الفانتازيا والرعب في الأدب المصري المعاصر

الفانتازيا باعتبارها فنًا قصصيًا هي أقدم أنواع الحكي الذي عرفه البشر منذ فجر التاريخ، فالفانتازيا هي الخيال، أو الحكايات الخيالية، قصص الآلهة والسحر والمخلوقات الأسطورية، فلا توجد حضارة بشرية قديمة تخلو من الميثولوجيا، وقصص الآلهة والخلق، والحكايات الشعبية عن الساحرات أو الغيلان أو الجنيات. ولعبت هذه الحكايات دورًا في تفسير الظواهر الغامضة التي وقف الإنسان البدائي حائرًا أمامها، مثل البرق الذي فسره الإسكندنافيون على أنه مطرقة ثور، وفسره الإغريقيون على أنه أسهم زيوس. وفي وقتنا المعاصر تعد الحكايات الشعبية جزءًا لا يتجزأ من الفن الشعبي لأي مجتمع بشري، فمن منا لم يستمع في صغره إلى حكايات الجدات عن الشاطر حسن وست الحسن والجمال، أو يتخيل نفسه جزءًا من مغامرة خيالية في عالم آخر سحري.

وقد حظيت الفانتازيا الحديثة بشعبية كبيرة في العصر الحديث، وتصدرت الفانتازيا المشهد السينمائي بأعمال ذات إنتاج ضخم مثل سيد الخواتم وهاري بوتر، ورغم اعتقاد البعض أن الفانتازيا قد تنزوي مع التقدم العلمي ونبذ الانسان للخرافات القديمة، إلا أن ما يحدث عكس ذلك، فيقول مارك تشادبورن المؤلف الفانتازي البريطاني: “كلما صار العالم أكثر عقلانية، جنحنا إلى اللا معقول في خيالنا.”

 

 

أما عن الرعب، فهو أيضًا جزء من اللاوعي البشري، يقول لافكرافت إن الخوف هو أقوى وأقدم المشاعر البشرية، وأقوى وأقدم نوع من الخوف هو الخوف من المجهول. فقد وجد البشر أنفسهم في بداية التاريخ في بيئة عدائية تمامًا لهم، فكان الخوف من الجوع، ومن المرض، ومن الحيوانات المفترسة المتربصة بالإنسان بين الظلال الداكنة، والخطر يحيط بالإنسان من كل حدبٍ وصوب، وقد انعكس هذا الخوف على ثقافة الإنسان في شتى الحضارات، ما بين المعتقدات والطقوس، وصولًا إلى الحكايات الشعبية عن المخلوقات المخيفة كالغيلان وغيرها.

وهكذا تتلاقى الفانتازيا والرعب عند هذا الخط الرفيع، فيمتزجان أو يفترقان، ولا يقتصر رعبنا على المخاوف القديمة، فحتى في العصور الحديثة وبعد التقدم البشري الكبير ما زلنا نعثر على أشياء جديدة تخيفنا، وخصوصًا بعدما أدركنا مدى اتساع الكون الشاسع ومدى ضآلة الجنس البشري على هذا الكوكب الصغير المسمى الأرض، وهل نحن وحدنا في هذا الكون الشاسع، أم أن هناك من يشاركنا إياه، وكلا الاحتمالين مخيف للغاية.

والسؤال هو، لماذا نستمتع بالرعب، ما سر حبنا في صغرنا لحكايات الجدات عن الجن والغيلان، أو حبنا في كبرنا للروايات والأفلام المرعبة، والإجابة هي أن الإنسان يحب أن يجرب المشاعر السلبية في بيئة آمنة، لعبة “الاستغماية” ونحن صغار وخوف أحدنا من أن ينكشف، ولكنه خوف بريء لا خطر منه، وكذلك استمتاعنا بلعبة قطار الرعب في الملاهي، هذا القطار المسرع المجنون الذي ينقلب بك رأسًا على عقب وتشعر أنك تكاد تهوي، ولكنك متيقن أن هذا لن يحدث، هذا هو مصدر الاستمتاع، تجريبنا للخوف والاحساس بالخطر، مع احساسنا الخفي بالأمان والطمأنينة. لهذا نحب أن نواجه المخلوقات المرعبة في الروايات والأفلام، لأننا نعرف أننا سننجو من هذه المواجهة، وهذا مصدر إحساسنا بالاستمتاع.

 

 

وهكذا نجد أن الفانتازيا والرعب يلعبان دورًا في حياة البشر وفكرهم ومعتقداتهم منذ القدم، ولهما دور لا يُستهان به في الأدب والوسائط الإعلامية الحديثة، فليس غريبًا أن يتجه العديد من الكُتّاب الشباب إلى هذا اللون من الأدب، فهم ذاتهم قد يكونون من عشاق الفانتازيا والرعب، فالكاتب غالبًا ما يكتب ما يحب أن يقرأه، فبعد موجة الفانتازيا الحديثة في الأدب والسينما، وجدنا الكثير من الكُتّاب الشباب يتجهون إلى ابتكار عوالمهم السحرية الخاصة، سواء مستوحاة من التراث العربي مثل “الغول الأحمر الأخير” للكاتب محمد الدواخلي، أو يغلب عليها التأثر بالطابع الغربي مثل “صانع الأحلام” للكاتب معتز حسانين. ولعل هذا يرجع أيضًا إلى أن شعبية هذه الأعمال الغربية قد فتحت الباب أمام نشر الأعمال العربية والمصرية، فقبل ذلك لم تكن الفانتازيا أو الرعب ضمن أنواع الأدب الحقيقية في أعين النقاد ودور النشر، ولا يعدوهما سوى قصص للأطفال على أقصى تقدير؛ ولكن بعد شعبية سيد الخواتم وهاري بوتر، وبعد أن ترجمتهما دار “نهضة مصر” إلى العربية، والتي اتجهت إلى ترجمة أعمال الفانتازيا الغربية الأخرى مثل “سيبتموس هيب” و”سبايدر ويك”، صار المجال متاحًا لنشر الروايات الفانتازيا العربية.

السبب الآخر والأهم، هو الكاتب الراحل “أحمد خالد توفيق” عليه رحمات الله، فهو لم يكن مجرد كاتب، بل كان ظاهرة أثرت في جيلٍ بأكمله، فقد كتب في أدب الرعب سلسلة “ما وراء الطبيعة”، وكتب سلسلة تحمل عنوان “فانتازيا”، ولكنه الكاتب الوحيد في مصر الذي كان يقرأ له الجميع من كل الأعمار بدءً من طلبة الابتدائية حتى طلبة الجامعة، كانت كلماته سلسة، وأفكاره بسيطة، ولكنها تحمل تيمات من الخيال والرعب، ورغم بساطتها وخيالها إلا أنها كانت تحمل بين طياتها أفكارًا عميقة، ودروسًا في الحياة، والعديد من الشباب تأثرت أفكارهم وشخصياتهم بكتابات هذا الرجل وحده، حتى أن بعضهم صار يحاكي شخصياته في التفكير أو حتى أسلوب الحديث، وبعضهم حاكى حتى أسلوب الكتابة، وبدأ يبني عالمه الخاص، ورأينا عددًا كبيرًا من كُتّاب الرعب في مصر، وصار بعضهم أسماءً لامعة مشهورة، ولكنهم يعترفون بأستاذية أحمد خالد توفيق حتى اليوم، وأهدوه في حياته لقب العرّاب، الأب الروحي لجيل من الشباب بأكمله.

 

 

كنت واحدًا ممن تأثروا بهذه المرحلة، فقد نشأت في صغري على حكايات جدتي الشعبية، وعندما كبرت قليلًا تأثرت بسيد الخواتم وهاري بوتر، ثم اتجهت لقراءة كتب الفانتازيا الغربية وفي الوقت ذاته تعرفت من خلال أحمد خالد توفيق إلى لافكرافت وبو، وقد كتبت بعض قصص الفانتازيا في المرحلة الإعدادية والثانوية ولكنها كانت محاولات غير ناضجة، حتى وصلت إلى روايتي المنشورة الأولى “ريـــم” وهي مزيج من الفانتازيا والرعب تأثرًا بتلك المرحلة، وقد بدأت الفكرة بقصة رعب قصيرة كتبتها بعنوان “القط الأسود” ثم توسعت في الفكرة والعالم ومرت القصة بالعديد من التعديلات والتغيرات، حتى وصلت إلى هيئتها الأخيرة المعروفة باسم “ريـــم”. القصة لا تمزج بين الرعب والفانتازيا فقط، بل تمزج ملامح الحكايات الشعبية المصرية، بعناصر من الحكايات الشعبية الأوروبية، التي فُتِنْتُ بها كثيرًا وقرأت لأغلب جامعيها من الأخوين جريم وهانز كريستيان أندرسن وغيرهم.

ورغم أن الروايتين المنشورتين بعد “ريـــم” وهما “ملاذ: مدينة البعث” والشتاء الأسود ينتميان إلى أدب الخيال العلمي، أو أدب ما بعد الكارثة على وجه التحديد، إلا أنه ما يزال في جعبتي العديد من الحكايات الفانتازية التي لم أروِها بعد، وروايتي القادمة ستكون من أدب الفانتازيا بإذن الله.

 

نشر المقال لأول مرة على موقع لأبعد مدى

نهاية العالم من الميثولوجيا إلى الأدب

الإنسان يخاف من المجهول، والمستقبل هو أكبر مجهول في حياتنا، وبالطبع يميل المتشائمون إلى توقع الأسوأ، ومن رحم هذا الخوف وُلِد أدب ما بعد الكارثة أو ما بعرف باسم Post-Apocalypse هو نوع فرعي من أدب الخيال العلمي، يدور في المستقبل القريب أو البعيد، ويدور حول كارثة تؤدي لدمار الحضارة، قد تكون هذه الكارثة بفعل الإنسان مثل الحرب النووية، أو لسبب خارج عن إرادة الإنسان كالأوبئة والتغيرات الجوية، بعض الروايات تتناول الكارثة ذاتها، ومكافحة البشر للنجاة في تلك البيئة القاسية، وبعضها يتناول محاولة الناس للتكيف على الحياة بعد الكارثة.

والحديث عن نهاية العالم بشكله المعروف هو أمر ليس بجديد، بل هو قديم قدم الحضارة الإنسانية ذاتها، فلا تخلو ديانة أو ميثولوجيا من محاولة تخيل نهاية العالم، مثل معركة راجناروك في الميثولوجيا الإسكندنافية، وأسطورة الشموس الخمس أو نهاية دورة الزمان الخامسة عند حضارة الأزتك.

 

Ragnarök by Rasmus Berggreen

 

ولكن أدب ما بعد الكارثة بشكله الحديث لم يظهر إلا مع بدايات القرن التاسع عشر وخصيصًا مع رواية “الرجل الأخير” (1826) لماري شيلي والتي تدور حول مجموعة من البشر يكافحون للبقاء في عالم يجتاحه الوباء، ورجل يصارع من أجل إبقاء عائلته آمنة، ولكنه في نهاية الرواية يصبح الرجل الوحيد المتبقي على قيد الحياة. تلتها أعمال أخرى مثل رواية “المحاورة بين إيروس وتشارميون” (1839) لإدجار ألان بو وهي عن محاورة بين روحين في الحياة الأخرى، يتحدثان عن كيفية دمار الحياة على سطح الأرض عن طريق اصطدام نيزك بالأرض أدى إلى فقدان النيتروجين من الغلاف الجوي وفناء البشر في الاحداث التالية لذلك الاصطدام. وهناك أمثلة أخرى كثيرة مثل “آلة الزمن” (1895) و”حرب العوالم” (1898) لـ إتش جي ويلز و”بعد لندن” (1885) لريتشارد جيفريس ورواية “الآلة تتوقف” لـ إي. إم. فورستر (1910) وغيرهم.

ورغم ذلك لم ينل هذا النوع من الأدب شهرته وشعبيته إلا في منتصف القرن العشرين، مع حلول الحربين العالميتين، ورؤية الإنسان لما قد تفعله القنابل النووية، فأصبحت نهاية العالم ممكنة وليس ضربًا من الخيال، فتصدرت فكرة الكارثة النووية هذا النوع من أدب، وظهرت روايات مثل “الإنذار الأحمر” (1958) لبيتر جورج والتي تتحدث عن أول ساعتين من الحرب العالمية الثالثة، والتي حولها المخرج الشهير ستانلي كوبريك إلى فيلم سينمائي، ورواية “على الشاطئ” (1957) لنيفيل شوت والتي تتحدث عن اندلاع الحرب العالمية الثالثة النووية وتبدأ بحرب بين ألبانيا وإيطاليا ثم يتطور الأمر لصراع بين الناتو والاتحاد السوفيتي، وقد تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي أيضًا، وهناك العديد من الأمثلة الأخرى.

 

Nuclear Winter by Emilis Baltrusaitis

 

في وقتنا الحاضر يعد سيناريو “ما بعد النفط” هو الأشهر في أدب ما بعد الكارثة، والصراع على موارد الطاقة بين القوى العظمى، ولعل الأشهر في هذا اللون سلسلة أفلام “ماد ماكس” مع الجزء الذي عرض سنة (1979) وتدور أحادثه في مستقبل استنزف فيه الوقود وما تبعه من نقص شديد في موارد الطاقة وانهيار لمنظومة القانون والقيم والأخلاق. وفي رواية “عالم صنع باليد” لجيمس هوارد كونستلر (200) يتخيل الكاتب الحياة في شمال ولاية نيويورك بعد نقص موارد النفط العالمية والدمار الشديد الذي تعرض له الاقتصاد الأمريكي على إثر ذلك مما يجبر الناس والمجتمع على التكيف في حياتهم اليومية بدون نفط رخيص. وفي في رواية اللاعب رقم واحد لدوغلاس كوبلاند (2010) نرى أربعة أشخاص يلجؤون إلى حانة مطار في تورنتو بينما تحدث في الخارج سلسلة من الأحداث الكارثية. وتروي قصة “النور الأخير” وتكملتها “ما بعد النور” بقلم أليكس سكارو سقوط الحضارة البريطانية بعد حرب في الشرق الأوسط تستزف أغلبية موارد الأرض من النفط.

وهكذا نرى أنه كلما ظهر مصدر جديد لخوف الإنسان تلي ذلك تصور جديد لنهاية العالم، وألوان جديدة من أدب ما بعد الكارثة، الخوف من سيطرة الروبوت على الإنسان، الخوف من الغزو الفضائي، وسيستمر الأمر كذلك حتى نهاية العالم الحقيقية، أو ما بعدها.

 

نشر المقال للمرة الأولى على موقع الميادين

هكذا تسللت ميثولوجيا لافكرافت إلى اللاوعي الجمعي

يعد هوارد فيليبس لافكرافت من الكُتّاب القلائل الذين يتركون ورائهم تأثيرًا كبيرًا لا على الأدب وحده، ولكن على الثقافة البشرية بشكلٍ عام، فيمكن أن ترى إشارات وتلميحات واقتباسات إلى عناصر عدة من أعمال لافكرافت في العديد من أشكال الفن كالروايات والمسرحيات والأغاني والسينما وألعاب الكومبيوتر، وأصبحت كلمات من كثولو وآرخام ونيكرونوميكون معروفة لدى العديد من الناس حتى هؤلاء الذين لم يقرؤوا أعمال لافكرافت.

ما يجعل الأمر أكثير إثارة للحيرة هو أن لافكرافت عاش حياته بلا أي شهرة، ولم تتعدى قراءة أعماله دائرة أصدقائه ومعارفه وعدد قليل من متابعي المجلات التي كان ينشر بها، بل أنه نفسه كان يتنبأ باندثار أعماله بعد موته، فما سر تلك الشعبية الطاغية لأعمال لافكرافت؟

العديد من الكتاب وخصوصا في الفانتازيا يسعون إلى خلق العوالم والميثولوجيا الخاصة بهم، وكثيرًا ما يتم الإشارة إلى أعمال بعض الكُتاب الفانتازية بأنها ميثولوجيا، مثل ميثولوجيا تولكين في السيلماريليون، أو ميثولوجيا سي. اس. لويس في نارنيا، ولكن هذه الأعمال لا تصنف كميثولوجيا حقيقية، بل يظل تصنيفها رواية، عمل إبداعي لكاتب استطاع أن يخلق عالم بكل تفاصيله، ولكنهم لم يصلوا حقًا إلى مرحلة الميثولوجيا، وذلك لأنهم يفقدون عنصر هام موجود في ميثولوجيا الشعوب المنتشرة على نطاق واسع، وهي دورة المحاكاة.

المقصود بدورة المحاكات هي بداية القصة بفكرة صغيرة، يتم تداولها وتحريفها وتضخميها مرارًا وتكرارًا، لتعكس شيئًا جديدًا في كل مرة متعلق براوي تلك القصة، فكل الحكايات والأساطير القديمة عن الآلهة والوحوش الأسطورية والأبطال هي مجرد انعكاس لأفكار البشر ومشاعرهم وطموحاتهم ومخاوفهم.

بشكلٍ ما استطاع لافكرافت أن يحقق ذلك لسبب بسيطة وهو أنه لم يكن يكترث ببناء عالم، بل جاء بسبب عادة لديه أثناء الكتابة وهي أن يشير إلى نفس العناصر مرارًا في أعمال مختلفة، وقد يكون لإحداها دورًا صغيرًا في إحدى القصص، ثم يصبح لها دورًا أكبر في أعمال أخرى. فمدينة آرخام على سبيل المثال ظهرت للمرة الأولى في قصة “هربرت ويست المعيد إلى الحياة” ثم ظهرت بعدها بسنوات في قصة “الاحتفال” ثم أصبحت نقطة مركزية للأحداث الخارقة للمألوف في كل أعماله. وفي قصته الشهيرة “الظل فوق إنزماوث” يكون لداجون أحد الكيانات القديمة دورًا كبيرًا، ولكن العديد من القراء لا يعرفون أنه قد ظهر قبلها بأربعة عشر عامًا في قصة قصيرة للغاية بعنوان “داجون”.

 

شخصية غريبة الأطوار

 

 

النقطة المهمة الأخرى هي شخصية لافكرافت غريبة الأطوار، فبسبب المعاناة التي مر بها في طفولته أصبح لافكرافت شخصًا منطويًا وأغلب تواصله مع المحيطين فيه كان عبر الخطابات، التي ترك وراءه عشرات الآلاف منها، في تلك الخطابات كان يشجع أصدقائه والكتاب المبتدئين على مشاركته عالمه، والبناء على أساس أساطيره، وأحد هؤلاء المشاركين هو كلارك أشتون الذي قدم مخلوقًا يدعى “تساثوجوا” تم التلميح له لاحقًا في بعض أعمال لافكرافت، مثل “الهامس في الظلام” و”الرعب في المتحف” و”على جبل الجنون”.

كتب فرانك لونج في المقدمة التي لم تنشر لقصته “آكلو الفضاء” اقتباسًا غير موثوق المصدر لكتاب لافكرافت المسمى “النيكرونوميكون” من المفترض أن من ترجمه هو جون دي العالم الحقيقي الشهير الذي لعب دورًا كمستشارٍ للملكة إليزابيث، لاحقًا ضم لافكرافت هذه الترجمة إلى عالمه مشيرًا إلى اسم جون دي كمترجم للعمل في بعض خطاباته عن تاريخ النيكرونوميكون.

بتلك الطريقة صنع لافكرافت قاعدة عريضة يدعم بها عالمه، ترك لافكرافت العديد من التفاصيل الغامضة، والقطع الناقصة في أعماله، والتي ملأها بعده الروائيين والموسيقيين وصانعي الألعاب لتتفرع الحكايات أكثر وأكثر وتكتسب المزيد من التفاصيل ويظهر منها العديد من الأطوار والنسخ، تمامًا كما حدث من الخرافات والأساطير قديمًا.

وكما تعكس الأساطير الشعبية مخاوف ومشاعر تلك الشعوب، فقد عكست أساطير لافكرافت أفكاره ومشاعره ومخاوفه الخاصة؛ فلسفة لافكرافت حول العالم والحياة البشرية هي فلسفية عدمية، يرى عبثية الحياة أمام هذا الكون العشوائي الأعمى، ونرى ذلك متجسدًا في الدور الضئيل الذي يلعبه البشر في أعماله أمام الكيانات الهائلة المخيفة التي لا تكترث بالبشر، مثل أزاثوث الإله الأعمى الذي لا يفصله عن الكون المألوف سوى غشاء رقيق، إنه قوة فوضوية مخيفة قادرة على تدمير الكون كله، ولا يستطيع أحد من الكيانات القديمة الوقوف أمام وجهه. كما أن العديد من أشكال الحياة قد انبثقت بالصدفة من الإلهة العمياء شَب ـ نيجوراث التي أنجبت العديد من الكيانات القديمة مثل كثولو وتساثوجوا ونج ويب. في الميثولوجيا يكون لإلهة الخصوبة دور كبير ويتم الإشارة للإنجاب باعتباره طقس مقدس، أما لافكرافت فكان يعبر عن سخطه على الحياة وربما احتقاره لها. حتى كثولو نفسه يمثل تلك العدمية والسخط، فصحوته الأخيرة ستؤدي إلى فناء البشر ودمار كل ما بنوه على تلك الأرض، لا شيء سيبقى، الكل سيفنى. وقد صنفه الناقد الإنجليزي كولن ولسن بأنه من الكتٌاب الرافضين للواقع المعاش، وقال في كتابه المعقول واللامعقول في الأدب الحديث أن لافكرافت يهرب من الواقع بطريقة هستيرية ساخطة، تبتعد كثيرًا عن الايجابية والمعقول.

 

خطورة المعرفة

 

 

نرى أيضًا فلسفته حول خطورة المعرفة وعدم قدرة البشر على تحمل الحقيقة في الكثير من أعماله التي يصاب أبطالها بالجنون لأنهم عرفوا أكثر من اللازم، ويتجسد ذلك في يوج ـ سوثوث الذي يعرف الماضي والحاضر والمستقبل، ويهب المعرفة لمن يسعى ورائها ويطلبها، ودومًا ما تؤدي تلك المعرفة إلى الجنون، ولعل ذلك يعكس شغف لافكرافت دومًا بالعلم وما تبع ذلك من فشل أكاديمي.

أشرنا أيضًا إلى شخصية لافكرافت المنطوية غريبة الأطوار، ولكنها لا تقف عند هذا الحد، فلافكرافت كان عنصريًا ولديه خوف من الغرباء، وأي شيء خارج نطاق عالمه المألوف في نيو إنجلاند، وأعماله الأولى خصيصا مليئة بالإشارات العنصرية حيث يضع الرجل الأبيض في مكانة أعلى من البشر الآخرين، ونرى اسقاط ذلك في بعض الكيانات القديمة في أعماله مثل “نيرلاثوتب” المخادع المتحول، الوحيد الذي يستطيع التحرك بحرية عبر الغشاء الذي يفصل بين العالم المألوف وعالم الآلهة الخارجية، إنه يرمز لتسلل الغرباء إلى عالمنا المألوف، ونرى أيضًا جنس قاطني الأعماق الذين يتجانسون مع البشر في “الظل فوق إيزنماوث” الذين يحملون العديد من الإشارات والدلائل على خوف لافكرافت من الآخر، والجدير بالذكر أن حدة تلك العنصرية قد خفت كثيرًا في أعماله اللاحقة، ويصفه بعض النقاد بأنه ضحية فترة عنصرية في بلدة عنصرية، وبالتأكيد فإن طبيعته المنطوية قد ساهمت في تعزيز ذلك الخوف والعنصرية.

يمكن رؤية تلك الاسقاطات في كل أعماله، فهو لم يستخدم تلك العناصر مرارًا وتكرارًا لأنه كان يرغب في بناء عالم، بل لأن تلك العناصر هي إسقاطات لمشاعره ومخاوفه، وهذا هو سر شعبية تلك الأعمال، فكما استخدم القدماء الأساطير والآلهة مثل زيوس أو ثور أو إيزيس أو عشتار كتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم ومخاوفهم، كذلك نستخدم نحن أساطير لافكرافت للتعبير على سخطنا على الحياة أو خوفنا من الآخر أو احساسنا بضآلة الجنس البشري أمام قوى أخرى مخيفة مجهولة تقبع لنا في الظلام.

 

نشر المقال للمرة الأولى على موقع الميادين

الوينديجو

يعد الكاتب الإنجليزي ألجرنون هنري بلاكوود (14 مارس 1869 – 10 ديسمبر 1951) الذي عاش في أواخر العصر الفيكتوري، واحد من آباء أدب الرعب أو الخيال الغريب أو الماورائيات بأعماله التي كتبها على مدار مسيرته الأدبية التي استمرت لأكثر من أربعة عقود نشر خلالها مئات القصص القصيرة وعشرات الروايات التي ملهمًا العديد من كتاب أدب الرعب المعاصرين مثل لافكرافت، وآرثر ماكين، وتولكين، وقد عده لافكرافت في كتابه “الرعب الماورائي في الأدب” أفضل كاتب في هذا النوع وقال إن كتاباته تقع في أعمق نقطة في اللاوعي وتتجاوز الحاجز بين الواقع والخيال.

ولد بلاكوود سنة 1869 في ريف لندن لأبوين ثريين وفرا له حياة رغدة وتعليم خاص، وفرضا عليه بعض التعاليم الدينية الصارمة، إلا أن ألجرنون الصغير تمرد على ذلك، وقام بالترحال، مستكشفا الفلسفة الشرقية، باحثًا عن طريقه الخاص في الحياة بدون وصاية أو توجيه من أحد. ترك جامعة إدنبرة في اسكتلندا وهي واحدة من أعرق الجامعات في العالم بعد عام واحد من الدراسة فيها وقام بالسفر إلى عدة بلدان مستكشفا أفكار وثقافات مختلفة قبل أن ينتقل إلى كندا ليؤسس مزرعة للأبقار وهناك أيضًا قام بإدارة فندق لمدة ستة أشهر، ثم انتقل للعمل في مناجم الذهب في ألاسكا قبل أن ينتقل إلى نيويورك وعمل كمراسل صحفي لجريدة نيويورك تايمز، كما عمل كسكرتير خاص ورجل أعمال وعامل في البار ومعلم لعزف آلة الكمان.

في أواخر الثلاثينات من عمره عاد بلاكوود إلى إنجلترا وبدأ في كتابة قصص الرعب القصيرة للجرائد، ونجحت أعماله للغاية واكتسبت شعبية كبيرة، وكان بلاكوود يقوم برواية أعماله بنفسه في الراديو أو التلفزيون، ونشر عشرة مجموعات قصص قصيرة على الأقل، وأربعة عشر رواية، والعديد من قصص الأطفال والمسرحيات، ومنها العديد من القصص التي لم تنشر أو لم يسع هو لنشرها.

كان بلاكوود محبًا للطبيعة، وعاش حياة مستقلة بدون أن يتزوج أبدًا، وكان يفضل البقاء وحيدًا، كما أنه لم يدرس الفلسفة الشرقية على سبيل الفضول بل كان مؤمنا بها أشد الإيمان، وكان يعتقد بوجود قوى الطبيعة الخارقة والعوالم الماورائية والكيانات القديمة، فنشأ لديه ولع بالطب وعلم النفس والفلسفة الهندوسية وتعمق في دراسة الأمور الروحانية والسحر والتنجيم وعلوم ما وراء الطبيعة والقدرات الروحية الخارقة الكامنة لدى البشر. ثم اشترك في جمعية سرية تدعى الفجر الذهبي تخصصت في الروحانيات وألهمه اشتراكه فيها روايته “الوتر”، فقد كان يستمد إلهامه من خبراته الشخصية ورحلاته وحياته في عدد من الدول المختلفة فاستوحى روايته “الصفصاف” من إحدى رحلاته في نهر الدانوب، أما رحلته لمصر فقد ألهمته رواية الرمال وغيرها، واختفاؤه عن الأنظار لصيف كامل في إحدى غابات كندا ألهمه كتابة روايته التي بين يدينا اليوم “الوينديجو”.

تتميز أعمال بلاكوود بأنها تلعب على الوتر الحساس لدى الانسان وهو الخوف من المجهول، فترتع القوى الغامضة، والعوالم الغريبة، والخوارق الطبيعية، بعيدًا عن الغيلان والوحوش التي كانت تتميز بها قصص الرعب عند معاصريه، ففي رواياته لا يوجد وحوش او غيلان او رعب مباشر، بل لمحات مخيفة من عالم غامض يقع وراء الحقول التي نعرفها، حيث يتماس عالمنا مع عالم آخر مخيف، ويتجنب بلاكوود الشرح والتفسير، بل يترك مخاوفنا الكامنة في أنفسنا بتكملة الأجزاء الناقصة من اللوحة، فتشعر بالرعب والفزع يزحف على عمودك الفقري، وبعد أن تترك أي رواية له ستظل الصورة مرتسمة في ذهنك مثيرة أفكارك وخيالاتك متسائلًا إن كان هناك شيء في هذا العالم كهذا حقًا.

الشتاء الأسود

“ماذا سيحدث لو اندلعت حربًا عالمية ثالثة واستخدمت الدول ترسانة أسلحتها النووية؟ يقول العلماء أن الانفجار الناتج عن القنابل النووية سيؤدي إلى تصاعد الدخان والغبار إلى طبقات الجو العليا مما سيتسبب في حجب أشعة الشمس وانخفاض درجة الحرارة بشكلٍ كبير، وهذا يعني دخول الأرض في شتاء نووي، شتاء مخيف قارس يزحف على الكون ويغلفه برداء بارد مظلم”.

 

الشتاء الأسود، الشتاء الأبيض، لم نعتد شتاءً أبيض في مصر، فما بالك بالشتاء الأسود! الشتاء الأبيض يحمل من الرومانسية بقدر ما يحمل من الكآبة. إن كنت ممن يظنون بكآبة الشتاء الأبيض؛ فانتظر حتى تقرأ الشتاء الأسود لأحمد صلاح المهدي. بأنامل محترفة ينسج لنا أحمد المهدي أحداث روايته، وبنفس هذه الأصابع يسحبنا بسلاسة عبر أحداث الرواية.

ينجح أحمد المهدي في رسم صورة حقيقية بدرجة مبهرة لأحداث الشتاء الأسود في مصر، تركت لدينا ظاهرة ما بعد الرؤية After Image بصورة ممتدة فواحة، فعندما تتم أحداث الرواية تصل لحالة من الانسجام العقلي تجعل أحداثها ماثلة أمامك، حتى بعد أن تغادر صفحات الراوية وتذهب لشئون أخرى؛ أحداثها تظل تطارد مخيلتك، لتشعر بمزيج من القلق والمتعة.

أحمد المهدي يحفر لنفسه مكانًا بارزًا بين كتّاب الموجة الرابعة لكتّاب الخيال العلمي العرب؛ وهذه الرواية علّها تكون (موناليزا أحمد المهدي) أو بمثابة رواية (حلول الليل) لعظيموف.

– د. حسام الزمبيلي، رئيس الجمعية المصرية لأدب الخيال العلمي.

 

يجيد الروائي “أحمد صلاح المهدى” حبكته الروائية المشوقة، ويحكم حول فؤاد القارئ حبال السرد المنسوجة من خيال خصب يصف لنا مغامرة ما بعد كارثة الحرب الكونية، التي غمرت العالم بالظلمة والقتامة والتلوث الإشعاعي والرعب، وتبدو واقعية فنية تمثل “زرقاء يمامة” روائية، تستشرف المستقبل، وترى كيف يكون الإنسان أشد خطرًا من الكارثة ذاتها، (كنبوءة قادمة من مستقبلٍ مخيفٍ مظلم) بتعبير الرواية، ليمثل عبارة الرواية المركزية (كانت الزهور قد دُفنت أسفل الثلج)، لكنها تظل زهورًا، تتوق إلى الحرية والمساواة.

ويستعمل الراوي “التناسخ الروائي” من خلال مشهدية مواقف مناظرة، في إيقاع سردي متوازن مبهور الأنفاس لتجسيم الداهية والإنسانية في توحشها ونبلها بين طرفي نقيض يكشف مغزى الرواية الماتعة، ولم يكن الروائي صاحب شغف بطقس المغامرة والتشويق النابع من بطولة مطلقة، لكنه -كما أرى- صاحب مشروع ورؤية ثاقبة للواقع يمارسها في بث رسالي نبيل، حول المشكلة والحل، ويكفي أن نشير أن رواية “الشتاء الأسود” كاملة مثلت تشغيلًا لآلة الزمن السردية بتقنية الاسترجاع الخارجي “خارج زمن الحكاية” لرواية الكاتب الأخرى “ملاذ – مدينة البعث”، فما أجمله من فكر وسرد.

– أ. خالد جودة، ناقد أدبي.

جورمنجاست .. العبقرية حبيسة عقل ميرڤن بيك

الكاتب البريطاني ميرڤن بيك Mervyn Peake هو رجل متعدد المواهب، إنسان مبدع، وفنان غريب الأطوار، هو كاتب وشاعر ورسام، ورغم شهرته الكبيرة في موطنه بريطانيا، إلا أن القليل يعرفون عنه وعن أعماله حول العالم، ولكن ميرڤن بيك له مكانة خاصة في الأدب الإنجليزي، وخصوصا أدب الفانتازيا، فثلاثيته الرائعة “جورمنجاست” تعد المؤسس لفرع مستقل من الفانتازيا وهي فانتازيا الأشخاص، وهي الفانتازيا المعنية بأفكار الشخصيات ومشاعرهم وانفعالهم ودوافعهم، العناصر الخيالية في تلك الروايات ليست السحر أو التنانين أو الأجناس الأسطورية المختلفة، بل أشخاص وأماكن من الواقع نفسه، كذلك فعل ميرڤن بيك في كتابة روايات سلسلته جورمنجاست، فعالم جورمنجاست ينتمي لعالمنا الحقيقي، قلعة عتيقة، وعائلة ذات دماء نبيلة، وتقاليد وطقوس تجري طيلة قرون بين أصحاب تلك الدماء. ولكن شخصيات بيك هي من تجعل العالم لا مثيل له، أفكارهم ودوافعهم وصراعهم مع ذاتهم أو لتحقيق أفكارهم الخاصة هو من يجعل هذا العالم عجيب. ما يثبته بيك بكتابته هو عالمنا الواقعي يمتلئ بالأعاجيب إذا حدقنا النظر حولنا، ويحتاج الأمر لكاتب حقيقي ومبدع كي يستطيع رؤية هذه العجائب ورسمها على الورق.

 

قلعة جورمنجاست

 

يقول الروائي الكندي روبرتسون ديفيس: “يعد ميرڤن بيك شاعرًا مرهف الحس أكثر من إدجار آلان بو، لذا كان قادرًا على الحفاظ على روعة عالمة الخيالي [الفانتازي] خلال ثلاثة روايات. إن ثلاثية جورمنجاست هي عمل عظيم للغاية … وأحد كلاسيكيات عصرنا الحالي.”

يعد الجزء الأول “تايتوس جرون” تمهيدًا لعالم جورمنجاست، يتعرف على المكان الشخصيات واحدًا تلو الآخر، فنعرف أن جورمنجاست قلعة عريقة مبنية على مساحة شاسعة، بأبراج متداعية وجدران يغطيها اللبلاب، ينظر إليها قاطني الوادي من حولها بنظرة إجلال وتقدير يكاد يصل إلى مرتبة التقديس الديني، يقطن القلعة عائلة جرون النبلاء وسيدها اللورد سيبلكريڤ هو الإيرل السادس والسبعين لعائلة جرون، والذي يتوق لوريث يحمل اللقب من بعده. ونتعرف على كذلك على زوجته الكونتيسة جريترود وطباعها الغريبة وابنتها فيوشا ذات الخمسة عشر ربيعا والسيد فلاي كبير الخدم، وسويلتر كبير الطهاة، وسوردست سيد الطقوس والمشرف على المراسم وابنه برانكنتاين فيما بعد، والطبيب برونسكويلر وأخته إيرما، والعمتان التوأم كورا وكلاريس جرون وستيربايك الفتى الماهر الماكر الذي يبدأ كفتى من فتيان المطبخ، ويصبح له دورًا كبيرًا في الحبكة فيما بعد.

تبدأ الحبكة بميلاد البطل تايتوس جرون، الذي يمثل حدثًا هامًا في حياة القلعة، وعلى الفور يعج المكان بالحركة من المطبخ في الطابق السفلي حتى قاعة المنحوتات اللامعة في الطابق العلوي، وينفض سيد الطقوس التراب عن الكتب القديمة استعدادًا لاستقبال الإيرل السابع والسبعين لعائلة جرون، ورغم أن الكتاب يحمل اسم “تايتوس جرون” إلا أن دوره في الحبكة صغير ويظل طيلة الأحداث طفلًا رضيعًا لا يتجاوز عمره العامان.

 

بعض الشخصيات من عالم جورمنجاست بريشة ميرڤن بيك

 

الجزء الثاني “جورمنجاست” يبدأ بتايتوس وهو في عمر السابعة، وهو طفل متمرد يحاول رفض تلك الطقوس والتقاليد التي فرضت عليه منذ مولده، وتظهر شخصيات جديدة مثل طاقم التدريس في مدرسة جورمنجاست وخصوصا المدير بيلجروڤ، و”الشيء” تلك الفتاة الصغيرة التي ولدت مع مولد تايتوس من مرضعته، وأثرها في حياة تايتوس، ويعد الجزء الثاني استكمالًا لقصة الجزء الأول، فكليهما يتبعان نفس الشخصيات في نفس المكان وهو قلعة جورمنجاست كما أن هذا الجزء يغلق بعض الخيوط التي تركت مفتوحة في الجزء الأول.

ورغم أن الجزء الأول امتاز بمسحة من التراجيديا في أحداثه، إلا أن الجزء الثاني يعد أكثر منه تراجيدية، فقلعة جورمنجاست في هذا الجزء تكسوها مسحة من الكآبة، ولكنها ليست كآبة منفرة، بل كآبة سحرية تشبه تلك التي تنتابك وأنت تتأمل غروب الشمس، أو تستغرق في حالة من النوستالجيا، إنها كآبة بشكلٍ ما في نهاية القصة تشعر أنها غسلت روحك.

أما الجزء الثالث “تايتوس وحيدًا” فيختلف عن الجزئيين الأول والثاني بشكلٍ كبير، فالجزئين الأول والثاني يدوران في قلعة جورمنجاست، ويمتازان بكبر الحجم والوصف الدقيق للتفاصيل الصغيرة، ورسم ملامح كل شخصية ودوافعها وأفكارها، أما الجزء الثالث لا يدور في قلعة جورمنجاست، بل بعد خروج تايتوس لرؤية العالم الخارجي ومعرفة أسراره، ليفاجئ بعالم يختلف تمام الاختلاف عن عالمه المألوف، ففي الخارج يركب الناس السيارات والطائرات ويوجد حكومة وشرطة وأوراق رسمية وعلماء وأجهزة غريبة، وهم لا يعرفون شيء عن جورمنجاست ولا عن تقاليدها العريقة، بالنسبة لهم تلك الطقوس والتقاليد شيء من الماضي قد انتهى، وبالنسبة لهم تايتوس شخص مجنون يخيل له وجود هذا العالم المسمى جورمنجاست.

 

قلعة جورمنجاست بريشة الفنان البريطاني آلان لي المشهور برسم عالم الأرض الوسطى لتولكين

 

يضل تاتيوس طريق عودته إلى بيته ووطنه، وفي ظل عدم تصديق الناس لوجود جورمنجاست يبدأ هو نفسه في الشك في وجودها، بل والشك في عقله ذاته، لذا نجد أن تايتوس يبحث عن جورمنجاست كي يجد نفسه، كي يثبت لنفسه أنه ليس مجنون، وأن ماضيه وطفولته وكل الأحداث التي عايشها هي أحداث حقيقية لا من اختلاق عقل مجنون.

تايتوس وحيدًا هي النوستالجيا مجسدة في كتابٍ واحد، فيشاطر القارئ تايتوس شعوره بالوحدة، وشعوره بالغربة، وشعوره بالحنين إلى ماضيه ووطنه، كما يبرع في رسم هذا العالم الحديث، بآلاته وتكنولوجيته الغريبة، حتى لتشعر أن ميرڤن بينك قد مزج بين الفانتازيا والخيال العلمي في مزيج غريب وممتع.

بسبب اختلاف الجزء الثالث عن الجزأين السابقين له فإنه لقى ردود فعل متباينة بين القراءة، البعض كان يرغب في أن تظل الأحداث في نطاق جورمنجاست، وأنا كنت أشاطرهم الرأي في بداية مطالعتي للجزء الثالث، ولكني أحببت العالم الجديد الغريب وشخصياته الجديدة التي رسمها بيك، وشعرت في العديد من المشاهد أنها تشبه تلك اللوحات القديمة التي تتخيل المستقبل بما فيها من غرابة وسحر. الجدير بالذكر أن هناك نسختان من “تايتوس وحيدًا” النسخة الاولى التي قدمها ميرڤن بيك للناشر، ثم عاد وقام بتحسينها وتنقيحها وأضاف لها العديد من الفصول والمشاهد، وقد سعت أرملته ميڤ جيلمور لنشر الجزء الثالث منقحًا وكاملًا بمساعدة بعض أصدقاء زوجها الراحل حتى نجحت في ذلك أخيرًا بعد موت زوجها بسنواتٍ عديدة.

 

ميرڤن بيك وأرملته ميڤ جيلمور

 

لغة بيك شعرية وسحرية، ورغم واقعية العالم إلا أنك ستشعر كأنك تسير في حلم، العالم جميل وينبض بالحياة، كل شخص، كل مكان، كل حجر من أحجار القلعة مرسوم بدقة شديدة وريشة رسام تجعلك ترى كل مشهد وتتخيله وتعيشه، ولعل هذا يرجع لكون بيك رسام في الأصل، فقد اشتهر برسم كتب الأطفال الكلاسيكية مثل أليس في بلاد العجائب وجزيرة الكنز، كما كان لرسوماته دورًا في الحرب العالمية الثانية حيث صورت لوحاته مأساة الحرب ومعاناة الضحايا، كما أن بيك هو الرسام الوحيد الموجودة رسمته الذاتية في متحف اللوحات الوطني البريطاني National Portrait Gallery، كما أن مخطوطاته الأولى لروايات جورمنجاست التي كتبها بيده كانت تحوي بعض الرسومات لشخصيات وأماكن من الرواية.

 

رسمة من مخطوطة تايتوس جرون تظهر ستيربايك وفيوشا كما تخيلهما بيك

 

يأخذ بيك وقته في رسم المشهد، كل حركة، كل صوت، كل رائحة، وهذا ما يجعل إيقاع الرواية بطيئًا، ولكنه ليس مملًا، فالقارئ يسير بين مشاهدة مسحورًا مبهور الأنفاس، فهو يجعل القارئ يرى كل مشهد ويتخيله ويعيشه، كنت أحتاج أثناء قراءة الروايات لبعض اللحظات بين مشهد وآخر كي أفكر فيه وأتخيله واتأمله، أحيانا أستمر في القراءة كي أكتشف بعد عدة فقرات أنني ما زلت مستغرقًا في مشهدٍ سابق. ورغم بطء إيقاع المشاهد إلا أن القارئ يظل متيقظًا متحفزًا، دوافع الشخصيات المرسومة بدقة، الأفكار التي تدور في عقلها، اهتمام القارئ الحقيقي بمصير الشخصيات وتعلقه بها تجعله يرغب في معرفة ما سيحدث فيما بعد، العديد من المشاهد في القصة اضطرتني للوقوف لأنني لم أحتمل البقاء هادئًا وانا اقرأ المشهد.

يقول الكاتب البريطاني سي إس لويس مؤلف سلسلة نارنيا عن أعمال بيك أنها: “إضافة حقيقية لحياة المء، إنها كحلمٍ نادر تمنحنا إحساسً لم نشعر به من قبل، وتوسع إدراكنا ومجال الخبرات التي قد يخوضها الإنسان.

تم اقتباس “جورمنجاست” بعد ذلك في العديد من الأعمال المسرحية والمسلسلات الإذاعية على الراديو والمقطوعات الموسيقية الأوبريالية، كما قامت BBC سنة 2000 بإنتاج مسلسل بعنوان جومنجاست يتناول قصة الجزء الأول والثاني من السلسلة بطولة العديد من النجوم البريطانيين اللامعين مثل سير كريستوفر لي وايان ريتشاردسن وسيليا ايمري وغيرهم، ولاقى المسلسل احتفاء النقاد وحظي بالعديد من الجوائز مثل الجائزة البريطانية لفنون الفيلم والتلفزيون.

 

طاقم مسلسل جورمنجاست

 

كان بيك يرغب في أن تكون سلسلة جورمنجاست ـ أو كتب تايتوس كما أسماها ـ ملحمة تتبع شخصية واحدة منذ المولد حتى الموت، فالجزء الأول “تايتوس جرون” يتحدث عن مولد تايتوس وتأخذ فترة كونه طفل رضيع، أما الجزء الثاني “جورمنجاست” فيتحدث عن مرحلة الفتوة وبداية سنين المراهقة، أما الجزء الثالث والذي تدور أحداثه خارج قلعة جورمنجاست فيتحدث عن مغامرات المراهقة وطيش الشباب، حتى يبلغ تايتوس مرحلة النضج، وكان من الممكن أن يكمل ميرڤن بيك مشروعه لو يصاب بالمرض الذي جعله يتوقف عن الكتابة، قبل أن يداهمه الموت وهو يضع الخطوط الأولية لرواية رابعة بعنوان “استيقاظ تايتوس” ولكنه لم يترك منها سوى ورقات قليلة، وحاولت أرملته إكمال القصة على نفس المنوال ونشرتها لاحقًا ولكنها لم تقبل نفس الاحتفاء الذي قوبلت به روايات زوجها الأصلية.

فقد الأدب الإنجليزي والعالمي الكثير بموت ميرڤن بيك قبل أن يكمل سلسلته، وكم كنت أتمنى أن أرى المزيد من تلك العبقرية الحبيسة في عقل ميرڤن بيك، ولكن ستظل سلسلة جورمنجاست شاهدة على ابداعه وعبقريته.

نشر المقال للمرة الاولى على موقع شبكة الميادين الإعلامية

الكاتب عماد الدين عيشة قاصٌ بارع بعقل باحث تاريخ وريشة فنان

المؤلف البريطاني ذو الأصول الفلسطينية د. عماد الدين عيشة هو من الكتاب القلائل في الساحة العربية المخلصين حقًا لأدب الخيال العلمي، رغم كونه يكتب باللغة الإنجليزية ـ لغته الأم ـ بسبب مولده ودراسته في بريطانيا، إلا أن أفكار رواياته وقصصه القصيرة عربية حتى النخاع.

تجمع كتابات د. عيشة بين عنصرين جوهريين، الأول هو النظرية العملية؛ مثل فكرة السفر عبر الفضاء واستعمار الكواكب الأخرى، أو السفر عبر الزمن للحضارات القديمة، وقضايا السايبربانك والروبوتات وغيره، والأمر الجوهري الآخر هو اهتمامه ومعرفته بالتاريخ وإلمامه بتفاصيله وخاصة التاريخ العربي والإسلامي. فعلي سبيل المثال، عمله الأكبر “سجلات الجزيرة الخضراء: المسلمون على المريخ” ـ والذي يعد بعضها للنشر على شكل عدة قصص منفصلة ـ تعد أبرز مثال على أسلوب د. عيشة الأدبي، فالرواية باختصار تروي عن مستقبل استعمر فيه البشر المريخ، وعن العرب والمسلمين الذين يتمتعون بعدة مستعمرات منفصلة على المريخ، ويناقش خلالها قضايا العرب ومشاكل الجيران من منظور خيالي علمي عربي إسلامي، كحكاية “منحنى في الفضاء” التي تظهر كيف أن العيب ليس في المكان ولكن في الأشخاص أنفسهم؛ وأي مكان سيذهبون إليه سيحملون معهم مشاكلهم الخاصة. وأيضًا قصة “صانع الساعات” التي تدور في العالم نفسه، وأظهر فيها المؤلف المسلمين من حضارات وثقافات مختلفة على الأرض، وخاصة الثقافات الأسيوية وكيف يحيون ويتصرفون على المريخ، ولم بظهر فيها الكاتب معرفته بالتاريخ فقط، ولكن أظهر بوضوح معرفته بالدين والمذاهب والسياسة أيضًا.

أما عن قصة “جسد المقاومة” وقصة “دائرة الشك” وهما قصتان تدور أحداثهما على الأرض في العالم المألوف، فيحملان عناصر من “السايبربانك” و”الاسبياناج” في جوٍ عربي مميز، ويظهران اهتمام الكاتب بالتفاصيل الدقيقة، وحرصه على اكساب قصصه حلة مميزة، فالقارئ المتمعن لن يخطئ التعرف على قصة كتبت بقلم “عماد الدين عيشة” أما قصتي المفضلة من أعماله هي قصة “أنصاف آلهة عبر الزمن” التي تدور أحداثها في العراق في المستقبل، ثم تنتقل بنا إلى الماضي، إلى عصر “جلجامش” بطل الملحمة الشهيرة، ويرسم د. عيشة بدقة – بعقل باحث تاريخ وريشة فنان – حضارة وثقافة وعادات البشر في تلك الأحقاب القديمة، فيشعر القارئ أنه يرى الأحداث ويعايشها، ولا تخلو القصة من عناصر الخيال العلمي، وكيف استطاع البطلان التواصل مع جلجامش والناس في عصره باستخدام التكنولوجيا الموجودة معهم، بشكلٍ غاية في الإتقان والإقناع، مما يدل على أننا أمام قاصٍ بارع.

أتمنى أن ينال د. عماد الدين عيشة نصيبه من اهتمام النقاد، واهتمام الناشرين والنقاد على حد سواء، فقلمه قادر على تغيير وجه الخيال العلمي في العالم العربي والإسلامي، ولعله في العالم أجمع، فهو يضفي بأعماله بعدًا جديدًا لهذا النوع من الأدب على شاكلة الرواد الأوائل للخيال العملي مثل فيرن وويلز وأزيموف وفيليب ديك، وأتمنى أن نرى أعماله مطبوعة في كل مكان، ونراها أيضًا مقتبسة على شاشات التليفزيون والسينما؛ الأجنبية ونتمنى أيضًا، العربية.

 

Dr. Emad El-Din Aysha, a British author of Palestinian origin, is one of the few writers in the Arab arena who is truly dedicated to science fiction. What is more, the ideas of his novels and short stories are Arab to the core although he writes in his mother tongue, English, because of his birth and study in Britain.

The writings of Dr. Aysha bring together two key elements. The first is scientific theory, such ideas as ​​traveling through space and colonizing other planets, or travel through time to ancient civilizations, cyberpunk, robotics and other issues. The other key component is his interest and his knowledge of history and its details, particularly Arab and Islamic history. For example, his compendious work, “The Algeciras Chronicles: Muslims on Mars” – some portions of which are being prepared for publication in the form of several separate stories – is the most prominent example of Dr. Aysha’s literary style. In sum, the novel tells the story of a future in which humans have colonized Mars, and the Arabs and Muslims enjoy several separate colonies on Mars, allowing him in turn to discusses Arab issues and the problems of neighbors, all from the perspective of Arab-Islamic science fiction, like his story “A Detour in Space.” It illustrates how the defect is not in place but in the people themselves; wherever they go, they will carry their own problems with them. And the story of the watchmaker, which takes place in the same world. Here the author presents Muslims from different civilizations and cultures on earth, especially Asian cultures, and how they live their lives and conduct themselves on Mars. The writer illustrated not only his knowledge of history, but also his knowledge of religion, sects and politics.

The story “Body of Resistance” and the story of “Circle of Doubt” are two stories that take place on the Earth in the familiar world. They carry elements of “cyberpunk” and “espionage” in a distinctive Arabic atmosphere. They show the writer’s attention to detail, and his dedication to giving them a distinctive flavor. The attentive reader will not miss a story written by Emad El-Din Aysha. My favorite story by far is “Demigods in Time” that takes place in a future Iraq, and then moves us to the past, to the era of Gilgamesh, hero of the famous epic. The world depicted by Dr. Aysha is painted by the brush of an artist, but with the precision of a historical researcher. The reader feels that he sees events and lives them, the civilization, culture and human customs of those ancient times. Nonetheless, there ae no shortage of science fiction elements in the story, how the heroes manage to communicate with Gilgamesh and the people of his time using the technology they have carried with them, done with great skill and persuasion, evidence a gifted storyteller.

I hope that Dr. Emad El-Din Aysha’s gets his rightful share of attention by the readers, and peeks the interest of publishers and critics alike, for his pen is capable of changing the face of science fiction in the Arab and Islamic world, and perhaps in the world as a whole. His works are genre defining, lending a new dimension to this literature on the model the pioneers of science fiction, such as Verne and Wells and Asimov and Philip Dick. I look forward to seeing his works printed everywhere, and to see them also adapted to television and cinema; foreign and, we hope also, Arabic.

Works by Dr. Emad El-Din Aysha

لورد دونساني الأب الروحي للفانتازيا المعاصرة

عند الحديث عن الفانتازيا هناك العديد من الأسماء التي يتطرق إليها النقاش، مثل تولكين وسي اس لويس وغيرهما، ولكن نادرًا ما يذكر أحد الكاتب العظيم لورد دونساني، الذي يعد بحق الأب الروحي لأدب الفانتازيا الحديثة، وتعد روايته الأشهر “بنت ملك الجن” واحدة من أهم الأعمال في الأدب الإنجليزي على الاطلاق.

ولد إدوارد جون وليام بلانكت في الرابع والعشرين من يوليو سنة 1878 لعائلة دونساني واحدة من أعرق العائلات الأيرلندية ويعد لقب دونساني ثاني أقدم لقب أيرلندي مستمر حتى يومنا هذا، وقد حمل إدوارد اللقب مبكرًا بعد وفاة أبيه في سن صغير ليصبح البارون الثامن عشر لعائلة دونساني.

قضى دونساني جزءًا كبيرًا من حياته في قلعة عائلة دونساني الواقعة بالقرب من تل تارا ونهر بوين في آيرلندا، وهو أقدم بيت آيرلندي مأهول بالسكان حتى يومنا هذا، كما تلقى تعليمه في لندن، ودبلن عاصمة جمهورية آيرلندا بجامعة ترينتي، وعمل بعدها مع ويليام بتلر ييتس جامع التراث الآيرلندي الشهير وليدي جريجوري الخبيرة في الأساطير الشعبية الآيرلندية وغيرهما على مشروع إحياء الأدب الأيرلندي الذي أطلق عليه لقب الشفق الكِلتي Celtic Twilight كما تبرع بمبلغ كبير لبناء مسرح آبي الذي عُرضت عليه مسرحيات تمثل الثقافة الآيرلندية والتراث الآيرلندي ويعد حتى اليوم المسرح القومي للجمهورية الآيرلندية.

قلعة عائلة دونساني

 

أدب دونساني وآلهة بيجانا

بدأ دونساني مشواره في الكتابة سنة 1890 وكان كاتبًا نشيطًا حيث كتب طيلة حياته العديد من الروايات والقصص القصيرة والمسرحيات والقصائد الشعرية، وبلغت عدد كتبه أكثر من ستين كتابًا، إلا أن نجمه لم يبزغ إلا بعد نشر كتابه “آلهة بيجانا” “The Gods of Pegāna” سنة 1905 وهو من العلامات الفارقة في الأدب الإنجليزي وأدب الفانتازيا على وجه الخصوص؛ فلورد دونساني هو أول كاتب يبتكر مجمع آلهة بالكامل من خياله، بأساطير الخلق وجغرافيا العالم وحكاياته الأسطورية، حيث تتحدث الحكايات عن إله يسمى مانا يود سوشاي الذي خلق الآلهة الأخرى مثل كيب إله الحياة وسيش إله الزمن ومونج إله الموت، قبل أن يستريح مانا يود سوشاي ويخلد إلى النوم، وتبدأ الآلهة الأخرى في خلق العالم والحيوانات والبشر، وينتهي العالم بعدما يستيقظ مانا يود سوشاي من النوم، لذا يحرص سكارل قارع الطبول على العزف باستمرار كي تجعل موسيقاه وألحانه مانا يود سوشاي يستغرق في النوم، فلو توقف عن العزف لحظة واحدة لاستيقظ مانا يود سوشاي واختفت الآلهة والحياة والكون بحركة واحدة من يده.

مانا يود سوشاي من كتاب آلهة بيجانا

 

أصبح هذا العالم الذي ابتكره دونساني ركيزة لأعماله بعد ذلك، فقد تبع “آلهة بيجانا” بعد ذلك كتب أخرى مثل “الزمن والآلهة” سنة 1906 و”سيف ويليرون وحكايات أخرى” سنة 1908 و”كتاب العجائب” سنة 1912 واستمرت قصصه القصيرة ذات الطابع الفانتازي الأسطوري بآلهته ومخلوقاته الأسطورية وحكاياته الخرافية بعد ذلك مُضفية عمقًا خاصًا لعالمه، ليصبغ أدب الفانتازيا بصبغة جديدة، ويؤسس لأدب الفانتازيا الحديث كما نعرفه بصورته الحالية.

 

بنت ملك الجن

نشرت رواية “بنت ملك الجن” ” The King of Elfland’s Daughter” سنة 1924 وهي الرواية الطويلة الثانية للورد دونساني كما تعد من أهم أعماله، ومن أهم الأعمال في أدب الفانتازيا على الاطلاق، فهي الرواية الأولى من نوعها التي تقدم صورة الإيلف ـ أو الجن ـ النبلاء طوال القامة، وهو شكل مستوحى بشكل كبير من الميثولوجيا الاسكندنافية، بعيدًا عن الصورة الشعبية التي تصفهم بأنهم قصار القامة يسببون الأذى للناس ويعتدون عليهم، وهي الصورة التي نجدها في الأساطير الأيرلندية والإسكتلندية وغيرها، حتى أن تولكين لاقى صعوبات في النشر بسبب استخدامه لكلمة إيلف في قصائده لما تحمله من انطباع سيئ عند الناس، إلا أن كتاب بنت ملك الجن مهد الطريق أمام تولكين وغيره لاستخدام الإيلف بالشكل المستقر في وجدان قارئي الفانتازيا المعاصرين.

تميز أسلوب دونساني في رواية “بنت ملك الجن” بطابع ساحري شعري، فبناء دونساني للجمل وانتقاءه للكلمات ـ بشكل سلس لا متكلف ـ يجعل القارئ يشعر أنها قصيدة نثرية طويلة لا رواية، كما أنه من الكُتّاب القلائل الذين لا يجعلون السحر قوة يكتسبها البطل أو أداة للقتال أو وسيلة لتحريك الحبكة، فالسحر في عالمه سحري حقًا، جزء من العالم يتحرك ويتنفس، رائع وغامض وغير مفهوم وأحيانا مخيف، ولكنه جزء لا يتجزأ من العالم. وقد جعلت الرواية الكاتب آرثر كلارك يصف دونساني بأنه من أعظم الادباء في القرن العشرين، وقال عنه لافكرافت أنه: “مخترع ميثولوجيا جديدة، وحائك أساطير لا مثيل له.”، كما قال عنه ويليام باتلر ييتس أنه: “قد تجلي بجمال في عالمنا المعهود.”

غلاف رواية “بنت ملك الجن”

أثر دونساني على لافكرافت وتولكين

تأثر العديد من الكُتّاب المعاصرين بدونساني وأسلوبه وأفكاره، فقد تأثر به لافكرافت عندما سمعه يتحدث أثناء واحدة من رحلاته الأدبية للولايات المتحدة الأمريكية ـ التي تكررت ما بين عاميّ 1919 و1950 ـ وانبهر به بشدة، وكان لافكرافت في ذلك الوقت متأثرًا بإدجار آلان بو واتسمت كتاباته بسمات نوع من الرعب يسمى Macabre ـ من المرجح أنه مشتق من الكلمة العربية مقابر ـ والذي تدور تيماته حول الأماكن المهجورة والأشباح والموت، بدأ لافكرافت بعدها يميل إلى الفانتازيا وإن أكسبها طابعًا من الرعب، ويبدو أثر دونساني عليه واضحًا في كتاب “دائرة الأحلام” “Dream Cycle” وهو عالم خيالي من ابتكار لافكرافت لا يمكن الولوج إليه إلا عبر الأحلام، والإله الأكبر في عالم لافكرافت المسمى آزاثوث Azathoth حيث يبدو التشابه واضحًا بينه وبين مانا يود سوشاي فكليهما يخضعان للنوم تحت تأثير ألحان الموسيقى، وكليهما ينتهي العالم حين استيقاظهما، إلا إله لافكرافت إله أعمى مجنون يدمر العالم بدافع الفوضى وأطلق عليه لافكرافت ألقابًا عديدة مثل رب الجنون وسلطان الشياطين وإله الفوضى، وهو الجد الأكبر لكثولو الكيان الأشهر في عالم لافكرافت حتى أن عالمه الفانتازي يطلق عليه اسم ميثيلوجيا كثولو ” Cthulhu Mythos” وهو عالم كئيب مخيف يختلف عن عالم دونساني الشاعري الساحر، ولكن كلا العالمين يحملان العديد من الصفات المشتركة.

كما تأثر تولكين أيضًا ـ وهو الاسم الأشهر في عالم الفانتازيا ـ بكتابات دونساني عندما قرأها في شبابه، وقد تكرر اسم دونساني وكتبه عدة مرات في خطابات تولكين، وهناك تشابه بين قصص دونساني وبين قصائد “مغامرات توم بومبادل” التي كتبها تولكين، ولعل الكتاب صاحب التأثير الأكبر على تولكين هو كتاب العجائب ” The Book of Wonders” الذي يرى النقاد أن له دور كبير في بناء عالم السيلماريليون الخاص بتولكين.

لم يقتصر تأثير دونساني على لافكرافت وتولكين فقط، بل تأثر به العديد من كُتّاب الفانتازيا والخيال العلمي مثل مايكل موركوك، ونيل جايمان، وآرثر كلارك، وأورسولا كي لوجوين، وجاك فانس وغيرهم الكثيرين، بل اتسع تأثيره ليشمل ألوان أخرى من الفن كالمسرح والسينما والموسيقى.

لورد دونساني

حاز دونساني ـ نتيجة لما قدمه ـ على العديد من الجوائز مثل جائزة هارمسورث للأدب الآيرلندي كما كرمته جامعة ترينتي بمنحه الدكتوراه الفخرية، كما تم ترشيحه لجائزة نوبل عام 1950 ولكنه خسرها لصالح بيرتراند راسل. توفي دونساني سنة 1957 عن عمر 79 سنة، تاركًا وراءه ميراثًا كبيرًا وأثرًا لا يمحي على الأدب الأيرلندي والانجليزي وأدب الفانتازيا.

نشر المقال للمرة الأولى على شبكة الميادين الإعلامية

مـــلاذ: مدينة البعث

“تروي الحكايات عن حرب عظمى حدثت بين البشر، وصراعات على موارد الطاقة أدت لاستخدام البشر لأكثر أسلحتهم تطورًا وفتكًا، حتى انهارت العديد من الدول وفني ملايين البشر، ولم يتبق منهم إلا أعداد قليلة تكافح من أجل البقاء في تلك البيئة القاسية، وكانت ملاذ هي أول مدينة أقيمت في مصر بعد انهيار الحضارة على إثر الحرب العظمى، وأطلق عليها قاطنيها اسم ملاذ لاعتقادهم أنها الملاذ الأخير للبشرية وأطلق عليها الباحثون عن الأمل اسم مدينة البعث.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“رواية ملاذ تعيد لنا سرد التاريخ من خلال صوغ حياة قبلية غير متحضرة ضعفت فيها روابط الدين، أو من خلال أديان غير سماوية موهومة قائمة علي الوثنية لتستشرف لنا المستقبل القادم، وتطلق صيحة التحذير حول خطورة التقدم التقني إذا تم استعماله لحساب الطامعين، وودأ السلام، والسعي للهيمنة والقوة، والاستخراب السرطاني التوسعي علي حساب الآخر.”
الناقد الأدبي أ/ خالد جودة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“رواية ملاذ تسير بخطى سريعة جداً ولا تعثر نفسها في التفاصيل غير الضرورية. وهذا يعطيها نكهة شبابية، وخاصة بالمقارنة مع أسلوب السرد المعتاد السائد بين المؤلفين العرب، مع الكلام المقعر. إن الفصل الافتتاحي المعنون، “الذئب الوحيد”، يخبرك بكل ما تحتاج إلى معرفته عن الحياة اليومية للمدينة الشمالية ونوع النظام الإيكولوجي المقلوب الذي وجدت مصر نفسها فيه، ويقدم لك الموضوعات والشخصيات كذلك في جرعه مكثفة.”
د. عماد الدين عيشة
مدير التحرير في موقع The Levant News
والأستاذ السابق بالجامعة الأمريكية.
لوحة الغلاف للفنان البولندي: Michał Klimczak

ساعة الذئب

إنها الساعة التي تفصل الليل عن الفجر، يُقال إنها الساعة التي يموت فيها أغلب البشر، والتي يولد فيها أغلب الأطفال، الساعة التي يهاجم فيها النائمين أسوء كوابيسهم، ويطارد المستيقظين أسوء مخاوفهم، الساعة التي تستيقظ فيها أحيانا فجأة من النوم وحلقك جاف وتشعر أنك لست وحدك، تلك هي ساعة الذئب.

مهلا لم أعرفك بعد بنفسي، اسمي محمد، أعمل مهندس بإحدى المشاريع المعمارية بمحافظة بعيدة، عملي هو الإشراف على مجموعة كبيرة من العمال، وهو عمل مرهق يلتهم ساعات طويلة من يومي، مما يجعلني أعود إلى شقتي منهكًا فآخذ حمامًا دافئًا وأتناول العشاء البسيط الذي أعده سريعًا كيفما اتفق، وربما أتصفح الانترنت قليلًا، قبل أن أترك الكومبيوتر وأستلقي على السرير مستغرقًا في نومٍ عميق.

يشاركني السكن مهندس زميل اسمه عمر، يشرف كلانا على هذا العمل، إلا أننا لا نتواجد سويًا كثيرًا، ففي الغالب يكون أحدنا في عطلة بينما يبقى الآخر وحده لمباشرة العمل، ثم نتبادل الأدوار. في هذه الأيام كان عمر في عطلته، بينما بقيت وحدي للإشراف على العمال، وبعد يوم عمل طويل مرهق عدت إلى سكني وقمت بروتيني اليومي المعتاد، ثم جلست قليلا على الكومبيوتر اتصفح بعض الرسائل وأرى إن كان هناك أخبار جديدة، تركت الكومبيوتر دون أن أغلقه كعادتي، فهو يدخل في حالة من السبات بعد ثلاثة دقائق من عدم الاستخدام، وتوجهت ناحية السرير باحثًا عن السبات بدوري.

زحف النوم على جفنيّ مسدلًا غلالته الشفافة الرحيمة على جسدي المنهك، وسرعان ما غرقت في النوم، لم أعرف كم من وقت مضى قبل أن أستيقظ من نومي فزعًا، اعتدلت في جلستي وأنا أكافح ألهث بشدة كأنني كنت أركض، وألم شديد يجتاح جسدي كله.

ظللت مستلقيًا في سريري لبضعة دقائق ألتقط أنفاسي وأستجمع أفكاري، ثم تحاملت على نفسي واعتدلت جالسًا ونظرت إلى الساعة الموضوعة على منضدة صغيرة بجوار السرير فوجدت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، أحسست بعطشٍ شديد فتوجهت ناحية الثلاجة لتناول بعض الماء البارد، ثم ذهبت للحمام، قبل أن أتوجه ناحية السرير لأغرق في النوم مرة أخرى، ولم يوقظني أو يزعجني شيء حتى استيقظت وحدي في الصباح. توجه ناحية الصالة في طريقي إلى الحمام ولكن استوقفني شيء غريب، كانت شاشة الكومبيوتر مضاءة. أعرف أنها لا تضيء إلا إذا قمت بالضغط على مفتاح من لوحة المفاتيح أو قمت بتحريك الفأرة فكيف أضاءت من نفسها؟ أنا متأكد أنها لم تكن مضاءة عندما استيقظت في الثالثة، ثم قلت لنفسي لا شك أن الهواء حرك الفأرة أو شيء ما.

توجهت للحمام وغسلت وجهي وأنا أتأمل ملامحي المرهقة في المرآة، ثم توجهت للمطبخ وأعددت فطورًا بسيطًا تناولته بلا شهية حقيقية، بعدها غيرت ملابسي وتوجهت للعمل لأقضي يومًا طويلًا مرهقًا كالعادة. بنهاية اليوم عدت إلى سكني، أنتم تعرفون الآن ما أفعله لذا لن أرهقكم بتكراره، ولكن في النهاية توجهت إلى سريري لأغط في نومٍ عميق.

في الساعة الثالثة بالضبط استيقظت فزعا، شيء ما أيقظني لا أعرف ما هو! تكرار الأمر للمرة الثانية أزعجني، فالنوم بالنسبة لشخص مثلي يرهق نفسه بالعمل طوال اليوم، تحول بمرور الوقت لطقس مقدس لا يجب مقاطعته، الذي يزعجني أكثر أنني لا أعرف ما الذي يوقظني كل مرة، ولماذا أشعر بالفزع؟ استعذت بالله من الشيطان، ثم مررت بالصالة ونظرت طويلا ناحية الكومبيوتر، الشاشة سوداء، لا شيء، تناولت بعض الماء من زجاجة في الثلاجة، ثم ذهبت للحمام، قبل أن أعود وأكمل نومي.

في الصباح عندما استيقظت كان في انتظاري شيء غريب أخر، وجدت باب الثلاجة مفتوح على آخره، مددت يدي ومسست الطعام كان دافئا، هذه الثلاجة ظلت مفتوحة طوال الليل، حاولت التذكر إن كنت نسيتها بعد أن شربت؛ ولكن لا، أنا أذكر جيدا أني أغلقتها، ربما لم أحكم اغلاقها وتسبب تيار هواء في فتح الباب! كنت مستعد دوما لإلقاء اللوم على الهواء.

مر يومي على خير، ولكن في المساء استيقظت فزعا للمرة الثالثة، الامر تحول من مزعج لمخيف، شربت بعض الماء، ذهبت للحمام، تأكدت من غلق الثلاجة بإحكام شديد، تأكدت من أن شاشة الكومبيوتر مطفأة، قمت بتشغيل قرآن على هاتفي ووضعته بجواري، واستسلمت للنوم وانا استعيذ بالله من الشيطان.

استيقظت صباحا، كان أول ما خطر على بالي أن أبحث عن شيء غريب حدث وانا نائم، الكومبيوتر كما هو، الثلاجة كما هي، كل شيء في موضعه. حمدت الله وأحسست بارتياح غريب.

بعد أن تناولت فطوري توجهت لغرفة نومي لتغيير ملابسي، وبمجرد أن فتحت الدولاب تراجعت فزعا. كان هناك دماء على هيئة كف مرتسمة على ظهر الدولاب الخشبي، لم تكن هناك من قبل أنا متأكد، هذه الدماء ظهرت اليوم فقط.

لو كان الامر مزاحًا فقط تخطى حدوده، فهذا المزاح من النوع الثقيل المزعج، ولكن شيء آخر بداخلي أخبرني أن هذا ليس مزاحا. في العمل لاحظ عدة أشخاص أنني لست على طبيعتي ولكنني عزوت ذلك إلى الإرهاق من العمل. لحسن الحظ عاد زميلي عمر من عطلته في هذا اليوم، أحسست بداخلي براحة كبيرة أنني لن أقضي الليل وحدي في هذا اليوم، أحس هو أيضا أن هناك شيئا ما يقلقني ولكنني لم أخبره بما حدث كي لا أثير خوفه.

استيقظت في هذه الليلة وإحساس غريب ينتابني، جسدي كله مشلول لا أستطيع تحريك إصبع واحد حتى، ولا أستطيع حتى أن أتكلم أو أهتف أو أستنجد. أعرف هذه الظاهرة قرأت عنها من قبل، فهي عندما يستيقظ عقلك قبل جسدك فلا تستطيع الحركة. كما أنني مررت بها عدة مرات قبل ذلك، فهدأت قليلا وحاولت أن أسترخي، أحيانا أستطيع العودة للنوم مرة أخرى. سمعت صوتا بالخارج، هناك أحد بالصالة، كانت الخطوات تقترب ناحيتي، نظرت من طرف عيني فرأيت عمر ينظر ناحيتي صامتا عدة لحظات ثم قال:

– لا تتحرك!

أردت أن أقول له ساخرا أنني لا أستطيع الحركة بالفعل، ولكنني لاحظت أنه لا ينظر إليّ، بل إلى شيء أمامي، نظرت فلم أر شيئا، ثم رأيت ظلي على الحائط، نائم على السرير، ولكن هناك ظل شيء جاثم فوق صدري، وفجأة تكون الشكل أمام عيني عبارة عن شكل هلامي شبه شفاف، وفجأة قفز من فوق صدري مبتعدا، فصاح عمر:

– فلتمسك به معي!

أحسست أنني تحررت وأن اطرافي استعادت حيويتها، انطلقت وراءه راكضا ولكنني لاحظت شيئًا غريبًا وأنا أركض، رأيتني نائما على السرير مغمضاً عيني. لا أعرف كيف أرى نفسي، ولكنني استمريت في الركض لاحقا بعمر، كان باب غرفته مفتوحا بالداخل لمحت عمر ينام فوق سريره، ويبدو عليه غارقا في النوم. لا أعرف ما الذي يحدث، ولكنني صممت على الإمساك بهذا الكائن قمنا بحصاره سويا أنا وعمر، وبالنهاية أمسكنا به، كان رخوا هشا، أتعجب كيف كان جاثما على صدري، بقوة، كان مكونا من مادة هلامية بنية وبداخلها لمحت عظاما بيضاء. أخذت أقرأ ما أحفظ من القرآن فوجدت العظام تتحول إلى اللون الأحمر وهذا الكائن يصرخ صرخات حادة تخترق أذني، بل أشعر أنها تخترق مخي ذاته، حتى احترق تماما.

استيقظت في هذه اللحظة من النوم فوجدت نفسي نائما في سريري، اعتدلت جالسا بضعة دقائق، ثم توجهت ناحية غرفة عمر فوجدته نائما بدوره، عدت إلى غرفتي وجلست على سريري أفكر حتى غرقت في النوم مرة أخرى.

استيقظت في الصباح فوجدت عمر مستيقظا ويقوم بإعداد كوب شاي في المطبخ فقلت له:

– ألم يحدث شيء غريب بالأمس؟

فقال:

– لا لم يحدث شيء.

ثم فكر قليلا قبل أن يقول:

– في الواقع حدث شيء غريب، لقد استيقظت في الساعة الثالثة فزعا بدون سبب محدد، فقمت بتشغيل قرآن وعدت إلى النوم.

ثم التفت إليّ وقال:

– لم تسأل؟

فقلت له:

– لا شيء، مجرد حلم.

ولكني أحسست أنه لم يكن حلمًا، ولكن من يدري حقًا ماذا كان؟ من يدري؟

ـ تمت ـ