الفانتازيا والرعب في الأدب المصري المعاصر

الفانتازيا باعتبارها فنًا قصصيًا هي أقدم أنواع الحكي الذي عرفه البشر منذ فجر التاريخ، فالفانتازيا هي الخيال، أو الحكايات الخيالية، قصص الآلهة والسحر والمخلوقات الأسطورية، فلا توجد حضارة بشرية قديمة تخلو من الميثولوجيا، وقصص الآلهة والخلق، والحكايات الشعبية عن الساحرات أو الغيلان أو الجنيات. ولعبت هذه الحكايات دورًا في تفسير الظواهر الغامضة التي وقف الإنسان البدائي حائرًا أمامها، مثل البرق الذي فسره الإسكندنافيون على أنه مطرقة ثور، وفسره الإغريقيون على أنه أسهم زيوس. وفي وقتنا المعاصر تعد الحكايات الشعبية جزءًا لا يتجزأ من الفن الشعبي لأي مجتمع بشري، فمن منا لم يستمع في صغره إلى حكايات الجدات عن الشاطر حسن وست الحسن والجمال، أو يتخيل نفسه جزءًا من مغامرة خيالية في عالم آخر سحري.

وقد حظيت الفانتازيا الحديثة بشعبية كبيرة في العصر الحديث، وتصدرت الفانتازيا المشهد السينمائي بأعمال ذات إنتاج ضخم مثل سيد الخواتم وهاري بوتر، ورغم اعتقاد البعض أن الفانتازيا قد تنزوي مع التقدم العلمي ونبذ الانسان للخرافات القديمة، إلا أن ما يحدث عكس ذلك، فيقول مارك تشادبورن المؤلف الفانتازي البريطاني: “كلما صار العالم أكثر عقلانية، جنحنا إلى اللا معقول في خيالنا.”

 

 

أما عن الرعب، فهو أيضًا جزء من اللاوعي البشري، يقول لافكرافت إن الخوف هو أقوى وأقدم المشاعر البشرية، وأقوى وأقدم نوع من الخوف هو الخوف من المجهول. فقد وجد البشر أنفسهم في بداية التاريخ في بيئة عدائية تمامًا لهم، فكان الخوف من الجوع، ومن المرض، ومن الحيوانات المفترسة المتربصة بالإنسان بين الظلال الداكنة، والخطر يحيط بالإنسان من كل حدبٍ وصوب، وقد انعكس هذا الخوف على ثقافة الإنسان في شتى الحضارات، ما بين المعتقدات والطقوس، وصولًا إلى الحكايات الشعبية عن المخلوقات المخيفة كالغيلان وغيرها.

وهكذا تتلاقى الفانتازيا والرعب عند هذا الخط الرفيع، فيمتزجان أو يفترقان، ولا يقتصر رعبنا على المخاوف القديمة، فحتى في العصور الحديثة وبعد التقدم البشري الكبير ما زلنا نعثر على أشياء جديدة تخيفنا، وخصوصًا بعدما أدركنا مدى اتساع الكون الشاسع ومدى ضآلة الجنس البشري على هذا الكوكب الصغير المسمى الأرض، وهل نحن وحدنا في هذا الكون الشاسع، أم أن هناك من يشاركنا إياه، وكلا الاحتمالين مخيف للغاية.

والسؤال هو، لماذا نستمتع بالرعب، ما سر حبنا في صغرنا لحكايات الجدات عن الجن والغيلان، أو حبنا في كبرنا للروايات والأفلام المرعبة، والإجابة هي أن الإنسان يحب أن يجرب المشاعر السلبية في بيئة آمنة، لعبة “الاستغماية” ونحن صغار وخوف أحدنا من أن ينكشف، ولكنه خوف بريء لا خطر منه، وكذلك استمتاعنا بلعبة قطار الرعب في الملاهي، هذا القطار المسرع المجنون الذي ينقلب بك رأسًا على عقب وتشعر أنك تكاد تهوي، ولكنك متيقن أن هذا لن يحدث، هذا هو مصدر الاستمتاع، تجريبنا للخوف والاحساس بالخطر، مع احساسنا الخفي بالأمان والطمأنينة. لهذا نحب أن نواجه المخلوقات المرعبة في الروايات والأفلام، لأننا نعرف أننا سننجو من هذه المواجهة، وهذا مصدر إحساسنا بالاستمتاع.

 

 

وهكذا نجد أن الفانتازيا والرعب يلعبان دورًا في حياة البشر وفكرهم ومعتقداتهم منذ القدم، ولهما دور لا يُستهان به في الأدب والوسائط الإعلامية الحديثة، فليس غريبًا أن يتجه العديد من الكُتّاب الشباب إلى هذا اللون من الأدب، فهم ذاتهم قد يكونون من عشاق الفانتازيا والرعب، فالكاتب غالبًا ما يكتب ما يحب أن يقرأه، فبعد موجة الفانتازيا الحديثة في الأدب والسينما، وجدنا الكثير من الكُتّاب الشباب يتجهون إلى ابتكار عوالمهم السحرية الخاصة، سواء مستوحاة من التراث العربي مثل “الغول الأحمر الأخير” للكاتب محمد الدواخلي، أو يغلب عليها التأثر بالطابع الغربي مثل “صانع الأحلام” للكاتب معتز حسانين. ولعل هذا يرجع أيضًا إلى أن شعبية هذه الأعمال الغربية قد فتحت الباب أمام نشر الأعمال العربية والمصرية، فقبل ذلك لم تكن الفانتازيا أو الرعب ضمن أنواع الأدب الحقيقية في أعين النقاد ودور النشر، ولا يعدوهما سوى قصص للأطفال على أقصى تقدير؛ ولكن بعد شعبية سيد الخواتم وهاري بوتر، وبعد أن ترجمتهما دار “نهضة مصر” إلى العربية، والتي اتجهت إلى ترجمة أعمال الفانتازيا الغربية الأخرى مثل “سيبتموس هيب” و”سبايدر ويك”، صار المجال متاحًا لنشر الروايات الفانتازيا العربية.

السبب الآخر والأهم، هو الكاتب الراحل “أحمد خالد توفيق” عليه رحمات الله، فهو لم يكن مجرد كاتب، بل كان ظاهرة أثرت في جيلٍ بأكمله، فقد كتب في أدب الرعب سلسلة “ما وراء الطبيعة”، وكتب سلسلة تحمل عنوان “فانتازيا”، ولكنه الكاتب الوحيد في مصر الذي كان يقرأ له الجميع من كل الأعمار بدءً من طلبة الابتدائية حتى طلبة الجامعة، كانت كلماته سلسة، وأفكاره بسيطة، ولكنها تحمل تيمات من الخيال والرعب، ورغم بساطتها وخيالها إلا أنها كانت تحمل بين طياتها أفكارًا عميقة، ودروسًا في الحياة، والعديد من الشباب تأثرت أفكارهم وشخصياتهم بكتابات هذا الرجل وحده، حتى أن بعضهم صار يحاكي شخصياته في التفكير أو حتى أسلوب الحديث، وبعضهم حاكى حتى أسلوب الكتابة، وبدأ يبني عالمه الخاص، ورأينا عددًا كبيرًا من كُتّاب الرعب في مصر، وصار بعضهم أسماءً لامعة مشهورة، ولكنهم يعترفون بأستاذية أحمد خالد توفيق حتى اليوم، وأهدوه في حياته لقب العرّاب، الأب الروحي لجيل من الشباب بأكمله.

 

 

كنت واحدًا ممن تأثروا بهذه المرحلة، فقد نشأت في صغري على حكايات جدتي الشعبية، وعندما كبرت قليلًا تأثرت بسيد الخواتم وهاري بوتر، ثم اتجهت لقراءة كتب الفانتازيا الغربية وفي الوقت ذاته تعرفت من خلال أحمد خالد توفيق إلى لافكرافت وبو، وقد كتبت بعض قصص الفانتازيا في المرحلة الإعدادية والثانوية ولكنها كانت محاولات غير ناضجة، حتى وصلت إلى روايتي المنشورة الأولى “ريـــم” وهي مزيج من الفانتازيا والرعب تأثرًا بتلك المرحلة، وقد بدأت الفكرة بقصة رعب قصيرة كتبتها بعنوان “القط الأسود” ثم توسعت في الفكرة والعالم ومرت القصة بالعديد من التعديلات والتغيرات، حتى وصلت إلى هيئتها الأخيرة المعروفة باسم “ريـــم”. القصة لا تمزج بين الرعب والفانتازيا فقط، بل تمزج ملامح الحكايات الشعبية المصرية، بعناصر من الحكايات الشعبية الأوروبية، التي فُتِنْتُ بها كثيرًا وقرأت لأغلب جامعيها من الأخوين جريم وهانز كريستيان أندرسن وغيرهم.

ورغم أن الروايتين المنشورتين بعد “ريـــم” وهما “ملاذ: مدينة البعث” والشتاء الأسود ينتميان إلى أدب الخيال العلمي، أو أدب ما بعد الكارثة على وجه التحديد، إلا أنه ما يزال في جعبتي العديد من الحكايات الفانتازية التي لم أروِها بعد، وروايتي القادمة ستكون من أدب الفانتازيا بإذن الله.

 

نشر المقال لأول مرة على موقع لأبعد مدى

هكذا تسللت ميثولوجيا لافكرافت إلى اللاوعي الجمعي

يعد هوارد فيليبس لافكرافت من الكُتّاب القلائل الذين يتركون ورائهم تأثيرًا كبيرًا لا على الأدب وحده، ولكن على الثقافة البشرية بشكلٍ عام، فيمكن أن ترى إشارات وتلميحات واقتباسات إلى عناصر عدة من أعمال لافكرافت في العديد من أشكال الفن كالروايات والمسرحيات والأغاني والسينما وألعاب الكومبيوتر، وأصبحت كلمات من كثولو وآرخام ونيكرونوميكون معروفة لدى العديد من الناس حتى هؤلاء الذين لم يقرؤوا أعمال لافكرافت.

ما يجعل الأمر أكثير إثارة للحيرة هو أن لافكرافت عاش حياته بلا أي شهرة، ولم تتعدى قراءة أعماله دائرة أصدقائه ومعارفه وعدد قليل من متابعي المجلات التي كان ينشر بها، بل أنه نفسه كان يتنبأ باندثار أعماله بعد موته، فما سر تلك الشعبية الطاغية لأعمال لافكرافت؟

العديد من الكتاب وخصوصا في الفانتازيا يسعون إلى خلق العوالم والميثولوجيا الخاصة بهم، وكثيرًا ما يتم الإشارة إلى أعمال بعض الكُتاب الفانتازية بأنها ميثولوجيا، مثل ميثولوجيا تولكين في السيلماريليون، أو ميثولوجيا سي. اس. لويس في نارنيا، ولكن هذه الأعمال لا تصنف كميثولوجيا حقيقية، بل يظل تصنيفها رواية، عمل إبداعي لكاتب استطاع أن يخلق عالم بكل تفاصيله، ولكنهم لم يصلوا حقًا إلى مرحلة الميثولوجيا، وذلك لأنهم يفقدون عنصر هام موجود في ميثولوجيا الشعوب المنتشرة على نطاق واسع، وهي دورة المحاكاة.

المقصود بدورة المحاكات هي بداية القصة بفكرة صغيرة، يتم تداولها وتحريفها وتضخميها مرارًا وتكرارًا، لتعكس شيئًا جديدًا في كل مرة متعلق براوي تلك القصة، فكل الحكايات والأساطير القديمة عن الآلهة والوحوش الأسطورية والأبطال هي مجرد انعكاس لأفكار البشر ومشاعرهم وطموحاتهم ومخاوفهم.

بشكلٍ ما استطاع لافكرافت أن يحقق ذلك لسبب بسيطة وهو أنه لم يكن يكترث ببناء عالم، بل جاء بسبب عادة لديه أثناء الكتابة وهي أن يشير إلى نفس العناصر مرارًا في أعمال مختلفة، وقد يكون لإحداها دورًا صغيرًا في إحدى القصص، ثم يصبح لها دورًا أكبر في أعمال أخرى. فمدينة آرخام على سبيل المثال ظهرت للمرة الأولى في قصة “هربرت ويست المعيد إلى الحياة” ثم ظهرت بعدها بسنوات في قصة “الاحتفال” ثم أصبحت نقطة مركزية للأحداث الخارقة للمألوف في كل أعماله. وفي قصته الشهيرة “الظل فوق إنزماوث” يكون لداجون أحد الكيانات القديمة دورًا كبيرًا، ولكن العديد من القراء لا يعرفون أنه قد ظهر قبلها بأربعة عشر عامًا في قصة قصيرة للغاية بعنوان “داجون”.

 

شخصية غريبة الأطوار

 

 

النقطة المهمة الأخرى هي شخصية لافكرافت غريبة الأطوار، فبسبب المعاناة التي مر بها في طفولته أصبح لافكرافت شخصًا منطويًا وأغلب تواصله مع المحيطين فيه كان عبر الخطابات، التي ترك وراءه عشرات الآلاف منها، في تلك الخطابات كان يشجع أصدقائه والكتاب المبتدئين على مشاركته عالمه، والبناء على أساس أساطيره، وأحد هؤلاء المشاركين هو كلارك أشتون الذي قدم مخلوقًا يدعى “تساثوجوا” تم التلميح له لاحقًا في بعض أعمال لافكرافت، مثل “الهامس في الظلام” و”الرعب في المتحف” و”على جبل الجنون”.

كتب فرانك لونج في المقدمة التي لم تنشر لقصته “آكلو الفضاء” اقتباسًا غير موثوق المصدر لكتاب لافكرافت المسمى “النيكرونوميكون” من المفترض أن من ترجمه هو جون دي العالم الحقيقي الشهير الذي لعب دورًا كمستشارٍ للملكة إليزابيث، لاحقًا ضم لافكرافت هذه الترجمة إلى عالمه مشيرًا إلى اسم جون دي كمترجم للعمل في بعض خطاباته عن تاريخ النيكرونوميكون.

بتلك الطريقة صنع لافكرافت قاعدة عريضة يدعم بها عالمه، ترك لافكرافت العديد من التفاصيل الغامضة، والقطع الناقصة في أعماله، والتي ملأها بعده الروائيين والموسيقيين وصانعي الألعاب لتتفرع الحكايات أكثر وأكثر وتكتسب المزيد من التفاصيل ويظهر منها العديد من الأطوار والنسخ، تمامًا كما حدث من الخرافات والأساطير قديمًا.

وكما تعكس الأساطير الشعبية مخاوف ومشاعر تلك الشعوب، فقد عكست أساطير لافكرافت أفكاره ومشاعره ومخاوفه الخاصة؛ فلسفة لافكرافت حول العالم والحياة البشرية هي فلسفية عدمية، يرى عبثية الحياة أمام هذا الكون العشوائي الأعمى، ونرى ذلك متجسدًا في الدور الضئيل الذي يلعبه البشر في أعماله أمام الكيانات الهائلة المخيفة التي لا تكترث بالبشر، مثل أزاثوث الإله الأعمى الذي لا يفصله عن الكون المألوف سوى غشاء رقيق، إنه قوة فوضوية مخيفة قادرة على تدمير الكون كله، ولا يستطيع أحد من الكيانات القديمة الوقوف أمام وجهه. كما أن العديد من أشكال الحياة قد انبثقت بالصدفة من الإلهة العمياء شَب ـ نيجوراث التي أنجبت العديد من الكيانات القديمة مثل كثولو وتساثوجوا ونج ويب. في الميثولوجيا يكون لإلهة الخصوبة دور كبير ويتم الإشارة للإنجاب باعتباره طقس مقدس، أما لافكرافت فكان يعبر عن سخطه على الحياة وربما احتقاره لها. حتى كثولو نفسه يمثل تلك العدمية والسخط، فصحوته الأخيرة ستؤدي إلى فناء البشر ودمار كل ما بنوه على تلك الأرض، لا شيء سيبقى، الكل سيفنى. وقد صنفه الناقد الإنجليزي كولن ولسن بأنه من الكتٌاب الرافضين للواقع المعاش، وقال في كتابه المعقول واللامعقول في الأدب الحديث أن لافكرافت يهرب من الواقع بطريقة هستيرية ساخطة، تبتعد كثيرًا عن الايجابية والمعقول.

 

خطورة المعرفة

 

 

نرى أيضًا فلسفته حول خطورة المعرفة وعدم قدرة البشر على تحمل الحقيقة في الكثير من أعماله التي يصاب أبطالها بالجنون لأنهم عرفوا أكثر من اللازم، ويتجسد ذلك في يوج ـ سوثوث الذي يعرف الماضي والحاضر والمستقبل، ويهب المعرفة لمن يسعى ورائها ويطلبها، ودومًا ما تؤدي تلك المعرفة إلى الجنون، ولعل ذلك يعكس شغف لافكرافت دومًا بالعلم وما تبع ذلك من فشل أكاديمي.

أشرنا أيضًا إلى شخصية لافكرافت المنطوية غريبة الأطوار، ولكنها لا تقف عند هذا الحد، فلافكرافت كان عنصريًا ولديه خوف من الغرباء، وأي شيء خارج نطاق عالمه المألوف في نيو إنجلاند، وأعماله الأولى خصيصا مليئة بالإشارات العنصرية حيث يضع الرجل الأبيض في مكانة أعلى من البشر الآخرين، ونرى اسقاط ذلك في بعض الكيانات القديمة في أعماله مثل “نيرلاثوتب” المخادع المتحول، الوحيد الذي يستطيع التحرك بحرية عبر الغشاء الذي يفصل بين العالم المألوف وعالم الآلهة الخارجية، إنه يرمز لتسلل الغرباء إلى عالمنا المألوف، ونرى أيضًا جنس قاطني الأعماق الذين يتجانسون مع البشر في “الظل فوق إيزنماوث” الذين يحملون العديد من الإشارات والدلائل على خوف لافكرافت من الآخر، والجدير بالذكر أن حدة تلك العنصرية قد خفت كثيرًا في أعماله اللاحقة، ويصفه بعض النقاد بأنه ضحية فترة عنصرية في بلدة عنصرية، وبالتأكيد فإن طبيعته المنطوية قد ساهمت في تعزيز ذلك الخوف والعنصرية.

يمكن رؤية تلك الاسقاطات في كل أعماله، فهو لم يستخدم تلك العناصر مرارًا وتكرارًا لأنه كان يرغب في بناء عالم، بل لأن تلك العناصر هي إسقاطات لمشاعره ومخاوفه، وهذا هو سر شعبية تلك الأعمال، فكما استخدم القدماء الأساطير والآلهة مثل زيوس أو ثور أو إيزيس أو عشتار كتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم ومخاوفهم، كذلك نستخدم نحن أساطير لافكرافت للتعبير على سخطنا على الحياة أو خوفنا من الآخر أو احساسنا بضآلة الجنس البشري أمام قوى أخرى مخيفة مجهولة تقبع لنا في الظلام.

 

نشر المقال للمرة الأولى على موقع الميادين

لورد دونساني الأب الروحي للفانتازيا المعاصرة

عند الحديث عن الفانتازيا هناك العديد من الأسماء التي يتطرق إليها النقاش، مثل تولكين وسي اس لويس وغيرهما، ولكن نادرًا ما يذكر أحد الكاتب العظيم لورد دونساني، الذي يعد بحق الأب الروحي لأدب الفانتازيا الحديثة، وتعد روايته الأشهر “بنت ملك الجن” واحدة من أهم الأعمال في الأدب الإنجليزي على الاطلاق.

ولد إدوارد جون وليام بلانكت في الرابع والعشرين من يوليو سنة 1878 لعائلة دونساني واحدة من أعرق العائلات الأيرلندية ويعد لقب دونساني ثاني أقدم لقب أيرلندي مستمر حتى يومنا هذا، وقد حمل إدوارد اللقب مبكرًا بعد وفاة أبيه في سن صغير ليصبح البارون الثامن عشر لعائلة دونساني.

قضى دونساني جزءًا كبيرًا من حياته في قلعة عائلة دونساني الواقعة بالقرب من تل تارا ونهر بوين في آيرلندا، وهو أقدم بيت آيرلندي مأهول بالسكان حتى يومنا هذا، كما تلقى تعليمه في لندن، ودبلن عاصمة جمهورية آيرلندا بجامعة ترينتي، وعمل بعدها مع ويليام بتلر ييتس جامع التراث الآيرلندي الشهير وليدي جريجوري الخبيرة في الأساطير الشعبية الآيرلندية وغيرهما على مشروع إحياء الأدب الأيرلندي الذي أطلق عليه لقب الشفق الكِلتي Celtic Twilight كما تبرع بمبلغ كبير لبناء مسرح آبي الذي عُرضت عليه مسرحيات تمثل الثقافة الآيرلندية والتراث الآيرلندي ويعد حتى اليوم المسرح القومي للجمهورية الآيرلندية.

قلعة عائلة دونساني

 

أدب دونساني وآلهة بيجانا

بدأ دونساني مشواره في الكتابة سنة 1890 وكان كاتبًا نشيطًا حيث كتب طيلة حياته العديد من الروايات والقصص القصيرة والمسرحيات والقصائد الشعرية، وبلغت عدد كتبه أكثر من ستين كتابًا، إلا أن نجمه لم يبزغ إلا بعد نشر كتابه “آلهة بيجانا” “The Gods of Pegāna” سنة 1905 وهو من العلامات الفارقة في الأدب الإنجليزي وأدب الفانتازيا على وجه الخصوص؛ فلورد دونساني هو أول كاتب يبتكر مجمع آلهة بالكامل من خياله، بأساطير الخلق وجغرافيا العالم وحكاياته الأسطورية، حيث تتحدث الحكايات عن إله يسمى مانا يود سوشاي الذي خلق الآلهة الأخرى مثل كيب إله الحياة وسيش إله الزمن ومونج إله الموت، قبل أن يستريح مانا يود سوشاي ويخلد إلى النوم، وتبدأ الآلهة الأخرى في خلق العالم والحيوانات والبشر، وينتهي العالم بعدما يستيقظ مانا يود سوشاي من النوم، لذا يحرص سكارل قارع الطبول على العزف باستمرار كي تجعل موسيقاه وألحانه مانا يود سوشاي يستغرق في النوم، فلو توقف عن العزف لحظة واحدة لاستيقظ مانا يود سوشاي واختفت الآلهة والحياة والكون بحركة واحدة من يده.

مانا يود سوشاي من كتاب آلهة بيجانا

 

أصبح هذا العالم الذي ابتكره دونساني ركيزة لأعماله بعد ذلك، فقد تبع “آلهة بيجانا” بعد ذلك كتب أخرى مثل “الزمن والآلهة” سنة 1906 و”سيف ويليرون وحكايات أخرى” سنة 1908 و”كتاب العجائب” سنة 1912 واستمرت قصصه القصيرة ذات الطابع الفانتازي الأسطوري بآلهته ومخلوقاته الأسطورية وحكاياته الخرافية بعد ذلك مُضفية عمقًا خاصًا لعالمه، ليصبغ أدب الفانتازيا بصبغة جديدة، ويؤسس لأدب الفانتازيا الحديث كما نعرفه بصورته الحالية.

 

بنت ملك الجن

نشرت رواية “بنت ملك الجن” ” The King of Elfland’s Daughter” سنة 1924 وهي الرواية الطويلة الثانية للورد دونساني كما تعد من أهم أعماله، ومن أهم الأعمال في أدب الفانتازيا على الاطلاق، فهي الرواية الأولى من نوعها التي تقدم صورة الإيلف ـ أو الجن ـ النبلاء طوال القامة، وهو شكل مستوحى بشكل كبير من الميثولوجيا الاسكندنافية، بعيدًا عن الصورة الشعبية التي تصفهم بأنهم قصار القامة يسببون الأذى للناس ويعتدون عليهم، وهي الصورة التي نجدها في الأساطير الأيرلندية والإسكتلندية وغيرها، حتى أن تولكين لاقى صعوبات في النشر بسبب استخدامه لكلمة إيلف في قصائده لما تحمله من انطباع سيئ عند الناس، إلا أن كتاب بنت ملك الجن مهد الطريق أمام تولكين وغيره لاستخدام الإيلف بالشكل المستقر في وجدان قارئي الفانتازيا المعاصرين.

تميز أسلوب دونساني في رواية “بنت ملك الجن” بطابع ساحري شعري، فبناء دونساني للجمل وانتقاءه للكلمات ـ بشكل سلس لا متكلف ـ يجعل القارئ يشعر أنها قصيدة نثرية طويلة لا رواية، كما أنه من الكُتّاب القلائل الذين لا يجعلون السحر قوة يكتسبها البطل أو أداة للقتال أو وسيلة لتحريك الحبكة، فالسحر في عالمه سحري حقًا، جزء من العالم يتحرك ويتنفس، رائع وغامض وغير مفهوم وأحيانا مخيف، ولكنه جزء لا يتجزأ من العالم. وقد جعلت الرواية الكاتب آرثر كلارك يصف دونساني بأنه من أعظم الادباء في القرن العشرين، وقال عنه لافكرافت أنه: “مخترع ميثولوجيا جديدة، وحائك أساطير لا مثيل له.”، كما قال عنه ويليام باتلر ييتس أنه: “قد تجلي بجمال في عالمنا المعهود.”

غلاف رواية “بنت ملك الجن”

أثر دونساني على لافكرافت وتولكين

تأثر العديد من الكُتّاب المعاصرين بدونساني وأسلوبه وأفكاره، فقد تأثر به لافكرافت عندما سمعه يتحدث أثناء واحدة من رحلاته الأدبية للولايات المتحدة الأمريكية ـ التي تكررت ما بين عاميّ 1919 و1950 ـ وانبهر به بشدة، وكان لافكرافت في ذلك الوقت متأثرًا بإدجار آلان بو واتسمت كتاباته بسمات نوع من الرعب يسمى Macabre ـ من المرجح أنه مشتق من الكلمة العربية مقابر ـ والذي تدور تيماته حول الأماكن المهجورة والأشباح والموت، بدأ لافكرافت بعدها يميل إلى الفانتازيا وإن أكسبها طابعًا من الرعب، ويبدو أثر دونساني عليه واضحًا في كتاب “دائرة الأحلام” “Dream Cycle” وهو عالم خيالي من ابتكار لافكرافت لا يمكن الولوج إليه إلا عبر الأحلام، والإله الأكبر في عالم لافكرافت المسمى آزاثوث Azathoth حيث يبدو التشابه واضحًا بينه وبين مانا يود سوشاي فكليهما يخضعان للنوم تحت تأثير ألحان الموسيقى، وكليهما ينتهي العالم حين استيقاظهما، إلا إله لافكرافت إله أعمى مجنون يدمر العالم بدافع الفوضى وأطلق عليه لافكرافت ألقابًا عديدة مثل رب الجنون وسلطان الشياطين وإله الفوضى، وهو الجد الأكبر لكثولو الكيان الأشهر في عالم لافكرافت حتى أن عالمه الفانتازي يطلق عليه اسم ميثيلوجيا كثولو ” Cthulhu Mythos” وهو عالم كئيب مخيف يختلف عن عالم دونساني الشاعري الساحر، ولكن كلا العالمين يحملان العديد من الصفات المشتركة.

كما تأثر تولكين أيضًا ـ وهو الاسم الأشهر في عالم الفانتازيا ـ بكتابات دونساني عندما قرأها في شبابه، وقد تكرر اسم دونساني وكتبه عدة مرات في خطابات تولكين، وهناك تشابه بين قصص دونساني وبين قصائد “مغامرات توم بومبادل” التي كتبها تولكين، ولعل الكتاب صاحب التأثير الأكبر على تولكين هو كتاب العجائب ” The Book of Wonders” الذي يرى النقاد أن له دور كبير في بناء عالم السيلماريليون الخاص بتولكين.

لم يقتصر تأثير دونساني على لافكرافت وتولكين فقط، بل تأثر به العديد من كُتّاب الفانتازيا والخيال العلمي مثل مايكل موركوك، ونيل جايمان، وآرثر كلارك، وأورسولا كي لوجوين، وجاك فانس وغيرهم الكثيرين، بل اتسع تأثيره ليشمل ألوان أخرى من الفن كالمسرح والسينما والموسيقى.

لورد دونساني

حاز دونساني ـ نتيجة لما قدمه ـ على العديد من الجوائز مثل جائزة هارمسورث للأدب الآيرلندي كما كرمته جامعة ترينتي بمنحه الدكتوراه الفخرية، كما تم ترشيحه لجائزة نوبل عام 1950 ولكنه خسرها لصالح بيرتراند راسل. توفي دونساني سنة 1957 عن عمر 79 سنة، تاركًا وراءه ميراثًا كبيرًا وأثرًا لا يمحي على الأدب الأيرلندي والانجليزي وأدب الفانتازيا.

نشر المقال للمرة الأولى على شبكة الميادين الإعلامية

تولكين .. الرجل الذي أسيئ فهمه

لا خلاف على عبقرية تولكين وبراعته في الكتابة، وقد بذل تولكين مجهودًا ضخمًا في كتابة أعماله، حتى أن أصغر أعماله “الهوبِت” أخذت منه ما يربو عن عشرة سنوات لإنهائها، ناهيك عن “السيلماريليون” التي قضى عمره كلها يكتبها ومات قبل أن ينهيها. فالصورة التي تنطبع في ذهنك عن ذكر اسم تولكين هي صورة رجل عاكف على مكتبه بين ألاف المسودات والملحوظات يعيد كتابة ومسح ما كتبه من جديد، يضع كل تفصيلة في عالمه بحرص شديد، هو رجل أقرب للبناء الذي يبني صرح كبير بحذر وبمقاييس دقيقة، لا فنان مغامر يلوح بريشته على لوحة فارغه بدون أن يدرك ما النتيجة التي ستخرج بالنهاية، وهذا لأن هدف تولكين من البداية لم يكن كتابة رواية او اثنتان، بل كان له هدف أبعد من ذلك بكثير.

ولكن تولكن ـ ككل هؤلاء الذين ألهموا حركات واسعة ـ تم إساءة فهمه، ومن ضمن المفاهيم الخاطئة التي تُشاع حول تولكين هي أنه “أبو الفانتازيا” أو “مؤسس الفانتازيا” والبعض الآخر يقول لا ليس هو مؤسس الفانتازيا ولكن هو من جددها وحولها إلى الفانتازيا الراقية أو الملحمية أو غيرها من المصطلحات، والحقيقة أن جُل من يطلقون تلك المزاعم لديهم خبرة بسيطة بالفانتازيا، أو لم يعرفوها إلا من خلال أفلام هوليوود عن سيد الخواتم وغيرها. ولكن الحقيقة أن الفانتازيا قبل تولكن كانت فن مستقر له مكانته في الأب وكُتّاب أبدعوا فيه وأخرجوا العديد من الروايات والملاحم التي تركت أثرها في العديد من الناس، وحتى تولكين ذاته لم يطلق على نفسه هذا الزعم، بل اعترف بفضل من سبقوه، ومن تلك الأعمال رواية “التنين أوروبُروس” للكاتب إيرك إديسون والتي صدرت للمرة الأولى عام 1922 واحتوت على عالم مخترع بالكامل وأجناس أسطورية وسحر وحروب بين جيوش الخير وجيوش الشر. وقد قارن النقاد رواية سيد الخواتم عند صدورها برواية التنين أوروبُروس وحتى تولكين ذاته يعترف بتأثيرها الشديد عليه، وقد كتب سي اس لويس مؤلف رواية نارنيا مقدمة قال فيها “لا يوجد كاتب آخر نستطيع أن نقول إنه يشبه إديسون.”

خريطة عالم التنين أوروبُروس

ومن الروايات الأخرى التي سبقت تولكين رواية “بنت ملك الجن” للورد دونساني التي صدرت عام 1924 وهي واحدة من أكثر الروايات تأثيرًا في عالم الفانتازيا، وقد شكلت ظهور الـ Elf لأول مرة بشكلهم المألوف في الفانتازيا الحالية، وهم الإيلف النبلاء طوال القامة، وهو شكل مستوحى بشكل كبير من الميثيلوجيا الاسكندنافية، بعيدًا عن الصورة الشعبية التي تصفهم بأنهم قصار القامة يسببون الأذى والمشاكل للناس، وهي الصورة التي نجدها في الأساطير الأيرلندية والإسكتلندية وغيرها. وقد جعلت الرواية الكاتب آرثر كلارك يصف دونساني بأنه من أعظم الادباء في القرن العشرين، وقال عنه لافكرافت أنه: “مخترع ميثولوجيا جديدة، وحائك أساطير لا مثيل له.”، كما قال عنه ويليام باتلر ييتس جامع الحكايات الشعبية الأيرلندي الشهير أنه: “قد تجلي بجمال في عالمنا المعهود.”

لوحة عن رواية بنت ملك الجن

ومن الروايات التي صدرت في نفس سنة صحبة الخاتم، رواية “السيف المكسور” للكاتب الأمريكي ذي الأصول الدنماركية بَول أندرسُن والتي أشرت في مقال سابق إلى التشابه بينها وبين سيد الخواتم، من يحث احتوائها على الإيلف طوال القامة، والدوارف أو الأقزام الذين يسكنون بأعماق الأرض ويتخصصون في صنع الأسلحة، وكذلك تحتوي الرواية على سيف مكسور يجب إعادة جمعه، ويعود هذا التشابه إلى أن كلًا من تولكين وأندرسُن قد استقوا العديد من عناصر ملحمتيهم من الاساطير الإسكندنافية والانجلو سكسونية القديمة.

غلاف رواية السيف المكسور

والقائمة تطول، فالملامح الفانتازية ليست حديثة العهد كما يظن البعض ولم تبدأ في الظهور مع تولكين، بل سبقه وعاصره العديد من الكتاب الناضجين والمتمكنين من قلمهم، فما الذي يميز تولكين عن غيره؟ كما قلت من قبل أن هدف تولكين لم يكن كتابة الرواية في حد ذاته، فقد كان تولكين أن تولكن كان دائمًا ما يشعر بالقلق لافتقار بلده إلى أساطيرها الشعبية، فعكف على مشروع “أساطير من أجل إنجلترا” متأثرًا بما حدث مع الكاليفالا التي أطلقوا عليها اسم ” أساطير من أجل فنلندا” وأصبح مشروعه بعد ذلك يحمل اسم السيلماريليون، وأسلوب تولكين هذا إن كان حقق هدفه في مسعى تولكين الشخصي، إلا أنه قد أضر بأدب الفانتازيا الروائي، ولا اريد أن يفهمني أحد بشكل خاطئ أنني أعيب في تولكين، بل أنا أرى المشكلة فيمن أساؤوا فهم تولكين، فالعديد من الأشياء التي استخدمها تولكين في خدمة مشروعه تعد عيبًا حين استخدامها في الرواية. ومن قرأ الملاحم القديمة مثل الايدا النرويجية او الشاهنامة الفارسية او الكاليفالا الفنلندية سيدرك ما الذي يسعى تولكين لتقديمه، فتلك الحكايات تمثل الميثولوجيا الشاملة لتلك المناطق، فتبدأ من القصص الكونية وحكايات الخلق، حتى تصل إلى القصص الصغيرة وحكايات الجنيات، وتمتلئ بشتى أشكال الحكايات والأفكار والفلسفة والشخصيات والتاريخ، وهذا ما سعى تولكين لتحقيقه، لذا ملأ تولكين كتبه بالأشعار الطويلة واللغات المتعددة والإشارات لأحداث وأشخاص تاريخية في عالمه المختلق لا علاقة لها بالحبكة.

لوحة تجسد أحد مشاهد ملحمة الكاليفالا بالمتحف الوطني الفنلندي

واستخدم تولكين على سبيل المثال أسماء متشابهة لأبطال قصصه وهو شيء سيء إذا فعله أي كاتب لأنه يجعل الأمر يختلط على القارئ، ولكن تولكين كان يرغب في محاكاة الواقع حيث كانت تستخدم العائلات النبيلة القديمة أسماء متشابهة لأفرادها، وهذا الأمر يخدم ما يحاول تولكين فعله وهو بناء عالم موازي ولكنه لا يخدم الحبكة على الاطلاق. فالكاتب لا يكون هدفه نسخ الواقع ووضع أكبر عدد من التفاصيل في روايته، بل يجب على الكاتب اختيار كل تفصيلة بحرص ولا يضع إلى ما يخدم الحبكة وبناء الشخصيات.

أما كُتَاب الفانتازيا اللذين تلوا تولكين وتأثروا به وحاولوا محاكاته لم يكن لديهم نفس الفكرة ولا نفس المشروع، بل كان كل هدفهم هو تقليد نجاح تولكين، فأخذوا يملؤون كتبهم وعالمهم بتفاصيل ليست ضرورية ولا مفيدة للحبكة، وقد يفرط الكاتب في وصف شخصيات روايات معتقدًا أنه بهذا يبني الشخصية إلا أنه يعطيها أي عمق حقيقي فتصبح مجرد شخصية كليشية مسطحة أخرى، فينتصر أبطال رواياته في النهاية لأنهم المختارون، كما أن الأشرار في الغالب لا يمتلكون أي دوافع حقيقية. أحد الأمثلة جي كي رولنج والتي تعد كاتبة متوسطة في أفضل حال، ولم تكتسب شعبيتها إلا من خلال فكرة مدرسة السحر التي أخذتها عن أورسولا كي لوجوين، وتمتلئ أجزاء السلسلة بشخصيات نمطية وأحداث متوقعة وفجوات في الحبكة واستخدام مفرطة لحيلة deus ex machine إلا أنها مولعة أيضًا بما يطلق عليه الكُتّاب اسم بناء العالم، فتخرج من قوت لآخر لتخبرنا بمعلومة أخرى عن عالمها مثل أن دمبلدور شاذ، ولا مانع عندي من تقديم شخصية شاذة في الرواية إن كان هذا سيخدم الحبكة ويدفعا للأمام أو يضيف لبناء الشخصية، ولكن المعلومة ذكرتها الكاتبة بعد انتهاء السلسلة مما يعني أنها معلومة ليست ذات أهمية.

المأخذ الحقيقي الذي آخذه على تولكين، وسي اس لويس ايضًا، هو اختلافهم في تقديم الخير والشر عمن سبقوهم، فرغم أن دونساني وإديسون قدموا الصراع بين النور والظلام أو الخير والشر في عالمهم، إلا أنهم تطرقوا إلى الأمر بحرص، مدركين خطورة إطلاق الوصف على شيء بكونه خير محض أو شر محض، على عكس تولكين ولويس الذين لم يجدوا غضاضة في تقديم الخير باعتباره خير مطلق والشر باعتباره شر مطلق، وهو أمر خطير حين تقديمه في الأدب خصوصًا، فالقارئ يتأثر بتلك النظرة الثنائية “نحن مقابل هم” وخاصًا إن كان الكاتب يخاطب الأطفال مثل لويس في نارنيا. من السهل أن تخلق طرفين وتحدد أن أحدهم خير والأخر شرير وتخلق بينهم صراع بلا بناء درامي حقيقي ولا تطرق لفلسفة ودوافع وأفكار كل طرف، وهذا ما اتجه إليه معظم مؤلفي الفانتازيا في فترة ما بعد تولكن مثل سلسلة wheel of time لروبرت جوردن وsword of shannara لتيري بروكس، والتي يحلوا النقاد وصفها بـ Tolkien lit فالشخصيات مجرد نماذج أخرى من شخصيات تولكين، وصراع إكليشيهي بين الخير والشر في العالم مليء بالتفاصيل ولكنه ممل وضحل لا يرتقي حتى لمستوى عالم تولكين، فلا أحد مستعد لبذل الوقت والمجهود الذي بذله تولكين في بناء عالمه.

النقطة الأخرى هي الطول المبالغ فيه لثلاثية سيد الخواتم جعلت من المقبول تقديم أعمال بهذا الطول، ولم يتوقف الكُتّاب عند الحد الذي وصل إليه تولكين بل تخطوه بكثير، فثلاثية سيد الخواتم تقترب من النصف مليون كلمة وهو رقم ضخم ولكن سلسلة wheel of time للكاتب روبرت جوردن مثلا تتكون من 14 جزء مجموعهم ثلاثة ملايين ونصف كلمة!! والجدير بالذكر أن تولكين لم يقصد هذا الطول، بل عندما كان يفكر في كتابة جزء ثان للهوبِت ظن أنه سيكون أصغر بكثير لأن الهوبِت بلغت 90 ألف كلمة وهو رقم كبير بالفعل، أما اليوم إذا قمت بكتابة رواية فانتازيا من 90 ألف كلمة ربما يسخرون منك.

ما أريد قوله هو أن تولكين رغم عبقريه فإنه ليس الأب الروحي للفانتازيا، بل هو حجر في صرح الفانتازيا العظيم، كما أن مشروعه الميثولوجي بغير عمد منه قد أضر بفن الفانتازيا من الناحية الروائية، ولعل انبهار الناس بجودة التفاصيل ودرجة واقعية العالم يعمي عيونهم عن تلك العيوب. والسبب الآخر هو انبهارهم بالعالم السينمائي لسيد الخواتم والفضل في ذلك يعود إلى بيتر جاكسون. ولكن إذا أردنا أن تعود الفانتازيا إلى سابق عهدها فيجب أن يتوقف الكتاب عن محاولة تقليد ومحاكاة تولكن، إن لم تكن مستعدًا لبذل مجهود تولكين في عالمه فلا تحاول محاكاته أو تقليده، كما أنصح بالعودة إلى المنابع الأصلية للفانتازيا من أساطير وحكايات شعبية وملاحم قديمة، ولو فعل الشباب ذلك لرأينا أعمال فانتازية عظيمة تعود للظهور على الساحة مجددًا.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست

عن النوستالجيا والفانتازيا

من منا لا ينتابه الإحساس بالنوستالجيا، هذا الإحساس الجميل والمؤلم في الوقت ذاته، الحنين إلى طفولتك، إلى شيء فقدته وتعرف يقينًا أنه لن يعود، هذا الإحساس الذي يجعلك تشعر أن كل ما عايشته في طفولتك أجمل مما تعايشه الآن، من موسيقى وكتب وأفلام، هذا الإحساس مؤخرًا وأنا ألعب بعض ألعاب الأتاري القديمة وسألت نفسي هل هي حقًا أجمل من الألعاب الحديثة بكل ما تحمله من دقة في الرسومات والتفاصيل؟

الإجابة المنطقية هي بالتأكيد لا! ولكن هناك إجابة أخرى طرقت ذهني، في الماضي كان هناك قيودًا كثيرة في صناعة الألعاب والأفلام، وهذا ما جعل القائمين على هذه الأعمال يلجأون إلى ترك أشياء كثيرة بلا تفاصيل، ويعتمدون على مخيلة المشاهد أو اللاعب كي يملأ تلك التفاصيل الناقصة بخياله، هذا الذي لجأ إليه المصممون بسبب نقص الإمكانيات هو ما أعطى تلك الألعاب سحرها وجاذبيتها، كم من مرة وأنت تلعب لعبة قديمة من ألعاب الأتاري سألت نفسك ما هذا المبنى الغريب الموجود في خلفية اللعبة؟ أنت بالتأكيد لن تستطيع الوصول إليه ولا معرفة الإجابة، ولكن خيالك سيتكفل بهذا الأمر.

أتذكر واحدة من الألعاب كانت تسمى كاراتيكا Karateka واللعبة عبار عن لاعب كاراتيه يواجه مجموعة أخرى من لاعبي الكاراتيه وكلما هزم واحدًا منهم، يظهر الزعيم وهو يشير بيده لواحدٍ آخر كي يتقدم ويواجه البطل، ومن وقت لآخر تظهر فتاة جالسة وحدها حزينة، لم يكن هناك حوار أو حتى جمل مكتوبة ولا أي شيء يشير إلى قصة اللعبة، ولكن عقلي تكفل بملء كل التفاصيل، هذا البطل يسعى لإنقاذ تلك الفتاة المحتجزة، وهذا الذي يشير بيده للاعبي الكاراتيه هو الشرير الذي يحتجز الفتاه، ولا شك أن البطل هو حبيبها كان كل هذا كافيًا لإثارة مخيلتي، وكلما تركت اللعبة تذكرت الفتاة التي تنتظرني كي أخلصها من الرجل الشرير.

لعبة كاراتيكا

الأمر يشبه لعبة سوبر ماريو حيث لا تعرف شيئًا عن البطل ماريو ولا عن الأميرة التي يرغب في إنقاذها، ولا لما يقوم التنين باوزر ـ الذي لم نكن نعرف اسمه في ذلك الوقت ـ بخطف الأميرة باستمرار، ولكن هذه التفاصيل القليلة والرسومات التي تعتمد على أبسط قدر من التفاصيل، وموسيقى اللعبة التي هي عبارة عن ألحان بسيطة بقدر ما تسمح به إمكانيات الجهاز المتواضعة، كل تلك التفاصيل الصغيرة تحولت إلى أشياء عظيمة في خيالي، أذكر عندما لعب أخي اللعبة قبل أن أراها وعاد ليحكي لي عن مغامراته لإنقاذ الأميرة والوحوش التي قابلها والتنين الذي ينفث النار وقلعته المخيفة، لم تكن اللعبة بمثل تلك التفاصيل ولكنها كانت كذلك في مخيلتنا.

سوبر ماريو

هذا يأخذني إلى سؤال آخر، وهو سر شعبية مسلسلات مثل هركليز وزينا وسندباد في تسعينيات القرن الماضي، حيث كانت الشوارع تخلو من المارة ويتجمع الناس في المقاهي أو في بيوتهم لمشاهدة حلقة جديدة من هذا المسلسل أو ذاك، وهذه المسلسلات تعد فانتازيا، فهي تمتلئ بشتى أشكال الخيال والسحر والوحوش الأسطورية والمغامرات العجيبة، فما سر شعبية تلك المسلسلات القديمة ولما تحوز مسلسلات الفانتازيا الحديثة مثل تلك الشعبية؟ والإجابة على تلك النقطة هي نفس الإجابة على نقطة الألعاب القديمة، وهي اعتمادهم على مخيلة المشاهد لملء التفاصيل.

أبطال مسلسليّ هركليز وزينا

كُتّاب الفانتازيا المعاصرين مولعين للغاية ببناء عالم الفانتازيا وتفاصيله أو الـWorld Building ومولعين أيضًا بما يسمونه نظام السحر أو الـ Magic System وهذا يعني أن يشرح الكاتب كل شيء للقارئ بالتفصيل، بل بعضهم يقول إن على الكاتب التفكير في تفاصيل كل شيء في عالمه قبل أن يبدأ كتابة الرواية نفسها، وهذا لا يدع شيئًا لمخيلة القارئ إلا تخيل ما يكتبه المؤلف، وهذه النقطة هي ما يميز الفانتازيا عن غيرها من أشكال الكتابات الخيالية الأخرى.

الفانتازيا هي نوع قديم للغاية من الأدب كما قلت من قبل في مقال “ما بعد السحرة والتنانين: الأهمية الحقيقية للفانتازيا”: “الفانتازيا هي أقدم نوع قصصي عرفه الإنسان، فهي تعد جزءًا من اللاوعي الجمعي للجنس البشري، وقد امتلأت مخيلة الإنسان البدائي بحكايات عن الآلهة والبشر والسحرة والتنانين والوحوش الخيالية والأسطورية، كما أنهم وضعوا تفسيرات أسطورية للظواهر الطبيعية الغامضة التي وقف الإنسان البدائي حائرًا أمامها، مثل البرق فهو مطرقة ثور عند الإسكندنافيين، وهو أسهم زيوس عند الإغريق”.

الأمر بالنسبة لي أنا يشبه حكايات جدتي التي كانت تمتلئ بالفرسان والأميرات والساحرة الشريرة والغول والوحوش الغريبة، هذه الحكايات ينقصها الكثير من التفاصيل التي تجعلك تتخيل، يشبه الأمر عند تولكين شخصية “توم بومبادل” فهذه الشخصية تكسر كل القواعد التي وضعها كُتّاب الفانتازيا، فهي شخصية غامضة لا يعرف القارئ عنها أي شيء سوى أنها أقدم من الأجناس الموجودة في الأرض الوسطى، ولكن ليس هذا هو الغريب فقط، بل الغريب أيضًا أن تولكين نفسه لا يعلم أي شيء عن تلك الشخصية، لقد وضعها دون أن يعرف عنها الكثير، وقال إن على الكاتب أن يجهل بعض الأشياء في عالمه.

توم بومبادل

من الروايات التي أعجبتني كثيرًا رواية “بنت ملك جن” من تأليف لورد دونساني، فإنها رواية سحرية غامضة غريبة، لا يكاد دونساني يفسر فيها أي شيء، فمن هو ملك الجن وكيف ظهر عالمه وما علاقاته بعالمنا، ما سر خلود كل شيء في عالمه ولما يمضي الوقت في عالمنا أسرع من عالمه؟ لقد قضى البطل بضع دقائق في أرض الجن ليعود فيكتشف أن سنوات عديدة قد مرت في عالمه، هناك العديد من أشكال السحر في الرواية أيضًا ولكن الكاتب لم يشرح كيف يعمل هذا السحر، لا يوجد نظام سحر كما يسميه الكُتّاب المعاصرون، هذا ما يجعل القصة غامضة وسحرية ومثيرة للخيال، فالسحر في عالمه ليس مجرد قوة أو وسيلة للقتال أو أداة لتحريك الحبكة، بل السحر هو سحري حقًا، جزء من العالم يتحرك ويتنفس، رائع وغامض وغير مفهوم وأحيانًا أخرى مخيف، ولكنه جزء لا يتجزأ من العالم.

غلاف النسخة الفرنسية من رواية بنت ملك الجن

 هذا ما يجعلها فانتازيا حقًا، أن يشارك القارئ بخياله في ملء تفاصيل العالم، قد لا يكون عالم لورد دونساني ضخمًا ومعقدًا ومليئًا بالتفاصيل بحيث يحتاج إلى عدة أجزاء يبلغ كل جزء منهم حجم موسوعة إلا أن عالم دونساني أكثر شعرية وساحرية، وهو ما أرى أنه يستحق لقب فانتازيا حقًا.

نشر المقال للمرة الأولى في موقع نون بوست

الحكايات الشعبية الأوروبية وأشهر من جمعوها

الحكايات الشعبية هي جزء لا يتجزأ من وجدان كل الشعوب الإنسانية، فلا توجد ثقافة أو حضارة خلت من وجود تلك الحكايات، وهي حكايات قصيرة تحتوي على عناصر خارقة للطبيعة، كالسحر والجنيات والعمالقة والأقزام والمخلوقات الأسطورية المختلفة، كما تنطوي على الحكم والدروس الأخلاقية وتتمحور في الغالب حول الصراع بين الخير والشر، وكانت هذه الحكايات تروى شفاهيًا وتنتقل من بلد إلى بلد مع التجار والقوافل، وكل شعب يتبنى حكاية شعبية كان يقوم بتغييرها وتطويرها بحيث تتناسب مع ثقافته ومخاوفه وتطلعاته، وقد لاحظ الجامعون تكرار نفس الحكاية في ثقافات مختلفة بصيغ متعددة.

شارل بيرو

شارول بيرو (1628-1703) هو كاتب وشاعر فرنسي يعده الكثير من النقاد “أبو الحكايات الشعبية”، فهو من أوائل من قاموا بجمع الحكايات الشعبية وتحويلها إلى نمط أدبي له ملامحه وقواعده المحددة، ويعده الكثير من النقاد أنه أول من وضع حجر الأساس لهذا اللون من الأدب، وقد كان هدف بيرو من جمع الحكايات الشعبية هو تسلية الحاشية الملكية، وتربية أبنائهم عن طريق تقديم حكايات تخدم أهدافًا سامية، وصراع الخير والشر، وقد حققت مجموعته (Les Contes de ma Mère l’Oyeحكايات الأوزة الأم) نجاحًا كبير لم يتوقعه بيرو ذاته، فهي مسلية للصغار والكبار على حدٍ سواء، واشتهرت رواية تلك الحكايات الشعبية في الصالون الثقافية في باريس في منتصف القرن السابع عشر حيث يجتمع الرجال والنساء في ضيافة امرأة أرستقراطية لمناقشة الأدب والفنون والسياسية وغيرها، كما ألهمت أعماله العديد من الفنانين في مجالات متعددة كالأوبرا والمسرح والموسيقى.

ومن أشهر الحكايات التي قام بجمعها: الجمال النائم، والقط في الحذاء، وذات الرداء الأحمر، كما أن نسخته الخاصة من “سندريلا” التي تحتوي على الجنية العرابة، وعربة اليقطين وغيرها، هي الأشهر في أنحاء العالم، وتتفوق على النسخ الأخرى مثل نسخة الأخوين جريم، وهي النسخة التي قامت ديزني بتحويلها إلى فيلم رسوم متحركة بالعنوان ذاته.

الأخوان جريم

الأخوان الألمانيان، جاكوب (1785-1863) وويلهم جريم (1786-1859) هما الأشهر في مجال جمع الحكايات الشعبية، قد درسوا اللغة والفلسفة واهتموا بالدراسات الثقافية واللغوية، وقد تأثرا بالحكايات الشعبية الفرنسية لشارل بيرو والحكايات الشعبية الإيطالية لجامباتيستا باسيل التي لاقت رواجًا كبيرًا في أنحاء أوروبا، فبدأ الأخوان جريم بالترحال في أنحاء ألمانيا لجمع الحكايات الشعبية الألمانية، وقد نشر أول كتبهما (Kinder- und Hausmärchen– حكايات للأطفال وأهل البيت) عام 1812 وتبعها بعد ذلك إصدارات لاحقة، فأضافا المزيد من الحكايات، وعدلوا بعض القصص لتنقيحها أو للتخفيف من بعض عناصر العنف في الحكايات لتصبح مناسبة للأطفال، حتى وصلت إلى ما يعرف الآن في جميع أنحاء العالم باسم “حكايات الأخوين جريم” والتي ترجمت إلى أكثر من 100 لغة حول العالم.

ومن أشهر حكايات الأخوين الجريم: بياض الثلج، والجمال النائم، والأمير الضفدع، وروبانزل، وقد تم اقتباس العديد من أعمالهم في أفلام الرسوم المتحركة الخاصة بديزني.

هانز كريستيان أندرسن

هانز كريستيان أندرسن (1805-1875) هو كاتب وشاعر دنماركي، اهتم بجمع الحكايات الشعبية الدنماركية، والتي لاقت رواجًا كبيرًا واستمتع بحكايته الكبار والأطفال عى حد سواء، كما لاقى تقديرًا من العائلة الملكية في الدنمارك، وقد احتوت مجموعته من الحكايات الشعبية ((Eventyrعلى الكثير من الحكايات الشعبية والشهيرة والمحبوبة على مستوى العالم، مثل: بائعة الكبريت، وحورية البحر الصغيرة، وعقلة الأصبع، وملابس الأمبراطور الجديدة، والبطة القبيحة.

وقد ألهمت أعماله العديد من الأفلام والمسرحيات وعروض الباليه حتى، كما ترجمت أعماله لأكثر من 125 لغة حول العالم، حتى أصبح اسم هانز كريستيان أندرسن مرادفًا للحكايات الشعبية ـ والجدير بالذكر أن فيلم ديزني الذي يحمل عنوان “Frozen” الذي يعتبر أكثر أفلام الرسوم المتحركة ربحًا في التاريخ بما يقرب من 1.33 مليار دولار ـ مقتبس عن حكاية لأندرسن تحمل اسم “ملكة الثلج”.

ويليام بتلر ييتس

ويليام بتلر ييتس (1865-1939) هو شاعر وكاتب أيرلندي، وعضو مجلس العموم البريطاني، ويعد واحدًا من أشهر الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وقد اهتم بإعادة إحياء التراث الثقافي الأيرلندي، كما أنه شكل جسرًا يربط بين الثقافة البريطانية والأيرلندية، وحصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1923.

وقد اهتم ييتس بالفن الشعبي وقال عنه إنه “التربة الخصبة التي نبتت منها كل أشكال الفنون” لذا اهتم كثيرًا بجمع الحكايات الشعبية الأيرلندية، وبالرغم من أنه قد سبق ييتس بعض المحاولات لجمع الحكايات الشعبية مثل محاولة الشاعر دوجلاس هايد والتي لم تلق نجاحًا كبيرًا ولعل السبب يعود لاستخدام هايد للغة الأيرلندية، في حين أن ييتس استخدم اللغة الإنجليزية لأن لها جمهور أكبر وعلى ذلك فقد لاقت حكاياته التي قام بجمعها رواجًا كبيرًا.

ويختلف ييتس عن الجامعين الآخرين أنه كان يؤمن بالفعل بالأشباح والجنيات والسحر، ولم ينظر لها كمجرد خرافات أو أساطير، وساعد في تأسيس “جمعية دبلن لعلوم السحر”، كما انضم إلى جماعة “الفجر الذهبي” الهرمسية وهي جمعية سرية تؤمن بالسحر، كما سعى ييتس لمختلف المرشدين والمعلمين الروحين، واهتم في كثير من الأوقات بالبحث عن آثار العالم الخفي، وظهرت هذه الاهتمامات في كتابته وشعره.

ومن أشهر الحكايات التي قام بجمعها: زمار القرية، وعشاء القس، والطفل المخطوف، وغيرها من الحكايات التي ترجمت إلى لغات عديدة، ومنها اللغة العربية تحت اسم ” حكايات شعبية من أيرلندا” وهي جزء من سلسلة ثقافات الشعوب الصادرة عن مشروع كلمة للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست

أثر ملحمة الكاليڤالا الفنلندية على أدب تولكين

تتميز العديد من الدول الأوربية بأساطيرها وملاحمها الخاصة من الأساطير اليونانية والنوردية والفنلندية وغيرها، إلا أن تولكن كان دائمًا ما يعرب عن قلقه من افتقار بلده “إنجلترا” إلى أساطيرها الخاصة، وقد عكف تولكين على بحث ودراسة الأساطير الخاصة بالبلدان، وواحدة من تلك الملاحم التي تأثر بها كانت ملحمة الكاليڤالا الفنلندية، وقد جمعت أغاني الكاليڤالا ونشرت في منتصف القرن التاسع عشر على يد العالم اللغوي الفنلندي إلياس لونروت .(1802-1884)

وتعتبر الكاليڤالا الملحمة الوطنية الفنلندية أحد أهم أعمال الأدب الفنلندي وكان الهدف منها إزكاء الروح القومية عند الفنلنديين والذي بدأوا يفقدون هويتهم بعد تعاقب احتلال عدة دول أجنبية عليهم لعدة قرون مثل السويد وروسيا، ويعزى الفضل للكاليڤالا في إلهام الصحوة الوطنية التي قادت في نهاية المطاف إلى استقلال فنلندا عن روسيا في عام 1917.

وقد أثرت الكاليڤالا كثيرًا على الفنلنديين، وكان اكتشاف الأساطير الأصلية لفنلندا السبب في منح الفنلنديين الشعور بالاستقلال والهوية الوطنية، وأصبح إلياس لورنوت بطلاً قوميًا في فنلندا، كما أصبح للكاليڤالا مكانة كبيرة في نفوسهم فأسموها “أساطير من أجل فنلندا” وقد كان لها أثر كبير في نفس تولكين الذي كان يقلقه افتقار بلده إلى أساطيرها الشعبية، فعكف على مشروع “أساطير من أجل إنجلترا” والذي أصبح فيما بعد يحمل اسم “السيلماريليون”.

قرأ تولكين الكاليڤالا عندما كان طالبًا في كلية الملك إدوارد في برمنجهام عام 1911 وانبهر بها كثيرًا، فقد استلهم تولكين من الكاليڤالا شخصية كوليرڤو بطله التراجيدي المأسوي، وقد كانت حكاية كوليرڤو هي نقطة تحول في حياة تولكين فقد كانت المرة الأولى التي ينتقل فيها تولكين من كتابة الشعر إلى كتابة النثر، وتعد شخصية كوليرڤو البذرة الأساسية لأغلب شخصيات وأساطير تولكين، والتي حملت اسم “السيلماريليون” وخاصة حكاية أبناء هورين وبطلها تورين تورمبار.

وقد أقر تولكين أنه “تأثر بشدة” بالأساطير الفنلندية، ويظهر في رسائله لخطيبته “إيديت برات” في عام 1914 رغبته في تحويل إحدى حكايات الكاليڤالا وهي قصة كوليرڤو والتي هي حكاية تراجيدية طويلة إلى قصة نثرية قصيرة مع مجموعة من الأناشيد، وبالرغم من أن القصة تعد عملًا غير منتهي لتولكين، إلا أن التشابه بينها وبين أعمال تولكين التالية وخاصة قصة أبناء هورين والتشابه بين كوليرڤو وتورين تورمبار يبدو واضحًا.

فكلا القصتين تعد حكاية مأساوية “تراجيدية” وكلا البطلين يمارسان الزنا مع أختهما بدون أن يعرفوا من تكون، وفي كلا القصتين تنتحر الأخت بإلقاء نفسها في الماء بعد اكتشاف ما قد تم ارتكابه من خطيئة، كما أن كلا البطلين يقتلان أنفسهما بسيفهما بعد أن يسأل البطل سيفه إن كان سيذبحه.

وبجانب تأثير حكاية كوليرڤو الواضح في حكاية تورين تورمبار، فإن أثرها يبدو واضحًا في أغلب حكايات السيلماريليون، وهي توضح أنماط السرد التي اتخذها تولكين في كتابة أساطيره، فهناك المأساة والقصة الأسطورية والشعر والنثر، ولذلك قال تولكين عن الحكاية المأساوية لكوليرڤو إنها المادة الخام التي طور منها أقوى قصصه.

توجد قصة كوليرڤو كمخطوطة واحدة في مكتبة “بودلي” وهي المكتبة البحثية الرئيسية في جامعة أكسفورد كمشروع خام للقراءة مع الكثير من الهوامش وأسطر من الإضافات والتصحيحات بالقلم الرصاص، وفي مسودة القصة كتب تولكين: “يجب أن يعاد تنقيح المخطوطة وإخراج التقرير النهائي عنها”.

وقد ظلت المخطوطة غير منشورة حتى عام 2010 عندما قامت الدكتورة الجامعية Verlyn Flieger بتحرير المخطوطة، ونشرها مع عدة تعليقات ومقالات في العدد السابع من جريدة دراسات تولكينية Tolkien Studies وهي جريدة أكاديمية سنوية متخصصة في دراسة أعمال تولكين، وتم نشر القصة بشكل منفصلة في كتاب “حكاية كوليرڤو” في أغسطس عام 2015 من خلالHarperCollins Publishers  وتم ترجمتها إلى العربية على يد المترجم أسامة أبو ترابة ويمكن الحصول على النسخة المترجمة ومعرفة المزيد عن تولكين وأعماله باللغة العربية من هنا

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست