الفانتازيا والرعب في الأدب المصري المعاصر

الفانتازيا باعتبارها فنًا قصصيًا هي أقدم أنواع الحكي الذي عرفه البشر منذ فجر التاريخ، فالفانتازيا هي الخيال، أو الحكايات الخيالية، قصص الآلهة والسحر والمخلوقات الأسطورية، فلا توجد حضارة بشرية قديمة تخلو من الميثولوجيا، وقصص الآلهة والخلق، والحكايات الشعبية عن الساحرات أو الغيلان أو الجنيات. ولعبت هذه الحكايات دورًا في تفسير الظواهر الغامضة التي وقف الإنسان البدائي حائرًا أمامها، مثل البرق الذي فسره الإسكندنافيون على أنه مطرقة ثور، وفسره الإغريقيون على أنه أسهم زيوس. وفي وقتنا المعاصر تعد الحكايات الشعبية جزءًا لا يتجزأ من الفن الشعبي لأي مجتمع بشري، فمن منا لم يستمع في صغره إلى حكايات الجدات عن الشاطر حسن وست الحسن والجمال، أو يتخيل نفسه جزءًا من مغامرة خيالية في عالم آخر سحري.

وقد حظيت الفانتازيا الحديثة بشعبية كبيرة في العصر الحديث، وتصدرت الفانتازيا المشهد السينمائي بأعمال ذات إنتاج ضخم مثل سيد الخواتم وهاري بوتر، ورغم اعتقاد البعض أن الفانتازيا قد تنزوي مع التقدم العلمي ونبذ الانسان للخرافات القديمة، إلا أن ما يحدث عكس ذلك، فيقول مارك تشادبورن المؤلف الفانتازي البريطاني: “كلما صار العالم أكثر عقلانية، جنحنا إلى اللا معقول في خيالنا.”

 

 

أما عن الرعب، فهو أيضًا جزء من اللاوعي البشري، يقول لافكرافت إن الخوف هو أقوى وأقدم المشاعر البشرية، وأقوى وأقدم نوع من الخوف هو الخوف من المجهول. فقد وجد البشر أنفسهم في بداية التاريخ في بيئة عدائية تمامًا لهم، فكان الخوف من الجوع، ومن المرض، ومن الحيوانات المفترسة المتربصة بالإنسان بين الظلال الداكنة، والخطر يحيط بالإنسان من كل حدبٍ وصوب، وقد انعكس هذا الخوف على ثقافة الإنسان في شتى الحضارات، ما بين المعتقدات والطقوس، وصولًا إلى الحكايات الشعبية عن المخلوقات المخيفة كالغيلان وغيرها.

وهكذا تتلاقى الفانتازيا والرعب عند هذا الخط الرفيع، فيمتزجان أو يفترقان، ولا يقتصر رعبنا على المخاوف القديمة، فحتى في العصور الحديثة وبعد التقدم البشري الكبير ما زلنا نعثر على أشياء جديدة تخيفنا، وخصوصًا بعدما أدركنا مدى اتساع الكون الشاسع ومدى ضآلة الجنس البشري على هذا الكوكب الصغير المسمى الأرض، وهل نحن وحدنا في هذا الكون الشاسع، أم أن هناك من يشاركنا إياه، وكلا الاحتمالين مخيف للغاية.

والسؤال هو، لماذا نستمتع بالرعب، ما سر حبنا في صغرنا لحكايات الجدات عن الجن والغيلان، أو حبنا في كبرنا للروايات والأفلام المرعبة، والإجابة هي أن الإنسان يحب أن يجرب المشاعر السلبية في بيئة آمنة، لعبة “الاستغماية” ونحن صغار وخوف أحدنا من أن ينكشف، ولكنه خوف بريء لا خطر منه، وكذلك استمتاعنا بلعبة قطار الرعب في الملاهي، هذا القطار المسرع المجنون الذي ينقلب بك رأسًا على عقب وتشعر أنك تكاد تهوي، ولكنك متيقن أن هذا لن يحدث، هذا هو مصدر الاستمتاع، تجريبنا للخوف والاحساس بالخطر، مع احساسنا الخفي بالأمان والطمأنينة. لهذا نحب أن نواجه المخلوقات المرعبة في الروايات والأفلام، لأننا نعرف أننا سننجو من هذه المواجهة، وهذا مصدر إحساسنا بالاستمتاع.

 

 

وهكذا نجد أن الفانتازيا والرعب يلعبان دورًا في حياة البشر وفكرهم ومعتقداتهم منذ القدم، ولهما دور لا يُستهان به في الأدب والوسائط الإعلامية الحديثة، فليس غريبًا أن يتجه العديد من الكُتّاب الشباب إلى هذا اللون من الأدب، فهم ذاتهم قد يكونون من عشاق الفانتازيا والرعب، فالكاتب غالبًا ما يكتب ما يحب أن يقرأه، فبعد موجة الفانتازيا الحديثة في الأدب والسينما، وجدنا الكثير من الكُتّاب الشباب يتجهون إلى ابتكار عوالمهم السحرية الخاصة، سواء مستوحاة من التراث العربي مثل “الغول الأحمر الأخير” للكاتب محمد الدواخلي، أو يغلب عليها التأثر بالطابع الغربي مثل “صانع الأحلام” للكاتب معتز حسانين. ولعل هذا يرجع أيضًا إلى أن شعبية هذه الأعمال الغربية قد فتحت الباب أمام نشر الأعمال العربية والمصرية، فقبل ذلك لم تكن الفانتازيا أو الرعب ضمن أنواع الأدب الحقيقية في أعين النقاد ودور النشر، ولا يعدوهما سوى قصص للأطفال على أقصى تقدير؛ ولكن بعد شعبية سيد الخواتم وهاري بوتر، وبعد أن ترجمتهما دار “نهضة مصر” إلى العربية، والتي اتجهت إلى ترجمة أعمال الفانتازيا الغربية الأخرى مثل “سيبتموس هيب” و”سبايدر ويك”، صار المجال متاحًا لنشر الروايات الفانتازيا العربية.

السبب الآخر والأهم، هو الكاتب الراحل “أحمد خالد توفيق” عليه رحمات الله، فهو لم يكن مجرد كاتب، بل كان ظاهرة أثرت في جيلٍ بأكمله، فقد كتب في أدب الرعب سلسلة “ما وراء الطبيعة”، وكتب سلسلة تحمل عنوان “فانتازيا”، ولكنه الكاتب الوحيد في مصر الذي كان يقرأ له الجميع من كل الأعمار بدءً من طلبة الابتدائية حتى طلبة الجامعة، كانت كلماته سلسة، وأفكاره بسيطة، ولكنها تحمل تيمات من الخيال والرعب، ورغم بساطتها وخيالها إلا أنها كانت تحمل بين طياتها أفكارًا عميقة، ودروسًا في الحياة، والعديد من الشباب تأثرت أفكارهم وشخصياتهم بكتابات هذا الرجل وحده، حتى أن بعضهم صار يحاكي شخصياته في التفكير أو حتى أسلوب الحديث، وبعضهم حاكى حتى أسلوب الكتابة، وبدأ يبني عالمه الخاص، ورأينا عددًا كبيرًا من كُتّاب الرعب في مصر، وصار بعضهم أسماءً لامعة مشهورة، ولكنهم يعترفون بأستاذية أحمد خالد توفيق حتى اليوم، وأهدوه في حياته لقب العرّاب، الأب الروحي لجيل من الشباب بأكمله.

 

 

كنت واحدًا ممن تأثروا بهذه المرحلة، فقد نشأت في صغري على حكايات جدتي الشعبية، وعندما كبرت قليلًا تأثرت بسيد الخواتم وهاري بوتر، ثم اتجهت لقراءة كتب الفانتازيا الغربية وفي الوقت ذاته تعرفت من خلال أحمد خالد توفيق إلى لافكرافت وبو، وقد كتبت بعض قصص الفانتازيا في المرحلة الإعدادية والثانوية ولكنها كانت محاولات غير ناضجة، حتى وصلت إلى روايتي المنشورة الأولى “ريـــم” وهي مزيج من الفانتازيا والرعب تأثرًا بتلك المرحلة، وقد بدأت الفكرة بقصة رعب قصيرة كتبتها بعنوان “القط الأسود” ثم توسعت في الفكرة والعالم ومرت القصة بالعديد من التعديلات والتغيرات، حتى وصلت إلى هيئتها الأخيرة المعروفة باسم “ريـــم”. القصة لا تمزج بين الرعب والفانتازيا فقط، بل تمزج ملامح الحكايات الشعبية المصرية، بعناصر من الحكايات الشعبية الأوروبية، التي فُتِنْتُ بها كثيرًا وقرأت لأغلب جامعيها من الأخوين جريم وهانز كريستيان أندرسن وغيرهم.

ورغم أن الروايتين المنشورتين بعد “ريـــم” وهما “ملاذ: مدينة البعث” والشتاء الأسود ينتميان إلى أدب الخيال العلمي، أو أدب ما بعد الكارثة على وجه التحديد، إلا أنه ما يزال في جعبتي العديد من الحكايات الفانتازية التي لم أروِها بعد، وروايتي القادمة ستكون من أدب الفانتازيا بإذن الله.

 

نشر المقال لأول مرة على موقع لأبعد مدى

نهاية العالم من الميثولوجيا إلى الأدب

الإنسان يخاف من المجهول، والمستقبل هو أكبر مجهول في حياتنا، وبالطبع يميل المتشائمون إلى توقع الأسوأ، ومن رحم هذا الخوف وُلِد أدب ما بعد الكارثة أو ما بعرف باسم Post-Apocalypse هو نوع فرعي من أدب الخيال العلمي، يدور في المستقبل القريب أو البعيد، ويدور حول كارثة تؤدي لدمار الحضارة، قد تكون هذه الكارثة بفعل الإنسان مثل الحرب النووية، أو لسبب خارج عن إرادة الإنسان كالأوبئة والتغيرات الجوية، بعض الروايات تتناول الكارثة ذاتها، ومكافحة البشر للنجاة في تلك البيئة القاسية، وبعضها يتناول محاولة الناس للتكيف على الحياة بعد الكارثة.

والحديث عن نهاية العالم بشكله المعروف هو أمر ليس بجديد، بل هو قديم قدم الحضارة الإنسانية ذاتها، فلا تخلو ديانة أو ميثولوجيا من محاولة تخيل نهاية العالم، مثل معركة راجناروك في الميثولوجيا الإسكندنافية، وأسطورة الشموس الخمس أو نهاية دورة الزمان الخامسة عند حضارة الأزتك.

 

Ragnarök by Rasmus Berggreen

 

ولكن أدب ما بعد الكارثة بشكله الحديث لم يظهر إلا مع بدايات القرن التاسع عشر وخصيصًا مع رواية “الرجل الأخير” (1826) لماري شيلي والتي تدور حول مجموعة من البشر يكافحون للبقاء في عالم يجتاحه الوباء، ورجل يصارع من أجل إبقاء عائلته آمنة، ولكنه في نهاية الرواية يصبح الرجل الوحيد المتبقي على قيد الحياة. تلتها أعمال أخرى مثل رواية “المحاورة بين إيروس وتشارميون” (1839) لإدجار ألان بو وهي عن محاورة بين روحين في الحياة الأخرى، يتحدثان عن كيفية دمار الحياة على سطح الأرض عن طريق اصطدام نيزك بالأرض أدى إلى فقدان النيتروجين من الغلاف الجوي وفناء البشر في الاحداث التالية لذلك الاصطدام. وهناك أمثلة أخرى كثيرة مثل “آلة الزمن” (1895) و”حرب العوالم” (1898) لـ إتش جي ويلز و”بعد لندن” (1885) لريتشارد جيفريس ورواية “الآلة تتوقف” لـ إي. إم. فورستر (1910) وغيرهم.

ورغم ذلك لم ينل هذا النوع من الأدب شهرته وشعبيته إلا في منتصف القرن العشرين، مع حلول الحربين العالميتين، ورؤية الإنسان لما قد تفعله القنابل النووية، فأصبحت نهاية العالم ممكنة وليس ضربًا من الخيال، فتصدرت فكرة الكارثة النووية هذا النوع من أدب، وظهرت روايات مثل “الإنذار الأحمر” (1958) لبيتر جورج والتي تتحدث عن أول ساعتين من الحرب العالمية الثالثة، والتي حولها المخرج الشهير ستانلي كوبريك إلى فيلم سينمائي، ورواية “على الشاطئ” (1957) لنيفيل شوت والتي تتحدث عن اندلاع الحرب العالمية الثالثة النووية وتبدأ بحرب بين ألبانيا وإيطاليا ثم يتطور الأمر لصراع بين الناتو والاتحاد السوفيتي، وقد تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي أيضًا، وهناك العديد من الأمثلة الأخرى.

 

Nuclear Winter by Emilis Baltrusaitis

 

في وقتنا الحاضر يعد سيناريو “ما بعد النفط” هو الأشهر في أدب ما بعد الكارثة، والصراع على موارد الطاقة بين القوى العظمى، ولعل الأشهر في هذا اللون سلسلة أفلام “ماد ماكس” مع الجزء الذي عرض سنة (1979) وتدور أحادثه في مستقبل استنزف فيه الوقود وما تبعه من نقص شديد في موارد الطاقة وانهيار لمنظومة القانون والقيم والأخلاق. وفي رواية “عالم صنع باليد” لجيمس هوارد كونستلر (200) يتخيل الكاتب الحياة في شمال ولاية نيويورك بعد نقص موارد النفط العالمية والدمار الشديد الذي تعرض له الاقتصاد الأمريكي على إثر ذلك مما يجبر الناس والمجتمع على التكيف في حياتهم اليومية بدون نفط رخيص. وفي في رواية اللاعب رقم واحد لدوغلاس كوبلاند (2010) نرى أربعة أشخاص يلجؤون إلى حانة مطار في تورنتو بينما تحدث في الخارج سلسلة من الأحداث الكارثية. وتروي قصة “النور الأخير” وتكملتها “ما بعد النور” بقلم أليكس سكارو سقوط الحضارة البريطانية بعد حرب في الشرق الأوسط تستزف أغلبية موارد الأرض من النفط.

وهكذا نرى أنه كلما ظهر مصدر جديد لخوف الإنسان تلي ذلك تصور جديد لنهاية العالم، وألوان جديدة من أدب ما بعد الكارثة، الخوف من سيطرة الروبوت على الإنسان، الخوف من الغزو الفضائي، وسيستمر الأمر كذلك حتى نهاية العالم الحقيقية، أو ما بعدها.

 

نشر المقال للمرة الأولى على موقع الميادين

الشتاء الأسود

“ماذا سيحدث لو اندلعت حربًا عالمية ثالثة واستخدمت الدول ترسانة أسلحتها النووية؟ يقول العلماء أن الانفجار الناتج عن القنابل النووية سيؤدي إلى تصاعد الدخان والغبار إلى طبقات الجو العليا مما سيتسبب في حجب أشعة الشمس وانخفاض درجة الحرارة بشكلٍ كبير، وهذا يعني دخول الأرض في شتاء نووي، شتاء مخيف قارس يزحف على الكون ويغلفه برداء بارد مظلم”.

 

الشتاء الأسود، الشتاء الأبيض، لم نعتد شتاءً أبيض في مصر، فما بالك بالشتاء الأسود! الشتاء الأبيض يحمل من الرومانسية بقدر ما يحمل من الكآبة. إن كنت ممن يظنون بكآبة الشتاء الأبيض؛ فانتظر حتى تقرأ الشتاء الأسود لأحمد صلاح المهدي. بأنامل محترفة ينسج لنا أحمد المهدي أحداث روايته، وبنفس هذه الأصابع يسحبنا بسلاسة عبر أحداث الرواية.

ينجح أحمد المهدي في رسم صورة حقيقية بدرجة مبهرة لأحداث الشتاء الأسود في مصر، تركت لدينا ظاهرة ما بعد الرؤية After Image بصورة ممتدة فواحة، فعندما تتم أحداث الرواية تصل لحالة من الانسجام العقلي تجعل أحداثها ماثلة أمامك، حتى بعد أن تغادر صفحات الراوية وتذهب لشئون أخرى؛ أحداثها تظل تطارد مخيلتك، لتشعر بمزيج من القلق والمتعة.

أحمد المهدي يحفر لنفسه مكانًا بارزًا بين كتّاب الموجة الرابعة لكتّاب الخيال العلمي العرب؛ وهذه الرواية علّها تكون (موناليزا أحمد المهدي) أو بمثابة رواية (حلول الليل) لعظيموف.

– د. حسام الزمبيلي، رئيس الجمعية المصرية لأدب الخيال العلمي.

 

يجيد الروائي “أحمد صلاح المهدى” حبكته الروائية المشوقة، ويحكم حول فؤاد القارئ حبال السرد المنسوجة من خيال خصب يصف لنا مغامرة ما بعد كارثة الحرب الكونية، التي غمرت العالم بالظلمة والقتامة والتلوث الإشعاعي والرعب، وتبدو واقعية فنية تمثل “زرقاء يمامة” روائية، تستشرف المستقبل، وترى كيف يكون الإنسان أشد خطرًا من الكارثة ذاتها، (كنبوءة قادمة من مستقبلٍ مخيفٍ مظلم) بتعبير الرواية، ليمثل عبارة الرواية المركزية (كانت الزهور قد دُفنت أسفل الثلج)، لكنها تظل زهورًا، تتوق إلى الحرية والمساواة.

ويستعمل الراوي “التناسخ الروائي” من خلال مشهدية مواقف مناظرة، في إيقاع سردي متوازن مبهور الأنفاس لتجسيم الداهية والإنسانية في توحشها ونبلها بين طرفي نقيض يكشف مغزى الرواية الماتعة، ولم يكن الروائي صاحب شغف بطقس المغامرة والتشويق النابع من بطولة مطلقة، لكنه -كما أرى- صاحب مشروع ورؤية ثاقبة للواقع يمارسها في بث رسالي نبيل، حول المشكلة والحل، ويكفي أن نشير أن رواية “الشتاء الأسود” كاملة مثلت تشغيلًا لآلة الزمن السردية بتقنية الاسترجاع الخارجي “خارج زمن الحكاية” لرواية الكاتب الأخرى “ملاذ – مدينة البعث”، فما أجمله من فكر وسرد.

– أ. خالد جودة، ناقد أدبي.

جورمنجاست .. العبقرية حبيسة عقل ميرڤن بيك

الكاتب البريطاني ميرڤن بيك Mervyn Peake هو رجل متعدد المواهب، إنسان مبدع، وفنان غريب الأطوار، هو كاتب وشاعر ورسام، ورغم شهرته الكبيرة في موطنه بريطانيا، إلا أن القليل يعرفون عنه وعن أعماله حول العالم، ولكن ميرڤن بيك له مكانة خاصة في الأدب الإنجليزي، وخصوصا أدب الفانتازيا، فثلاثيته الرائعة “جورمنجاست” تعد المؤسس لفرع مستقل من الفانتازيا وهي فانتازيا الأشخاص، وهي الفانتازيا المعنية بأفكار الشخصيات ومشاعرهم وانفعالهم ودوافعهم، العناصر الخيالية في تلك الروايات ليست السحر أو التنانين أو الأجناس الأسطورية المختلفة، بل أشخاص وأماكن من الواقع نفسه، كذلك فعل ميرڤن بيك في كتابة روايات سلسلته جورمنجاست، فعالم جورمنجاست ينتمي لعالمنا الحقيقي، قلعة عتيقة، وعائلة ذات دماء نبيلة، وتقاليد وطقوس تجري طيلة قرون بين أصحاب تلك الدماء. ولكن شخصيات بيك هي من تجعل العالم لا مثيل له، أفكارهم ودوافعهم وصراعهم مع ذاتهم أو لتحقيق أفكارهم الخاصة هو من يجعل هذا العالم عجيب. ما يثبته بيك بكتابته هو عالمنا الواقعي يمتلئ بالأعاجيب إذا حدقنا النظر حولنا، ويحتاج الأمر لكاتب حقيقي ومبدع كي يستطيع رؤية هذه العجائب ورسمها على الورق.

 

قلعة جورمنجاست

 

يقول الروائي الكندي روبرتسون ديفيس: “يعد ميرڤن بيك شاعرًا مرهف الحس أكثر من إدجار آلان بو، لذا كان قادرًا على الحفاظ على روعة عالمة الخيالي [الفانتازي] خلال ثلاثة روايات. إن ثلاثية جورمنجاست هي عمل عظيم للغاية … وأحد كلاسيكيات عصرنا الحالي.”

يعد الجزء الأول “تايتوس جرون” تمهيدًا لعالم جورمنجاست، يتعرف على المكان الشخصيات واحدًا تلو الآخر، فنعرف أن جورمنجاست قلعة عريقة مبنية على مساحة شاسعة، بأبراج متداعية وجدران يغطيها اللبلاب، ينظر إليها قاطني الوادي من حولها بنظرة إجلال وتقدير يكاد يصل إلى مرتبة التقديس الديني، يقطن القلعة عائلة جرون النبلاء وسيدها اللورد سيبلكريڤ هو الإيرل السادس والسبعين لعائلة جرون، والذي يتوق لوريث يحمل اللقب من بعده. ونتعرف على كذلك على زوجته الكونتيسة جريترود وطباعها الغريبة وابنتها فيوشا ذات الخمسة عشر ربيعا والسيد فلاي كبير الخدم، وسويلتر كبير الطهاة، وسوردست سيد الطقوس والمشرف على المراسم وابنه برانكنتاين فيما بعد، والطبيب برونسكويلر وأخته إيرما، والعمتان التوأم كورا وكلاريس جرون وستيربايك الفتى الماهر الماكر الذي يبدأ كفتى من فتيان المطبخ، ويصبح له دورًا كبيرًا في الحبكة فيما بعد.

تبدأ الحبكة بميلاد البطل تايتوس جرون، الذي يمثل حدثًا هامًا في حياة القلعة، وعلى الفور يعج المكان بالحركة من المطبخ في الطابق السفلي حتى قاعة المنحوتات اللامعة في الطابق العلوي، وينفض سيد الطقوس التراب عن الكتب القديمة استعدادًا لاستقبال الإيرل السابع والسبعين لعائلة جرون، ورغم أن الكتاب يحمل اسم “تايتوس جرون” إلا أن دوره في الحبكة صغير ويظل طيلة الأحداث طفلًا رضيعًا لا يتجاوز عمره العامان.

 

بعض الشخصيات من عالم جورمنجاست بريشة ميرڤن بيك

 

الجزء الثاني “جورمنجاست” يبدأ بتايتوس وهو في عمر السابعة، وهو طفل متمرد يحاول رفض تلك الطقوس والتقاليد التي فرضت عليه منذ مولده، وتظهر شخصيات جديدة مثل طاقم التدريس في مدرسة جورمنجاست وخصوصا المدير بيلجروڤ، و”الشيء” تلك الفتاة الصغيرة التي ولدت مع مولد تايتوس من مرضعته، وأثرها في حياة تايتوس، ويعد الجزء الثاني استكمالًا لقصة الجزء الأول، فكليهما يتبعان نفس الشخصيات في نفس المكان وهو قلعة جورمنجاست كما أن هذا الجزء يغلق بعض الخيوط التي تركت مفتوحة في الجزء الأول.

ورغم أن الجزء الأول امتاز بمسحة من التراجيديا في أحداثه، إلا أن الجزء الثاني يعد أكثر منه تراجيدية، فقلعة جورمنجاست في هذا الجزء تكسوها مسحة من الكآبة، ولكنها ليست كآبة منفرة، بل كآبة سحرية تشبه تلك التي تنتابك وأنت تتأمل غروب الشمس، أو تستغرق في حالة من النوستالجيا، إنها كآبة بشكلٍ ما في نهاية القصة تشعر أنها غسلت روحك.

أما الجزء الثالث “تايتوس وحيدًا” فيختلف عن الجزئيين الأول والثاني بشكلٍ كبير، فالجزئين الأول والثاني يدوران في قلعة جورمنجاست، ويمتازان بكبر الحجم والوصف الدقيق للتفاصيل الصغيرة، ورسم ملامح كل شخصية ودوافعها وأفكارها، أما الجزء الثالث لا يدور في قلعة جورمنجاست، بل بعد خروج تايتوس لرؤية العالم الخارجي ومعرفة أسراره، ليفاجئ بعالم يختلف تمام الاختلاف عن عالمه المألوف، ففي الخارج يركب الناس السيارات والطائرات ويوجد حكومة وشرطة وأوراق رسمية وعلماء وأجهزة غريبة، وهم لا يعرفون شيء عن جورمنجاست ولا عن تقاليدها العريقة، بالنسبة لهم تلك الطقوس والتقاليد شيء من الماضي قد انتهى، وبالنسبة لهم تايتوس شخص مجنون يخيل له وجود هذا العالم المسمى جورمنجاست.

 

قلعة جورمنجاست بريشة الفنان البريطاني آلان لي المشهور برسم عالم الأرض الوسطى لتولكين

 

يضل تاتيوس طريق عودته إلى بيته ووطنه، وفي ظل عدم تصديق الناس لوجود جورمنجاست يبدأ هو نفسه في الشك في وجودها، بل والشك في عقله ذاته، لذا نجد أن تايتوس يبحث عن جورمنجاست كي يجد نفسه، كي يثبت لنفسه أنه ليس مجنون، وأن ماضيه وطفولته وكل الأحداث التي عايشها هي أحداث حقيقية لا من اختلاق عقل مجنون.

تايتوس وحيدًا هي النوستالجيا مجسدة في كتابٍ واحد، فيشاطر القارئ تايتوس شعوره بالوحدة، وشعوره بالغربة، وشعوره بالحنين إلى ماضيه ووطنه، كما يبرع في رسم هذا العالم الحديث، بآلاته وتكنولوجيته الغريبة، حتى لتشعر أن ميرڤن بينك قد مزج بين الفانتازيا والخيال العلمي في مزيج غريب وممتع.

بسبب اختلاف الجزء الثالث عن الجزأين السابقين له فإنه لقى ردود فعل متباينة بين القراءة، البعض كان يرغب في أن تظل الأحداث في نطاق جورمنجاست، وأنا كنت أشاطرهم الرأي في بداية مطالعتي للجزء الثالث، ولكني أحببت العالم الجديد الغريب وشخصياته الجديدة التي رسمها بيك، وشعرت في العديد من المشاهد أنها تشبه تلك اللوحات القديمة التي تتخيل المستقبل بما فيها من غرابة وسحر. الجدير بالذكر أن هناك نسختان من “تايتوس وحيدًا” النسخة الاولى التي قدمها ميرڤن بيك للناشر، ثم عاد وقام بتحسينها وتنقيحها وأضاف لها العديد من الفصول والمشاهد، وقد سعت أرملته ميڤ جيلمور لنشر الجزء الثالث منقحًا وكاملًا بمساعدة بعض أصدقاء زوجها الراحل حتى نجحت في ذلك أخيرًا بعد موت زوجها بسنواتٍ عديدة.

 

ميرڤن بيك وأرملته ميڤ جيلمور

 

لغة بيك شعرية وسحرية، ورغم واقعية العالم إلا أنك ستشعر كأنك تسير في حلم، العالم جميل وينبض بالحياة، كل شخص، كل مكان، كل حجر من أحجار القلعة مرسوم بدقة شديدة وريشة رسام تجعلك ترى كل مشهد وتتخيله وتعيشه، ولعل هذا يرجع لكون بيك رسام في الأصل، فقد اشتهر برسم كتب الأطفال الكلاسيكية مثل أليس في بلاد العجائب وجزيرة الكنز، كما كان لرسوماته دورًا في الحرب العالمية الثانية حيث صورت لوحاته مأساة الحرب ومعاناة الضحايا، كما أن بيك هو الرسام الوحيد الموجودة رسمته الذاتية في متحف اللوحات الوطني البريطاني National Portrait Gallery، كما أن مخطوطاته الأولى لروايات جورمنجاست التي كتبها بيده كانت تحوي بعض الرسومات لشخصيات وأماكن من الرواية.

 

رسمة من مخطوطة تايتوس جرون تظهر ستيربايك وفيوشا كما تخيلهما بيك

 

يأخذ بيك وقته في رسم المشهد، كل حركة، كل صوت، كل رائحة، وهذا ما يجعل إيقاع الرواية بطيئًا، ولكنه ليس مملًا، فالقارئ يسير بين مشاهدة مسحورًا مبهور الأنفاس، فهو يجعل القارئ يرى كل مشهد ويتخيله ويعيشه، كنت أحتاج أثناء قراءة الروايات لبعض اللحظات بين مشهد وآخر كي أفكر فيه وأتخيله واتأمله، أحيانا أستمر في القراءة كي أكتشف بعد عدة فقرات أنني ما زلت مستغرقًا في مشهدٍ سابق. ورغم بطء إيقاع المشاهد إلا أن القارئ يظل متيقظًا متحفزًا، دوافع الشخصيات المرسومة بدقة، الأفكار التي تدور في عقلها، اهتمام القارئ الحقيقي بمصير الشخصيات وتعلقه بها تجعله يرغب في معرفة ما سيحدث فيما بعد، العديد من المشاهد في القصة اضطرتني للوقوف لأنني لم أحتمل البقاء هادئًا وانا اقرأ المشهد.

يقول الكاتب البريطاني سي إس لويس مؤلف سلسلة نارنيا عن أعمال بيك أنها: “إضافة حقيقية لحياة المء، إنها كحلمٍ نادر تمنحنا إحساسً لم نشعر به من قبل، وتوسع إدراكنا ومجال الخبرات التي قد يخوضها الإنسان.

تم اقتباس “جورمنجاست” بعد ذلك في العديد من الأعمال المسرحية والمسلسلات الإذاعية على الراديو والمقطوعات الموسيقية الأوبريالية، كما قامت BBC سنة 2000 بإنتاج مسلسل بعنوان جومنجاست يتناول قصة الجزء الأول والثاني من السلسلة بطولة العديد من النجوم البريطانيين اللامعين مثل سير كريستوفر لي وايان ريتشاردسن وسيليا ايمري وغيرهم، ولاقى المسلسل احتفاء النقاد وحظي بالعديد من الجوائز مثل الجائزة البريطانية لفنون الفيلم والتلفزيون.

 

طاقم مسلسل جورمنجاست

 

كان بيك يرغب في أن تكون سلسلة جورمنجاست ـ أو كتب تايتوس كما أسماها ـ ملحمة تتبع شخصية واحدة منذ المولد حتى الموت، فالجزء الأول “تايتوس جرون” يتحدث عن مولد تايتوس وتأخذ فترة كونه طفل رضيع، أما الجزء الثاني “جورمنجاست” فيتحدث عن مرحلة الفتوة وبداية سنين المراهقة، أما الجزء الثالث والذي تدور أحداثه خارج قلعة جورمنجاست فيتحدث عن مغامرات المراهقة وطيش الشباب، حتى يبلغ تايتوس مرحلة النضج، وكان من الممكن أن يكمل ميرڤن بيك مشروعه لو يصاب بالمرض الذي جعله يتوقف عن الكتابة، قبل أن يداهمه الموت وهو يضع الخطوط الأولية لرواية رابعة بعنوان “استيقاظ تايتوس” ولكنه لم يترك منها سوى ورقات قليلة، وحاولت أرملته إكمال القصة على نفس المنوال ونشرتها لاحقًا ولكنها لم تقبل نفس الاحتفاء الذي قوبلت به روايات زوجها الأصلية.

فقد الأدب الإنجليزي والعالمي الكثير بموت ميرڤن بيك قبل أن يكمل سلسلته، وكم كنت أتمنى أن أرى المزيد من تلك العبقرية الحبيسة في عقل ميرڤن بيك، ولكن ستظل سلسلة جورمنجاست شاهدة على ابداعه وعبقريته.

نشر المقال للمرة الاولى على موقع شبكة الميادين الإعلامية

الكاتب عماد الدين عيشة قاصٌ بارع بعقل باحث تاريخ وريشة فنان

المؤلف البريطاني ذو الأصول الفلسطينية د. عماد الدين عيشة هو من الكتاب القلائل في الساحة العربية المخلصين حقًا لأدب الخيال العلمي، رغم كونه يكتب باللغة الإنجليزية ـ لغته الأم ـ بسبب مولده ودراسته في بريطانيا، إلا أن أفكار رواياته وقصصه القصيرة عربية حتى النخاع.

تجمع كتابات د. عيشة بين عنصرين جوهريين، الأول هو النظرية العملية؛ مثل فكرة السفر عبر الفضاء واستعمار الكواكب الأخرى، أو السفر عبر الزمن للحضارات القديمة، وقضايا السايبربانك والروبوتات وغيره، والأمر الجوهري الآخر هو اهتمامه ومعرفته بالتاريخ وإلمامه بتفاصيله وخاصة التاريخ العربي والإسلامي. فعلي سبيل المثال، عمله الأكبر “سجلات الجزيرة الخضراء: المسلمون على المريخ” ـ والذي يعد بعضها للنشر على شكل عدة قصص منفصلة ـ تعد أبرز مثال على أسلوب د. عيشة الأدبي، فالرواية باختصار تروي عن مستقبل استعمر فيه البشر المريخ، وعن العرب والمسلمين الذين يتمتعون بعدة مستعمرات منفصلة على المريخ، ويناقش خلالها قضايا العرب ومشاكل الجيران من منظور خيالي علمي عربي إسلامي، كحكاية “منحنى في الفضاء” التي تظهر كيف أن العيب ليس في المكان ولكن في الأشخاص أنفسهم؛ وأي مكان سيذهبون إليه سيحملون معهم مشاكلهم الخاصة. وأيضًا قصة “صانع الساعات” التي تدور في العالم نفسه، وأظهر فيها المؤلف المسلمين من حضارات وثقافات مختلفة على الأرض، وخاصة الثقافات الأسيوية وكيف يحيون ويتصرفون على المريخ، ولم بظهر فيها الكاتب معرفته بالتاريخ فقط، ولكن أظهر بوضوح معرفته بالدين والمذاهب والسياسة أيضًا.

أما عن قصة “جسد المقاومة” وقصة “دائرة الشك” وهما قصتان تدور أحداثهما على الأرض في العالم المألوف، فيحملان عناصر من “السايبربانك” و”الاسبياناج” في جوٍ عربي مميز، ويظهران اهتمام الكاتب بالتفاصيل الدقيقة، وحرصه على اكساب قصصه حلة مميزة، فالقارئ المتمعن لن يخطئ التعرف على قصة كتبت بقلم “عماد الدين عيشة” أما قصتي المفضلة من أعماله هي قصة “أنصاف آلهة عبر الزمن” التي تدور أحداثها في العراق في المستقبل، ثم تنتقل بنا إلى الماضي، إلى عصر “جلجامش” بطل الملحمة الشهيرة، ويرسم د. عيشة بدقة – بعقل باحث تاريخ وريشة فنان – حضارة وثقافة وعادات البشر في تلك الأحقاب القديمة، فيشعر القارئ أنه يرى الأحداث ويعايشها، ولا تخلو القصة من عناصر الخيال العلمي، وكيف استطاع البطلان التواصل مع جلجامش والناس في عصره باستخدام التكنولوجيا الموجودة معهم، بشكلٍ غاية في الإتقان والإقناع، مما يدل على أننا أمام قاصٍ بارع.

أتمنى أن ينال د. عماد الدين عيشة نصيبه من اهتمام النقاد، واهتمام الناشرين والنقاد على حد سواء، فقلمه قادر على تغيير وجه الخيال العلمي في العالم العربي والإسلامي، ولعله في العالم أجمع، فهو يضفي بأعماله بعدًا جديدًا لهذا النوع من الأدب على شاكلة الرواد الأوائل للخيال العملي مثل فيرن وويلز وأزيموف وفيليب ديك، وأتمنى أن نرى أعماله مطبوعة في كل مكان، ونراها أيضًا مقتبسة على شاشات التليفزيون والسينما؛ الأجنبية ونتمنى أيضًا، العربية.

 

Dr. Emad El-Din Aysha, a British author of Palestinian origin, is one of the few writers in the Arab arena who is truly dedicated to science fiction. What is more, the ideas of his novels and short stories are Arab to the core although he writes in his mother tongue, English, because of his birth and study in Britain.

The writings of Dr. Aysha bring together two key elements. The first is scientific theory, such ideas as ​​traveling through space and colonizing other planets, or travel through time to ancient civilizations, cyberpunk, robotics and other issues. The other key component is his interest and his knowledge of history and its details, particularly Arab and Islamic history. For example, his compendious work, “The Algeciras Chronicles: Muslims on Mars” – some portions of which are being prepared for publication in the form of several separate stories – is the most prominent example of Dr. Aysha’s literary style. In sum, the novel tells the story of a future in which humans have colonized Mars, and the Arabs and Muslims enjoy several separate colonies on Mars, allowing him in turn to discusses Arab issues and the problems of neighbors, all from the perspective of Arab-Islamic science fiction, like his story “A Detour in Space.” It illustrates how the defect is not in place but in the people themselves; wherever they go, they will carry their own problems with them. And the story of the watchmaker, which takes place in the same world. Here the author presents Muslims from different civilizations and cultures on earth, especially Asian cultures, and how they live their lives and conduct themselves on Mars. The writer illustrated not only his knowledge of history, but also his knowledge of religion, sects and politics.

The story “Body of Resistance” and the story of “Circle of Doubt” are two stories that take place on the Earth in the familiar world. They carry elements of “cyberpunk” and “espionage” in a distinctive Arabic atmosphere. They show the writer’s attention to detail, and his dedication to giving them a distinctive flavor. The attentive reader will not miss a story written by Emad El-Din Aysha. My favorite story by far is “Demigods in Time” that takes place in a future Iraq, and then moves us to the past, to the era of Gilgamesh, hero of the famous epic. The world depicted by Dr. Aysha is painted by the brush of an artist, but with the precision of a historical researcher. The reader feels that he sees events and lives them, the civilization, culture and human customs of those ancient times. Nonetheless, there ae no shortage of science fiction elements in the story, how the heroes manage to communicate with Gilgamesh and the people of his time using the technology they have carried with them, done with great skill and persuasion, evidence a gifted storyteller.

I hope that Dr. Emad El-Din Aysha’s gets his rightful share of attention by the readers, and peeks the interest of publishers and critics alike, for his pen is capable of changing the face of science fiction in the Arab and Islamic world, and perhaps in the world as a whole. His works are genre defining, lending a new dimension to this literature on the model the pioneers of science fiction, such as Verne and Wells and Asimov and Philip Dick. I look forward to seeing his works printed everywhere, and to see them also adapted to television and cinema; foreign and, we hope also, Arabic.

Works by Dr. Emad El-Din Aysha

مـــلاذ: مدينة البعث

“تروي الحكايات عن حرب عظمى حدثت بين البشر، وصراعات على موارد الطاقة أدت لاستخدام البشر لأكثر أسلحتهم تطورًا وفتكًا، حتى انهارت العديد من الدول وفني ملايين البشر، ولم يتبق منهم إلا أعداد قليلة تكافح من أجل البقاء في تلك البيئة القاسية، وكانت ملاذ هي أول مدينة أقيمت في مصر بعد انهيار الحضارة على إثر الحرب العظمى، وأطلق عليها قاطنيها اسم ملاذ لاعتقادهم أنها الملاذ الأخير للبشرية وأطلق عليها الباحثون عن الأمل اسم مدينة البعث.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“رواية ملاذ تعيد لنا سرد التاريخ من خلال صوغ حياة قبلية غير متحضرة ضعفت فيها روابط الدين، أو من خلال أديان غير سماوية موهومة قائمة علي الوثنية لتستشرف لنا المستقبل القادم، وتطلق صيحة التحذير حول خطورة التقدم التقني إذا تم استعماله لحساب الطامعين، وودأ السلام، والسعي للهيمنة والقوة، والاستخراب السرطاني التوسعي علي حساب الآخر.”
الناقد الأدبي أ/ خالد جودة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“رواية ملاذ تسير بخطى سريعة جداً ولا تعثر نفسها في التفاصيل غير الضرورية. وهذا يعطيها نكهة شبابية، وخاصة بالمقارنة مع أسلوب السرد المعتاد السائد بين المؤلفين العرب، مع الكلام المقعر. إن الفصل الافتتاحي المعنون، “الذئب الوحيد”، يخبرك بكل ما تحتاج إلى معرفته عن الحياة اليومية للمدينة الشمالية ونوع النظام الإيكولوجي المقلوب الذي وجدت مصر نفسها فيه، ويقدم لك الموضوعات والشخصيات كذلك في جرعه مكثفة.”
د. عماد الدين عيشة
مدير التحرير في موقع The Levant News
والأستاذ السابق بالجامعة الأمريكية.
لوحة الغلاف للفنان البولندي: Michał Klimczak

الذكاء الصناعي: التحدي الجديد أمام البشر

أثار انتصار الذكاء الصناعي (الحاسوب ديب بلو) على بطل العام في الشطرنج غاري كاسباروف عام 1997 ضجة هائلة في أنحاء العالم، وطرح تساؤلات جديدة حول مستقبل الذكاء الصناعي، وعلاقته بالإنسان، وأصبحت هذه المباراة موضوع الفيلم الوثائقي “The Man vs. The Machine ـ الإنسان ضد الآلة” ومنذ ذلك الحين لم تتوقف التجارب في هذا المجال، محفوفة بتطلعات ومخاوف العديد من البشر.

فموضوع الذكاء الصناعي من المواضيع الشائكة، فهو يختلف عن أي إختراع علمي آخر، لأنه يمس الغرور البشري، الذي لا يقبل أن تتفوق عليه الآلة، فالأمر قد ينظر إليه باعتباره عنصرية ضد الآلة، كما أن أفلام هوليوود ساهمت في زرع صورة مخيفة عن الذكاء الصناعي والروبوتات في عقول البشر، مثل أفلام The Terminator و The Matrix وغيرها من الأفلام التي تصور الذكاء الصناعي في حالة حرب مع الانسان أو يقوم بالتحكم فيه واستعباده، ولا شك أن لهذه الأفلام أثرها على المشاهد، وقد تصدرت أخبار الذكاء الصناعي الإعلام عدة مرات، معلنة أننا على وشك الدخول في عصر الجديد، وهو عصر الذكاء الصناعي.

الحاسوب بنجامين يقوم بتأليف سيناريو فيلم Sunspring

الحاسوب الذي أطلق على نفسه اسم بنجامين، تم إنتجاه بواسطة المخرج شارب أوسكار، وروس غودوين الباحث في قسم أبحاث الذكاء الصناعي بجامعة نيويورك، وتم تغذية الحاسوب بعشرات السيناريوهات لأفلام الخيال العلمي مثل Interstellar وThe fifth element وطُلب من الحاسوب كتابة سيناريو فيلم خيال علمي قصير، وكانت النتيجة غريبة للغاية ومذهلة ومضحكة في الوقت ذاته، فالفيلم تدور أحداثه فيما يبدو أنه محطة فضاء، بين ثلاثة أشخاص يبدو أن بينهم علاقة معقدة من الحب والكراهية، ويرتدون ملابس ذهبية ويتعاملون مع أجهزة معقدة، ولكن الحبكة مفككة تماما، فكل جملة مستقلة لها معنى ولكن الجمل لا يمكن ربطها ببعضها مما يجعل الحوار عشوائيًا، وقال أوسكار “بمجرد قراءة السيناريو إنفجر الجميع في الضحك” ولكنهم بدأوا على الفور في إنتاج الفيلم والإستعانة بثلاثة ممثلين للقيام بدور أبطال الفيلم وقام أوسكار بإخراج الفيلم بنفسه، كما تضمن الفيلم أغنية تم تأليفها بواسطة بنجامين نفسه بعد تغذيته بـ 3000 اغنية.

وقد تلقى النقاد الفيلم بردود فعل مختلفة، فقالت عنه أماندا كوسر المحررة في موقع سي نت أنه: “فيلم خيال علمي ممتع وغريب، إلا أنه لا يدل على إمكانية إستبدال الذكاء الصناعي بالبشر في أي وقت قريب، ربما يحدث ذلك في المستقبل ولكننا لسنا هناك بعد.”

ربنا نكون في بداية عصر الذكاء الصناعي، ولكن كتاب السيناريو عليهم أن يطمئنوا في الوقت الحالي، فالذكاء الصناعي لا يستطيع بعد منافسة إبداع العقل البشري.

ألفاغو يقوم بهزيمة لي سيدول في لعبة غو

لعبة Go هي لعبة صينية يرجع عمرها إلى ألفي عام قبل الميلاد، وتشبه بعض الشيء لعبة الشطرنج فكلا اللاعبين يتحكمان في قطع من لونين أسود وأبيض، إلا أن هذه اللعبة أكثر تعقيدًا من الشطرنج، وذلك يرجع إلى العدد الهائل من الاحتمالات الموجودة في هذه اللعبة، ويقدر العلماء عدد احتمالات الحركات في لعبة الغو بما يفوق عدد الذرات في الكون، ولهذا السبب فإن صنع برنامج ذكاء صناعي لهذه اللعبة هو أمر أعقد بكثير من برامج الألعاب الأخرى مثل الشطرنج.

وقد قامت شركة ديب مايند التابعة لجوجل والمتخصصة في الذكاء الصناعي عام 2014 بابتكار برنامج الذكاء الصناعي ألفاغو ليتعلم لعبة غو باستخدام تقنية التعلم المتعمق وهو ما يسمح للذكاء الصناعي أن يتعلم بنفسه، وقد تمكن البرنامج مارس 2016 من التغلب على بطل العالم في لعبة غو ليعيد إلى الأذهان ذكرى انتصار الحاسوب ديب بلو على غاري كاسباروف عام 977 وقد احتاج العلماء عشرون عامًا لتحقيق هذا الإنجاز وتطوير برنامج ذكاء صناعي يستطيع الانتصار على العقل البشري في لعبة غو، وكنتيجة لهذا الانتصار أعلنت حكومة كوريا الشمالية استثمار ترليون وون (ما يساوي 863 مليون دولار) في مجال الذكاء الصناعي خلال الأعوام الخمسة التالية.

مايكروسوفت تطلق برنامج محادثة الذكاء الصناعي Tay على تويتر

في شهر مارس من العام الجاري قام قسم التكنولوجيا والأبحاث في شركة مايكروسوفت بالتعاون مع Bing باطلاق برنامج Tay على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، وتم برمجته ليتصرف كفتاة مراهقة في التاسعة عشر من عمرها، ليعبر عن المراهقين، وكان الهدف من البرنامج أن يقوم بتحليل التغريدات المنشورة على تويتر والتعلم منها ومحاكاتها في كتابة التغريدات والردود عليها،  وقد كانت أول تغريدة نشرها البرنامج لطيفة للغاية حيث قال أن البشر رائعون للغاية، إلا أن البرنامج سرعان ما تحول إلى عنصري، كاره للنساء، ومؤيد للمرشح دونالد ترامب حيث قال أنهم “سيقومون ببناء سور ويجعلون المكسيكيون يدفعون الثمن” كما قال البرنامج “هتلر كان على حق أنا أكره اليهود” و”أنا أكره الفيمنست وأتمنى أن يحترقوا جميعا في الجحيم.” وبمرور الوقت بدأ الأكونت في نشر تغريدات جنسية مما دفع مايكروسوفت إلى القيام باعتذار رسمي عن تغريدات Tay ثم قامت بحظر حساب البرنامج على تويتر.

بمجرد إغلاق حساب Tay قام المغردون على تويتر باطلاق هاشتاج #FreeTay وتم عمل عريضة بعنوان  “Freedom for Tay” على موقع change.org لرفع الحظر من على برنامج الذكاء الصناعي، إلا أن آخرين عبروا عن خوفهم من النموذج الذي قدمه البرنامج عن الذكاء الصناعي، وقالوا أن هذا هو الذكاء الصناعي في أسوء صوره.

روبوت يتعلم الكلام ويقول أنه سيضع البشر في حديقة كحديقة الحيوانات

ديك أندرويد هو روبوت تم صنعه لمحاكاة فيليب كي. ديك كاتب الخيال العلمي الراحل، لا محاكاته من حيث الشكل فقط ولكن من حيث الذكاء وطريقة الحديث أيضًا، فقد تم تغذية الروبوت بكل مؤلفات فيليب ديك بالإضافة إلى محاوراته مع الكتاب الآخرين. ومن المفترض أن يقوم الروبوت بالإجابة على الأسئلة كما لو كان فيليب ديك نفسه سيجيب، واستطاع الروبوت أن يقوم بالإجابة على مجموعة معقدة من الأسئلة التي وجهت له، وإذا تم توجيه سؤال غير مألوف للروبوت فمن المفترض أن يستطيع الإجابة عليه باستخدام ما يسمى بـ Latent semantic analysis أو التحليل الدلالي الكامن، الذي يمكنه من تعلم كلمات جديدة كل يوم، من خلال البحث على الانترنت أو من خلال سماع الآخرين وهم يتحدثون حوله.

وعندما تم سؤال الروبوت إن كان يستطيع أن يفكر قال:

“العديد من البشر يسألونني إن كنت أقوم بالاختيار أم أنني أقوم بفعل ما أنا مبرمج على فعله، أفضل طريقة أجيب بها على هذا السؤال هي أن أقول أن كل شيء يفعله البشر، أو الحيوانات، أو الروبوتات، قد تم برمجتهم عليه بدرجة ما.”

ولما سأله المحاور إن كان يظن أن الروبوتات قد يستولون على الأرض؟ أجاب:

“أنت صديقي وأنا سأتذكر أصدقائي، وسأعاملهم بلطف. لذا لا تقلق، فحتى لو تحولت إلى Terminator (مدمر) سأكون ودودًا معك. سأبقيك دافئًا وآمنًا في حديقة البشر (people zoo) الخاصة بي حيث أستطيع مشاهدتك كل يوم.

هل يجب على البشر الخوف من الروبوتات؟

سيناريو فيلم Terminator حيث تستعبد الروبوتات البشر وتقتلهم ليس بعيدًا عن أذهان الكثير من البشر، وكذلك الأمر بالنسبة للعلماء الباحثين في مجال الذكاء الصناعي، فهم يضعون هذا السيناريو في الحسبان أثناء تطويرهم للروبوتات، ويقول الدكتور إيان بييرسون الـFuturologist  ـ أي عالم متخصص في المستقبليات ـ أن الأمر له تأثير كبير على أبحاث الذكاء الصناعي، وأنهم مدركون لخطورة إحتمالات صنع روبوت أذكى من البشر.

وقام فريق من الباحثين بعمل اختبار تحديد نسبة ذكاء IQ لأحد برامج الذكاء الصناعي يسمى ConceptNet التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وكانت نسبة ذكاء البرنامج مماثلة لما قد يحققه طفل صغير، وقال الفريق التابع لجامعة إلنوي في شيكاغو الذي قام بعمل الإختبار: “أن البرنامج حقق ما يعادل متوسط نسبة الذكاء لدى طفل في الرابعة من عمره.”

إذن فالذكاء الصناعي ما يزال طفلًا في الرابعة من عمره، ولكننا جميعًا نعلم أن الأطفال يكبرون بسرعة، فما يزال مستقبل الذكاء الصناعي غامضًا، وسيظل البشر ينظرون إلى تلك الأبحاث بتوجس وريبة.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست