما.