الفانتازيا والرعب في الأدب المصري المعاصر

الفانتازيا باعتبارها فنًا قصصيًا هي أقدم أنواع الحكي الذي عرفه البشر منذ فجر التاريخ، فالفانتازيا هي الخيال، أو الحكايات الخيالية، قصص الآلهة والسحر والمخلوقات الأسطورية، فلا توجد حضارة بشرية قديمة تخلو من الميثولوجيا، وقصص الآلهة والخلق، والحكايات الشعبية عن الساحرات أو الغيلان أو الجنيات. ولعبت هذه الحكايات دورًا في تفسير الظواهر الغامضة التي وقف الإنسان البدائي حائرًا أمامها، مثل البرق الذي فسره الإسكندنافيون على أنه مطرقة ثور، وفسره الإغريقيون على أنه أسهم زيوس. وفي وقتنا المعاصر تعد الحكايات الشعبية جزءًا لا يتجزأ من الفن الشعبي لأي مجتمع بشري، فمن منا لم يستمع في صغره إلى حكايات الجدات عن الشاطر حسن وست الحسن والجمال، أو يتخيل نفسه جزءًا من مغامرة خيالية في عالم آخر سحري.

وقد حظيت الفانتازيا الحديثة بشعبية كبيرة في العصر الحديث، وتصدرت الفانتازيا المشهد السينمائي بأعمال ذات إنتاج ضخم مثل سيد الخواتم وهاري بوتر، ورغم اعتقاد البعض أن الفانتازيا قد تنزوي مع التقدم العلمي ونبذ الانسان للخرافات القديمة، إلا أن ما يحدث عكس ذلك، فيقول مارك تشادبورن المؤلف الفانتازي البريطاني: “كلما صار العالم أكثر عقلانية، جنحنا إلى اللا معقول في خيالنا.”

 

 

أما عن الرعب، فهو أيضًا جزء من اللاوعي البشري، يقول لافكرافت إن الخوف هو أقوى وأقدم المشاعر البشرية، وأقوى وأقدم نوع من الخوف هو الخوف من المجهول. فقد وجد البشر أنفسهم في بداية التاريخ في بيئة عدائية تمامًا لهم، فكان الخوف من الجوع، ومن المرض، ومن الحيوانات المفترسة المتربصة بالإنسان بين الظلال الداكنة، والخطر يحيط بالإنسان من كل حدبٍ وصوب، وقد انعكس هذا الخوف على ثقافة الإنسان في شتى الحضارات، ما بين المعتقدات والطقوس، وصولًا إلى الحكايات الشعبية عن المخلوقات المخيفة كالغيلان وغيرها.

وهكذا تتلاقى الفانتازيا والرعب عند هذا الخط الرفيع، فيمتزجان أو يفترقان، ولا يقتصر رعبنا على المخاوف القديمة، فحتى في العصور الحديثة وبعد التقدم البشري الكبير ما زلنا نعثر على أشياء جديدة تخيفنا، وخصوصًا بعدما أدركنا مدى اتساع الكون الشاسع ومدى ضآلة الجنس البشري على هذا الكوكب الصغير المسمى الأرض، وهل نحن وحدنا في هذا الكون الشاسع، أم أن هناك من يشاركنا إياه، وكلا الاحتمالين مخيف للغاية.

والسؤال هو، لماذا نستمتع بالرعب، ما سر حبنا في صغرنا لحكايات الجدات عن الجن والغيلان، أو حبنا في كبرنا للروايات والأفلام المرعبة، والإجابة هي أن الإنسان يحب أن يجرب المشاعر السلبية في بيئة آمنة، لعبة “الاستغماية” ونحن صغار وخوف أحدنا من أن ينكشف، ولكنه خوف بريء لا خطر منه، وكذلك استمتاعنا بلعبة قطار الرعب في الملاهي، هذا القطار المسرع المجنون الذي ينقلب بك رأسًا على عقب وتشعر أنك تكاد تهوي، ولكنك متيقن أن هذا لن يحدث، هذا هو مصدر الاستمتاع، تجريبنا للخوف والاحساس بالخطر، مع احساسنا الخفي بالأمان والطمأنينة. لهذا نحب أن نواجه المخلوقات المرعبة في الروايات والأفلام، لأننا نعرف أننا سننجو من هذه المواجهة، وهذا مصدر إحساسنا بالاستمتاع.

 

 

وهكذا نجد أن الفانتازيا والرعب يلعبان دورًا في حياة البشر وفكرهم ومعتقداتهم منذ القدم، ولهما دور لا يُستهان به في الأدب والوسائط الإعلامية الحديثة، فليس غريبًا أن يتجه العديد من الكُتّاب الشباب إلى هذا اللون من الأدب، فهم ذاتهم قد يكونون من عشاق الفانتازيا والرعب، فالكاتب غالبًا ما يكتب ما يحب أن يقرأه، فبعد موجة الفانتازيا الحديثة في الأدب والسينما، وجدنا الكثير من الكُتّاب الشباب يتجهون إلى ابتكار عوالمهم السحرية الخاصة، سواء مستوحاة من التراث العربي مثل “الغول الأحمر الأخير” للكاتب محمد الدواخلي، أو يغلب عليها التأثر بالطابع الغربي مثل “صانع الأحلام” للكاتب معتز حسانين. ولعل هذا يرجع أيضًا إلى أن شعبية هذه الأعمال الغربية قد فتحت الباب أمام نشر الأعمال العربية والمصرية، فقبل ذلك لم تكن الفانتازيا أو الرعب ضمن أنواع الأدب الحقيقية في أعين النقاد ودور النشر، ولا يعدوهما سوى قصص للأطفال على أقصى تقدير؛ ولكن بعد شعبية سيد الخواتم وهاري بوتر، وبعد أن ترجمتهما دار “نهضة مصر” إلى العربية، والتي اتجهت إلى ترجمة أعمال الفانتازيا الغربية الأخرى مثل “سيبتموس هيب” و”سبايدر ويك”، صار المجال متاحًا لنشر الروايات الفانتازيا العربية.

السبب الآخر والأهم، هو الكاتب الراحل “أحمد خالد توفيق” عليه رحمات الله، فهو لم يكن مجرد كاتب، بل كان ظاهرة أثرت في جيلٍ بأكمله، فقد كتب في أدب الرعب سلسلة “ما وراء الطبيعة”، وكتب سلسلة تحمل عنوان “فانتازيا”، ولكنه الكاتب الوحيد في مصر الذي كان يقرأ له الجميع من كل الأعمار بدءً من طلبة الابتدائية حتى طلبة الجامعة، كانت كلماته سلسة، وأفكاره بسيطة، ولكنها تحمل تيمات من الخيال والرعب، ورغم بساطتها وخيالها إلا أنها كانت تحمل بين طياتها أفكارًا عميقة، ودروسًا في الحياة، والعديد من الشباب تأثرت أفكارهم وشخصياتهم بكتابات هذا الرجل وحده، حتى أن بعضهم صار يحاكي شخصياته في التفكير أو حتى أسلوب الحديث، وبعضهم حاكى حتى أسلوب الكتابة، وبدأ يبني عالمه الخاص، ورأينا عددًا كبيرًا من كُتّاب الرعب في مصر، وصار بعضهم أسماءً لامعة مشهورة، ولكنهم يعترفون بأستاذية أحمد خالد توفيق حتى اليوم، وأهدوه في حياته لقب العرّاب، الأب الروحي لجيل من الشباب بأكمله.

 

 

كنت واحدًا ممن تأثروا بهذه المرحلة، فقد نشأت في صغري على حكايات جدتي الشعبية، وعندما كبرت قليلًا تأثرت بسيد الخواتم وهاري بوتر، ثم اتجهت لقراءة كتب الفانتازيا الغربية وفي الوقت ذاته تعرفت من خلال أحمد خالد توفيق إلى لافكرافت وبو، وقد كتبت بعض قصص الفانتازيا في المرحلة الإعدادية والثانوية ولكنها كانت محاولات غير ناضجة، حتى وصلت إلى روايتي المنشورة الأولى “ريـــم” وهي مزيج من الفانتازيا والرعب تأثرًا بتلك المرحلة، وقد بدأت الفكرة بقصة رعب قصيرة كتبتها بعنوان “القط الأسود” ثم توسعت في الفكرة والعالم ومرت القصة بالعديد من التعديلات والتغيرات، حتى وصلت إلى هيئتها الأخيرة المعروفة باسم “ريـــم”. القصة لا تمزج بين الرعب والفانتازيا فقط، بل تمزج ملامح الحكايات الشعبية المصرية، بعناصر من الحكايات الشعبية الأوروبية، التي فُتِنْتُ بها كثيرًا وقرأت لأغلب جامعيها من الأخوين جريم وهانز كريستيان أندرسن وغيرهم.

ورغم أن الروايتين المنشورتين بعد “ريـــم” وهما “ملاذ: مدينة البعث” والشتاء الأسود ينتميان إلى أدب الخيال العلمي، أو أدب ما بعد الكارثة على وجه التحديد، إلا أنه ما يزال في جعبتي العديد من الحكايات الفانتازية التي لم أروِها بعد، وروايتي القادمة ستكون من أدب الفانتازيا بإذن الله.

 

نشر المقال لأول مرة على موقع لأبعد مدى

هكذا تسللت ميثولوجيا لافكرافت إلى اللاوعي الجمعي

يعد هوارد فيليبس لافكرافت من الكُتّاب القلائل الذين يتركون ورائهم تأثيرًا كبيرًا لا على الأدب وحده، ولكن على الثقافة البشرية بشكلٍ عام، فيمكن أن ترى إشارات وتلميحات واقتباسات إلى عناصر عدة من أعمال لافكرافت في العديد من أشكال الفن كالروايات والمسرحيات والأغاني والسينما وألعاب الكومبيوتر، وأصبحت كلمات من كثولو وآرخام ونيكرونوميكون معروفة لدى العديد من الناس حتى هؤلاء الذين لم يقرؤوا أعمال لافكرافت.

ما يجعل الأمر أكثير إثارة للحيرة هو أن لافكرافت عاش حياته بلا أي شهرة، ولم تتعدى قراءة أعماله دائرة أصدقائه ومعارفه وعدد قليل من متابعي المجلات التي كان ينشر بها، بل أنه نفسه كان يتنبأ باندثار أعماله بعد موته، فما سر تلك الشعبية الطاغية لأعمال لافكرافت؟

العديد من الكتاب وخصوصا في الفانتازيا يسعون إلى خلق العوالم والميثولوجيا الخاصة بهم، وكثيرًا ما يتم الإشارة إلى أعمال بعض الكُتاب الفانتازية بأنها ميثولوجيا، مثل ميثولوجيا تولكين في السيلماريليون، أو ميثولوجيا سي. اس. لويس في نارنيا، ولكن هذه الأعمال لا تصنف كميثولوجيا حقيقية، بل يظل تصنيفها رواية، عمل إبداعي لكاتب استطاع أن يخلق عالم بكل تفاصيله، ولكنهم لم يصلوا حقًا إلى مرحلة الميثولوجيا، وذلك لأنهم يفقدون عنصر هام موجود في ميثولوجيا الشعوب المنتشرة على نطاق واسع، وهي دورة المحاكاة.

المقصود بدورة المحاكات هي بداية القصة بفكرة صغيرة، يتم تداولها وتحريفها وتضخميها مرارًا وتكرارًا، لتعكس شيئًا جديدًا في كل مرة متعلق براوي تلك القصة، فكل الحكايات والأساطير القديمة عن الآلهة والوحوش الأسطورية والأبطال هي مجرد انعكاس لأفكار البشر ومشاعرهم وطموحاتهم ومخاوفهم.

بشكلٍ ما استطاع لافكرافت أن يحقق ذلك لسبب بسيطة وهو أنه لم يكن يكترث ببناء عالم، بل جاء بسبب عادة لديه أثناء الكتابة وهي أن يشير إلى نفس العناصر مرارًا في أعمال مختلفة، وقد يكون لإحداها دورًا صغيرًا في إحدى القصص، ثم يصبح لها دورًا أكبر في أعمال أخرى. فمدينة آرخام على سبيل المثال ظهرت للمرة الأولى في قصة “هربرت ويست المعيد إلى الحياة” ثم ظهرت بعدها بسنوات في قصة “الاحتفال” ثم أصبحت نقطة مركزية للأحداث الخارقة للمألوف في كل أعماله. وفي قصته الشهيرة “الظل فوق إنزماوث” يكون لداجون أحد الكيانات القديمة دورًا كبيرًا، ولكن العديد من القراء لا يعرفون أنه قد ظهر قبلها بأربعة عشر عامًا في قصة قصيرة للغاية بعنوان “داجون”.

 

شخصية غريبة الأطوار

 

 

النقطة المهمة الأخرى هي شخصية لافكرافت غريبة الأطوار، فبسبب المعاناة التي مر بها في طفولته أصبح لافكرافت شخصًا منطويًا وأغلب تواصله مع المحيطين فيه كان عبر الخطابات، التي ترك وراءه عشرات الآلاف منها، في تلك الخطابات كان يشجع أصدقائه والكتاب المبتدئين على مشاركته عالمه، والبناء على أساس أساطيره، وأحد هؤلاء المشاركين هو كلارك أشتون الذي قدم مخلوقًا يدعى “تساثوجوا” تم التلميح له لاحقًا في بعض أعمال لافكرافت، مثل “الهامس في الظلام” و”الرعب في المتحف” و”على جبل الجنون”.

كتب فرانك لونج في المقدمة التي لم تنشر لقصته “آكلو الفضاء” اقتباسًا غير موثوق المصدر لكتاب لافكرافت المسمى “النيكرونوميكون” من المفترض أن من ترجمه هو جون دي العالم الحقيقي الشهير الذي لعب دورًا كمستشارٍ للملكة إليزابيث، لاحقًا ضم لافكرافت هذه الترجمة إلى عالمه مشيرًا إلى اسم جون دي كمترجم للعمل في بعض خطاباته عن تاريخ النيكرونوميكون.

بتلك الطريقة صنع لافكرافت قاعدة عريضة يدعم بها عالمه، ترك لافكرافت العديد من التفاصيل الغامضة، والقطع الناقصة في أعماله، والتي ملأها بعده الروائيين والموسيقيين وصانعي الألعاب لتتفرع الحكايات أكثر وأكثر وتكتسب المزيد من التفاصيل ويظهر منها العديد من الأطوار والنسخ، تمامًا كما حدث من الخرافات والأساطير قديمًا.

وكما تعكس الأساطير الشعبية مخاوف ومشاعر تلك الشعوب، فقد عكست أساطير لافكرافت أفكاره ومشاعره ومخاوفه الخاصة؛ فلسفة لافكرافت حول العالم والحياة البشرية هي فلسفية عدمية، يرى عبثية الحياة أمام هذا الكون العشوائي الأعمى، ونرى ذلك متجسدًا في الدور الضئيل الذي يلعبه البشر في أعماله أمام الكيانات الهائلة المخيفة التي لا تكترث بالبشر، مثل أزاثوث الإله الأعمى الذي لا يفصله عن الكون المألوف سوى غشاء رقيق، إنه قوة فوضوية مخيفة قادرة على تدمير الكون كله، ولا يستطيع أحد من الكيانات القديمة الوقوف أمام وجهه. كما أن العديد من أشكال الحياة قد انبثقت بالصدفة من الإلهة العمياء شَب ـ نيجوراث التي أنجبت العديد من الكيانات القديمة مثل كثولو وتساثوجوا ونج ويب. في الميثولوجيا يكون لإلهة الخصوبة دور كبير ويتم الإشارة للإنجاب باعتباره طقس مقدس، أما لافكرافت فكان يعبر عن سخطه على الحياة وربما احتقاره لها. حتى كثولو نفسه يمثل تلك العدمية والسخط، فصحوته الأخيرة ستؤدي إلى فناء البشر ودمار كل ما بنوه على تلك الأرض، لا شيء سيبقى، الكل سيفنى. وقد صنفه الناقد الإنجليزي كولن ولسن بأنه من الكتٌاب الرافضين للواقع المعاش، وقال في كتابه المعقول واللامعقول في الأدب الحديث أن لافكرافت يهرب من الواقع بطريقة هستيرية ساخطة، تبتعد كثيرًا عن الايجابية والمعقول.

 

خطورة المعرفة

 

 

نرى أيضًا فلسفته حول خطورة المعرفة وعدم قدرة البشر على تحمل الحقيقة في الكثير من أعماله التي يصاب أبطالها بالجنون لأنهم عرفوا أكثر من اللازم، ويتجسد ذلك في يوج ـ سوثوث الذي يعرف الماضي والحاضر والمستقبل، ويهب المعرفة لمن يسعى ورائها ويطلبها، ودومًا ما تؤدي تلك المعرفة إلى الجنون، ولعل ذلك يعكس شغف لافكرافت دومًا بالعلم وما تبع ذلك من فشل أكاديمي.

أشرنا أيضًا إلى شخصية لافكرافت المنطوية غريبة الأطوار، ولكنها لا تقف عند هذا الحد، فلافكرافت كان عنصريًا ولديه خوف من الغرباء، وأي شيء خارج نطاق عالمه المألوف في نيو إنجلاند، وأعماله الأولى خصيصا مليئة بالإشارات العنصرية حيث يضع الرجل الأبيض في مكانة أعلى من البشر الآخرين، ونرى اسقاط ذلك في بعض الكيانات القديمة في أعماله مثل “نيرلاثوتب” المخادع المتحول، الوحيد الذي يستطيع التحرك بحرية عبر الغشاء الذي يفصل بين العالم المألوف وعالم الآلهة الخارجية، إنه يرمز لتسلل الغرباء إلى عالمنا المألوف، ونرى أيضًا جنس قاطني الأعماق الذين يتجانسون مع البشر في “الظل فوق إيزنماوث” الذين يحملون العديد من الإشارات والدلائل على خوف لافكرافت من الآخر، والجدير بالذكر أن حدة تلك العنصرية قد خفت كثيرًا في أعماله اللاحقة، ويصفه بعض النقاد بأنه ضحية فترة عنصرية في بلدة عنصرية، وبالتأكيد فإن طبيعته المنطوية قد ساهمت في تعزيز ذلك الخوف والعنصرية.

يمكن رؤية تلك الاسقاطات في كل أعماله، فهو لم يستخدم تلك العناصر مرارًا وتكرارًا لأنه كان يرغب في بناء عالم، بل لأن تلك العناصر هي إسقاطات لمشاعره ومخاوفه، وهذا هو سر شعبية تلك الأعمال، فكما استخدم القدماء الأساطير والآلهة مثل زيوس أو ثور أو إيزيس أو عشتار كتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم ومخاوفهم، كذلك نستخدم نحن أساطير لافكرافت للتعبير على سخطنا على الحياة أو خوفنا من الآخر أو احساسنا بضآلة الجنس البشري أمام قوى أخرى مخيفة مجهولة تقبع لنا في الظلام.

 

نشر المقال للمرة الأولى على موقع الميادين

الوينديجو

يعد الكاتب الإنجليزي ألجرنون هنري بلاكوود (14 مارس 1869 – 10 ديسمبر 1951) الذي عاش في أواخر العصر الفيكتوري، واحد من آباء أدب الرعب أو الخيال الغريب أو الماورائيات بأعماله التي كتبها على مدار مسيرته الأدبية التي استمرت لأكثر من أربعة عقود نشر خلالها مئات القصص القصيرة وعشرات الروايات التي ملهمًا العديد من كتاب أدب الرعب المعاصرين مثل لافكرافت، وآرثر ماكين، وتولكين، وقد عده لافكرافت في كتابه “الرعب الماورائي في الأدب” أفضل كاتب في هذا النوع وقال إن كتاباته تقع في أعمق نقطة في اللاوعي وتتجاوز الحاجز بين الواقع والخيال.

ولد بلاكوود سنة 1869 في ريف لندن لأبوين ثريين وفرا له حياة رغدة وتعليم خاص، وفرضا عليه بعض التعاليم الدينية الصارمة، إلا أن ألجرنون الصغير تمرد على ذلك، وقام بالترحال، مستكشفا الفلسفة الشرقية، باحثًا عن طريقه الخاص في الحياة بدون وصاية أو توجيه من أحد. ترك جامعة إدنبرة في اسكتلندا وهي واحدة من أعرق الجامعات في العالم بعد عام واحد من الدراسة فيها وقام بالسفر إلى عدة بلدان مستكشفا أفكار وثقافات مختلفة قبل أن ينتقل إلى كندا ليؤسس مزرعة للأبقار وهناك أيضًا قام بإدارة فندق لمدة ستة أشهر، ثم انتقل للعمل في مناجم الذهب في ألاسكا قبل أن ينتقل إلى نيويورك وعمل كمراسل صحفي لجريدة نيويورك تايمز، كما عمل كسكرتير خاص ورجل أعمال وعامل في البار ومعلم لعزف آلة الكمان.

في أواخر الثلاثينات من عمره عاد بلاكوود إلى إنجلترا وبدأ في كتابة قصص الرعب القصيرة للجرائد، ونجحت أعماله للغاية واكتسبت شعبية كبيرة، وكان بلاكوود يقوم برواية أعماله بنفسه في الراديو أو التلفزيون، ونشر عشرة مجموعات قصص قصيرة على الأقل، وأربعة عشر رواية، والعديد من قصص الأطفال والمسرحيات، ومنها العديد من القصص التي لم تنشر أو لم يسع هو لنشرها.

كان بلاكوود محبًا للطبيعة، وعاش حياة مستقلة بدون أن يتزوج أبدًا، وكان يفضل البقاء وحيدًا، كما أنه لم يدرس الفلسفة الشرقية على سبيل الفضول بل كان مؤمنا بها أشد الإيمان، وكان يعتقد بوجود قوى الطبيعة الخارقة والعوالم الماورائية والكيانات القديمة، فنشأ لديه ولع بالطب وعلم النفس والفلسفة الهندوسية وتعمق في دراسة الأمور الروحانية والسحر والتنجيم وعلوم ما وراء الطبيعة والقدرات الروحية الخارقة الكامنة لدى البشر. ثم اشترك في جمعية سرية تدعى الفجر الذهبي تخصصت في الروحانيات وألهمه اشتراكه فيها روايته “الوتر”، فقد كان يستمد إلهامه من خبراته الشخصية ورحلاته وحياته في عدد من الدول المختلفة فاستوحى روايته “الصفصاف” من إحدى رحلاته في نهر الدانوب، أما رحلته لمصر فقد ألهمته رواية الرمال وغيرها، واختفاؤه عن الأنظار لصيف كامل في إحدى غابات كندا ألهمه كتابة روايته التي بين يدينا اليوم “الوينديجو”.

تتميز أعمال بلاكوود بأنها تلعب على الوتر الحساس لدى الانسان وهو الخوف من المجهول، فترتع القوى الغامضة، والعوالم الغريبة، والخوارق الطبيعية، بعيدًا عن الغيلان والوحوش التي كانت تتميز بها قصص الرعب عند معاصريه، ففي رواياته لا يوجد وحوش او غيلان او رعب مباشر، بل لمحات مخيفة من عالم غامض يقع وراء الحقول التي نعرفها، حيث يتماس عالمنا مع عالم آخر مخيف، ويتجنب بلاكوود الشرح والتفسير، بل يترك مخاوفنا الكامنة في أنفسنا بتكملة الأجزاء الناقصة من اللوحة، فتشعر بالرعب والفزع يزحف على عمودك الفقري، وبعد أن تترك أي رواية له ستظل الصورة مرتسمة في ذهنك مثيرة أفكارك وخيالاتك متسائلًا إن كان هناك شيء في هذا العالم كهذا حقًا.

ساعة الذئب

إنها الساعة التي تفصل الليل عن الفجر، يُقال إنها الساعة التي يموت فيها أغلب البشر، والتي يولد فيها أغلب الأطفال، الساعة التي يهاجم فيها النائمين أسوء كوابيسهم، ويطارد المستيقظين أسوء مخاوفهم، الساعة التي تستيقظ فيها أحيانا فجأة من النوم وحلقك جاف وتشعر أنك لست وحدك، تلك هي ساعة الذئب.

مهلا لم أعرفك بعد بنفسي، اسمي محمد، أعمل مهندس بإحدى المشاريع المعمارية بمحافظة بعيدة، عملي هو الإشراف على مجموعة كبيرة من العمال، وهو عمل مرهق يلتهم ساعات طويلة من يومي، مما يجعلني أعود إلى شقتي منهكًا فآخذ حمامًا دافئًا وأتناول العشاء البسيط الذي أعده سريعًا كيفما اتفق، وربما أتصفح الانترنت قليلًا، قبل أن أترك الكومبيوتر وأستلقي على السرير مستغرقًا في نومٍ عميق.

يشاركني السكن مهندس زميل اسمه عمر، يشرف كلانا على هذا العمل، إلا أننا لا نتواجد سويًا كثيرًا، ففي الغالب يكون أحدنا في عطلة بينما يبقى الآخر وحده لمباشرة العمل، ثم نتبادل الأدوار. في هذه الأيام كان عمر في عطلته، بينما بقيت وحدي للإشراف على العمال، وبعد يوم عمل طويل مرهق عدت إلى سكني وقمت بروتيني اليومي المعتاد، ثم جلست قليلا على الكومبيوتر اتصفح بعض الرسائل وأرى إن كان هناك أخبار جديدة، تركت الكومبيوتر دون أن أغلقه كعادتي، فهو يدخل في حالة من السبات بعد ثلاثة دقائق من عدم الاستخدام، وتوجهت ناحية السرير باحثًا عن السبات بدوري.

زحف النوم على جفنيّ مسدلًا غلالته الشفافة الرحيمة على جسدي المنهك، وسرعان ما غرقت في النوم، لم أعرف كم من وقت مضى قبل أن أستيقظ من نومي فزعًا، اعتدلت في جلستي وأنا أكافح ألهث بشدة كأنني كنت أركض، وألم شديد يجتاح جسدي كله.

ظللت مستلقيًا في سريري لبضعة دقائق ألتقط أنفاسي وأستجمع أفكاري، ثم تحاملت على نفسي واعتدلت جالسًا ونظرت إلى الساعة الموضوعة على منضدة صغيرة بجوار السرير فوجدت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، أحسست بعطشٍ شديد فتوجهت ناحية الثلاجة لتناول بعض الماء البارد، ثم ذهبت للحمام، قبل أن أتوجه ناحية السرير لأغرق في النوم مرة أخرى، ولم يوقظني أو يزعجني شيء حتى استيقظت وحدي في الصباح. توجه ناحية الصالة في طريقي إلى الحمام ولكن استوقفني شيء غريب، كانت شاشة الكومبيوتر مضاءة. أعرف أنها لا تضيء إلا إذا قمت بالضغط على مفتاح من لوحة المفاتيح أو قمت بتحريك الفأرة فكيف أضاءت من نفسها؟ أنا متأكد أنها لم تكن مضاءة عندما استيقظت في الثالثة، ثم قلت لنفسي لا شك أن الهواء حرك الفأرة أو شيء ما.

توجهت للحمام وغسلت وجهي وأنا أتأمل ملامحي المرهقة في المرآة، ثم توجهت للمطبخ وأعددت فطورًا بسيطًا تناولته بلا شهية حقيقية، بعدها غيرت ملابسي وتوجهت للعمل لأقضي يومًا طويلًا مرهقًا كالعادة. بنهاية اليوم عدت إلى سكني، أنتم تعرفون الآن ما أفعله لذا لن أرهقكم بتكراره، ولكن في النهاية توجهت إلى سريري لأغط في نومٍ عميق.

في الساعة الثالثة بالضبط استيقظت فزعا، شيء ما أيقظني لا أعرف ما هو! تكرار الأمر للمرة الثانية أزعجني، فالنوم بالنسبة لشخص مثلي يرهق نفسه بالعمل طوال اليوم، تحول بمرور الوقت لطقس مقدس لا يجب مقاطعته، الذي يزعجني أكثر أنني لا أعرف ما الذي يوقظني كل مرة، ولماذا أشعر بالفزع؟ استعذت بالله من الشيطان، ثم مررت بالصالة ونظرت طويلا ناحية الكومبيوتر، الشاشة سوداء، لا شيء، تناولت بعض الماء من زجاجة في الثلاجة، ثم ذهبت للحمام، قبل أن أعود وأكمل نومي.

في الصباح عندما استيقظت كان في انتظاري شيء غريب أخر، وجدت باب الثلاجة مفتوح على آخره، مددت يدي ومسست الطعام كان دافئا، هذه الثلاجة ظلت مفتوحة طوال الليل، حاولت التذكر إن كنت نسيتها بعد أن شربت؛ ولكن لا، أنا أذكر جيدا أني أغلقتها، ربما لم أحكم اغلاقها وتسبب تيار هواء في فتح الباب! كنت مستعد دوما لإلقاء اللوم على الهواء.

مر يومي على خير، ولكن في المساء استيقظت فزعا للمرة الثالثة، الامر تحول من مزعج لمخيف، شربت بعض الماء، ذهبت للحمام، تأكدت من غلق الثلاجة بإحكام شديد، تأكدت من أن شاشة الكومبيوتر مطفأة، قمت بتشغيل قرآن على هاتفي ووضعته بجواري، واستسلمت للنوم وانا استعيذ بالله من الشيطان.

استيقظت صباحا، كان أول ما خطر على بالي أن أبحث عن شيء غريب حدث وانا نائم، الكومبيوتر كما هو، الثلاجة كما هي، كل شيء في موضعه. حمدت الله وأحسست بارتياح غريب.

بعد أن تناولت فطوري توجهت لغرفة نومي لتغيير ملابسي، وبمجرد أن فتحت الدولاب تراجعت فزعا. كان هناك دماء على هيئة كف مرتسمة على ظهر الدولاب الخشبي، لم تكن هناك من قبل أنا متأكد، هذه الدماء ظهرت اليوم فقط.

لو كان الامر مزاحًا فقط تخطى حدوده، فهذا المزاح من النوع الثقيل المزعج، ولكن شيء آخر بداخلي أخبرني أن هذا ليس مزاحا. في العمل لاحظ عدة أشخاص أنني لست على طبيعتي ولكنني عزوت ذلك إلى الإرهاق من العمل. لحسن الحظ عاد زميلي عمر من عطلته في هذا اليوم، أحسست بداخلي براحة كبيرة أنني لن أقضي الليل وحدي في هذا اليوم، أحس هو أيضا أن هناك شيئا ما يقلقني ولكنني لم أخبره بما حدث كي لا أثير خوفه.

استيقظت في هذه الليلة وإحساس غريب ينتابني، جسدي كله مشلول لا أستطيع تحريك إصبع واحد حتى، ولا أستطيع حتى أن أتكلم أو أهتف أو أستنجد. أعرف هذه الظاهرة قرأت عنها من قبل، فهي عندما يستيقظ عقلك قبل جسدك فلا تستطيع الحركة. كما أنني مررت بها عدة مرات قبل ذلك، فهدأت قليلا وحاولت أن أسترخي، أحيانا أستطيع العودة للنوم مرة أخرى. سمعت صوتا بالخارج، هناك أحد بالصالة، كانت الخطوات تقترب ناحيتي، نظرت من طرف عيني فرأيت عمر ينظر ناحيتي صامتا عدة لحظات ثم قال:

– لا تتحرك!

أردت أن أقول له ساخرا أنني لا أستطيع الحركة بالفعل، ولكنني لاحظت أنه لا ينظر إليّ، بل إلى شيء أمامي، نظرت فلم أر شيئا، ثم رأيت ظلي على الحائط، نائم على السرير، ولكن هناك ظل شيء جاثم فوق صدري، وفجأة تكون الشكل أمام عيني عبارة عن شكل هلامي شبه شفاف، وفجأة قفز من فوق صدري مبتعدا، فصاح عمر:

– فلتمسك به معي!

أحسست أنني تحررت وأن اطرافي استعادت حيويتها، انطلقت وراءه راكضا ولكنني لاحظت شيئًا غريبًا وأنا أركض، رأيتني نائما على السرير مغمضاً عيني. لا أعرف كيف أرى نفسي، ولكنني استمريت في الركض لاحقا بعمر، كان باب غرفته مفتوحا بالداخل لمحت عمر ينام فوق سريره، ويبدو عليه غارقا في النوم. لا أعرف ما الذي يحدث، ولكنني صممت على الإمساك بهذا الكائن قمنا بحصاره سويا أنا وعمر، وبالنهاية أمسكنا به، كان رخوا هشا، أتعجب كيف كان جاثما على صدري، بقوة، كان مكونا من مادة هلامية بنية وبداخلها لمحت عظاما بيضاء. أخذت أقرأ ما أحفظ من القرآن فوجدت العظام تتحول إلى اللون الأحمر وهذا الكائن يصرخ صرخات حادة تخترق أذني، بل أشعر أنها تخترق مخي ذاته، حتى احترق تماما.

استيقظت في هذه اللحظة من النوم فوجدت نفسي نائما في سريري، اعتدلت جالسا بضعة دقائق، ثم توجهت ناحية غرفة عمر فوجدته نائما بدوره، عدت إلى غرفتي وجلست على سريري أفكر حتى غرقت في النوم مرة أخرى.

استيقظت في الصباح فوجدت عمر مستيقظا ويقوم بإعداد كوب شاي في المطبخ فقلت له:

– ألم يحدث شيء غريب بالأمس؟

فقال:

– لا لم يحدث شيء.

ثم فكر قليلا قبل أن يقول:

– في الواقع حدث شيء غريب، لقد استيقظت في الساعة الثالثة فزعا بدون سبب محدد، فقمت بتشغيل قرآن وعدت إلى النوم.

ثم التفت إليّ وقال:

– لم تسأل؟

فقلت له:

– لا شيء، مجرد حلم.

ولكني أحسست أنه لم يكن حلمًا، ولكن من يدري حقًا ماذا كان؟ من يدري؟

ـ تمت ـ

ألجرنون بلاكوود سيد الأدب الماورائي

لا يمكن الحديث عن أدب الرعب أو الخيال الغريب أو الماورائيات بدون الحديث عن الرجل الذي ألهم العديدين بأعماله الكاتب الإنجليزي ألجرنون هنري بلاكوود  (14 مارس 1869 – 10 ديسمبر 1951) والذي عاش في أواخر العصر الفيكتوري، وعلى مدار مسيرته الأدبية التي استمرت لأكثر من أربعة عقود قام بلاكوود بنشر مئات القصص القصيرة وعشرات الروايات التي أثرت في العديد من كتاب أدب الرعب المعاصرين مثل لافكرافت، وآرثر ماكين مؤلف رواية الإله العظيم بان، وقد عده لافكرافت في كتابه “الرعب الماورائي في الأدب” أفضل كاتب في هذا النوع وقال إن كتاباته في أعمق نقطة في اللاوعي وتتجاوز الحاجز بين الواقع والخيال.

ولد بلاكوود سنة 1869 في ريف لندن لأبوين ثريين وفرا له حياة رغدة وتعليم خاص، وفرضا عليه بعض التعاليم الدينية الصارمة، إلا أن ألجرنون الصغير تمرد على ذلك، وقام بالترحال، مستكشفا الفلسفة الشرقية، باحثًا عن طريقه الخاص في الحياة بدون وصاية أو توجيه من أحد. ترك جامعة إدنبرة في اسكتلندا وهي واحدة من أعرق الجامعات في العالم بعد عام واحد من الدراسة فيها وقام بالسفر إلى عدة بلدان مستكشفا أفكار وثقافات مختلفة قبل أن ينتقل إلى كندا وقام بتأسيس مزرعة للأبقار وهناك أيضًا قام بإدارة فندق لمدة ستة أشهر، ثم انتقل للعمل في مناجم الذهب في ألاسكا قبل أن ينتقل إلى نيويورك وعمل كمراسل صحفي لجريدة نيويورك تايمز، كما عمل كسكرتير خاص ورجل أعمال وعامل في البار ومعلم لعزف آلة الكمان.

بلاكوود في شبابه

في أواخر الثلاثينات من عمره عاد بلاكوود إلى إنجلترا وبدأ في كتابة قصص الرعب القصيرة للجرائد، ونجحت أعماله للغاية واكتسبت شعبية كبيرة، وكان بلاكوود يقوم برواية أعماله بنفسه في الراديو أو التلفزيون، ونشر عشرة مجموعات قصص قصيرة على الأقل، وأربعة عشر رواية، والعديد من قصص الأطفال والمسرحيات، ومنها العديد من القصص التي لم تنشر أو لم يسع هو لنشرها.

كان بلاكوود محبًا للطبيعة، وعاش حياة مستقلة بدون أن يتزوج أبدًا، وكان يفضل البقاء وحيدًا، كما أنه لم يدرس الفلسفة الشرقية على سبيل الفضول بل كان مؤمنا بها أشد الإيمان، وكان يعتقد بوجود قوى الطبيعة الخارقة والعوالم الماورائية والكيانات القديمة، فنشأ لديه ولع بالطب وعلم النفس والفلسفة الهندوسية وتعمق في دراسة الأمور الروحانية والسحر والتنجيم وعلوم ما وراء الطبيعة والقدرات الروحية الخارقة الكامنة لدى البشر. ثم اشترك في جمعية سرية تدعى الفجر الذهبي تخصصت في الروحانيات وألهمه اشتراكه فيها روايته الوتر فقد كان يستمد إلهامه من خبراته الشخصية ورحلاته وحياته في عدد من الدول المختلفة فاستوحى أشهر أعماله “رواية الصفصاف” من إحدى رحلاته في نهر الدانوب، أما رحلته لمصر فقد ألهمته رواية الرمال وغيرها، واختفاؤه عن الأنظار لصيف كامل في إحدى غابات كندا ألهمه كتابة روايته الأقل شهرة وينديجو.

تتميز أعمال بلاكوود بأنها تلعب على الوتر الحساس لدى الانسان وهو الخوف من المجهول، فترتع القوى الغامضة، والعوالم الغريبة، والخوارق الطبيعية، بعيدًا عن الغيلان والوحوش التي كانت تتميز بها قصص الرعب عند معاصريه، ففي روايته “الصفصاف” التي عدها لافكرافت أفضل رواية كتبت في الأدب الماورائي لا يوجد وحوش او غيلان او رعب مباشر، بل لمحات مخيفة من عالم غامض يقع وراء الحقول التي نعرفها، حيث يتماس عالمنا مع عالم آخر تقطنه مخلوقات فتبدأ القصة ببطل القصة ورفيقه السويدي يقطعان رحلة في نهر الدانوب بزورق بسيط، ويبدأ بلاكوود في استغلال عناصر الطبيعة من رياح وفيضان وصوت الصفصاف ورنين الاجراس لرسم لوحة مخيفة من خارج هذا العالم، ويتجنب بلاكوود الشرح والتفسير، بل يترك مخاوفنا الكامنة في أنفسنا بتكملة الأجزاء الناقصة من اللوحة، فتشعر بالرعب والفزع يزحف على عمودك الفقري، وبعد أن تترك الرواية ستظل الصورة مرتسمة في ذهنك مثيرة أفكارك وخيالاتك متسائلًا إن كان هناك شيء في هذا العالم كهذا حقًا.

كتبت العديد من المراجع والدراسات خصيصًا من أجل دراسة أدب ألجرنون بلاكوود، وترجمت أعماله إلى العديد من اللغات ومنها اللغة العربية فقد قام المترجمان محمد الدواخلي ومنى الدواخلي بترجمة ثلاثة من أهم القصص التي كتبها بلاكوود وهم الصفصاف والبيت الخاوي والدبور المصري، وقاموا بنشرهم في كتاب واحد يحمل عنوان “الدبور المصري وقصص أخرى” عن دار أكتب للنشر والتوزيع بمصر سنة 2013.

ويقول المترجمان إننا إذا تحدثنا عن أدب الرعب فعادة ما نتكلم عن الأشياء المخيفة، عن الإبداعات المرعبة والكوابيس التي أخرجتها مئات الكتاب، لكن الخوف ذاته، الخوف كغريزة وجزء من تكوين البشر، كشيء مؤثر في أرواحنا وأنفسنا جميعا يستحق أن نفرد له أدبا ونقدا. في النهاية وبعد أن نتعرف على أعمال هذا الكاتب ربما نخرج بانطباع أن البطل عنده ليس من شخصياته، وإنما هو الخوف الذي يؤثر على حياتهم وأفعالهم كغريزة من أقوى الغرائز التي شكلت حياة البشر.

الخيال الغريب بين آرثر ماكين ولافكرافت

الخيال الغريب أو ما يطلق عليه اسم Weird Fiction وهو نوع فرعي من الأدب المعني بالخيال والذي ينقسم إلى فروع مثل الفانتازيا والخيال العلمي والرعب وغيرها، إلا أن الخيال الغريب يميز نفسه عن كل تلك الأنواع، بأنه يدمج بين الأسطورة والخرافة بل وحتى الحقائق العلمية، ولعل أشهر رموز هذا النوع من الأدب هو لافكرافت وخاصةً في حكايات كثولو والكيانات القديمة، فالقارئ لا يرى ما يجب أن يرعبه بشكل مباشر، ففي أغلب حكاياته يكون مصدر الرعب هو الغريب وغير المألوف، ويقول لافكرافت معرفًا هذا النوع من الأدب:

“الحكاية الغريبة الحقيقية هي التي تحتوي على أكثر من جريمة قتل سرية، يجب أن يوجد جو حابس للأنفاس من الرهبة، والخوف من قوى غريبة غير مألوفة يجب أن يكون حاضرً”، وهذا ما نجده بقوة في حكايات كثولو وغيرها لدى لافكرافت.

لافكرافت

ولكن الحقيقة أن لافكرافت ليس مؤسس هذا النوع من الأدب، بل تأثر بالعديد ممن سبقوه، فنجده متأثرًا مثلا بقصص اللورد دونساني الذي يعد أول من قام بابتكار آلهة خاصة به ليحكي عنها حكاياته في الأدب الحديث، وهنا تشابهات بين آلهة دونساني والكيانات القديمة لدى لافكرافت، ولكن أكثر من تأثر به لافكرافت هو آرثر ماكين، وبالتحديد حكاية الإله العظيم بان.

آرثر ماكين

ولد آرثر ماكين (1863 ــ 1947) في ويلز في منطقة يشار إليها باسمها الويلزي القديم “جوينت” وينحدر ماكين من سلالة طويلة من رجال الدين، وفي عمر الحادية عشر تخرج من مدرسة هيريفود الكاتدرائية بتقدير ممتاز، إلا أن فقر عائلته منعه من الالتحاق بالجامعة، فتم إرساله إلى لندن لعمل اختبارات الالتحاق بمدرسة الطب، إلا أنه فشل في ذلك.

ومع ذلك فقد أبدى ماكين تألقًا في مجال الأدب، وفي 1881 قام بنشر أولى قصائده الطويلة والتي تحمل اسم “إلوسينيا” وكان موضوعها أسرار اليوسيس (هي عبارة عن مراسم للبدء تقام كل عام لعبادة ديميتر وبرسفون في مدينة إلفسينا في اليونان القديمة)، وقد عاش ماكين في لندن حياة فقيرة ما بين عمله كصحفي ومحرر للناشرين، ومعلم خصوصي للأطفال، بينما يقضي مساءه في الكتابة أو التجول على غير هدى في شوارع لندن.

في عام 1884 قام بنشر عمله الثاني “تشريح التبغ” والذي أمن له عمل مع الناشر والموزع جورج رادواي، كمفهرس ومحرر في مجلته، وهذا فتح له أبواب عمل أخرى، كمترجم من اللغة الفرنسية، مثل الحكايات الفانتازية الفرنسية ومذكرات كازانوفا وغيرها، واستخدم ماكين في ترجمته لغة إنجليزية مفعمة بالحيوية والحماس أصبحت مقياسًا للمترجمين إلى الإنجليزية لسنوات عديدة.

غلاف كتاب الإله العظيم بان

استمر ماكين في نشر القصص القصيرة بالمجلات الأدبية، والتي اتخذ بعضها الطابع الخيالي أو القوطي، قبل أن يقوم بكتابة أول نجاح كبير له، رواية “الإله العظيم بان”، وقد نشرت لأول مرة عام 1890 بمجلة The Whirlwind ونقحها آرثر ماكين وأضاف الكثير من التفاصيل لها لتنشر في شكل كتاب مستقل سنة 1894، وأثارت الرواية عند نشرها ضجة كبيرة، واتخذ فيها ماكين تيمة الإله بان المرتبط بالخوف والرعب عند القدماء ومن اسمه تشم اشتقاق كلمة Panic والتي تعني في الإنجليزية الخوف الشديد، ومثل الكيانات القديمة عند لافكرافت، فإن حضور بان طاغي في القصة كلها بالرغم من عدم ظهوره بشكل مباشر.

فالقارئ لا يستطيع أن يعرف ما هو بان بالضبط، ولكنه يرى أثره في الرعب الذي يسببه في كل مكان، وفي هذه القصة مزج ماكين بين الأساطير والخرافات والعلم في مزيج رائع جعل القصة واحدة من كلاسيكيات أدب الرعب، وقد سار لافكرافت على درب ماكين في كتاباته، وقد صرح في أكثر من موضع بإعجابه بالرواية قائلًا: “لا أحد يستطيع وصف التشويق اللامتناهي والرعب المطلق الموجود في كل فقرة من فقرات الكتاب”، ويبدو أثر ماكين على لافكرافت واضحًا لكل من تعمق في أدب الكاتبين، بل إن لافكرافت أشار إلى كتاب ماكين بالاسم في قصته رعب دانويتش (The Dunwich Horror) وهي واحدة من حكايات كثولو المحورية.

ستيفن كينج

ولم يقتصر تأثير ماكين وروايته على لافكرافت فقط، بل عديد من كتاب الرعب حاولوا محاكاة ماكين ورايته ومنهم واحد من أعظم كتاب الرعب المعاصرين ستيفن كينج الذي صرح بأن روايته القصيرة N تعد محاكاة لرواية ماكين، وأن روايته لم تستطع أن تصل لمستوى رواية ماكين التي قال عنها إنها أفضل رواية كتبت في أدب الرعب باللغة الإنجليزية، وقال إن هذه الرواية حرمته من النوم ليالٍ طويلة، وقال أيضا أن رواية ماكين كان لها أثر في العديد من أعماله مثل رواية الإحياء Revival التي صدرت عام 2014.

ومن الكتاب الآخرين الذين حاولوا محاكاة رواية الإله العظيم بان الكاتب كلارك أشتون سميث في رواية “السلالة التي لا اسم لها”، والكاتب بيتر ستراوب في رواية “حكاية شبح”، كما تم ذكر رواية ماكين بالاسم في رواية “مذكرات عثة” للكاتب راتشل كلاين، والعديد من الكتاب الآخرين.

الإله العظيم بان على خشبة المسرح

ولم يقتصر أثر رواية “الإله العظيم بان” على الأدب والروايات فقط، بل على أنواع أخرى من الفنون أيضًا، ففي عام 2008 تم تحويلها إلى مسرحية على يد المخرج تشارلي شرمان، كما أن أغنية Pan’s Daughter لفريق الروك الأمريكي Flummox مستوحاة من الرواية.

وقد ترجمت الرواية ـ على مدار السنوات ـ إلى العديد من اللغات، وألهمت العديد من الكتاب والقراء حول العالم، وقد قمت بترجمة راوية الإله العظيم بان إلى العربية، والتي صدرت في معرض القاهرة 2017 عن دار إبداع للنشر والترجمة لتصبح أول ما يترجم للكاتب آرثر ماكين إلى اللغة العربية.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست