الشتاء الأسود

“ماذا سيحدث لو اندلعت حربًا عالمية ثالثة واستخدمت الدول ترسانة أسلحتها النووية؟ يقول العلماء أن الانفجار الناتج عن القنابل النووية سيؤدي إلى تصاعد الدخان والغبار إلى طبقات الجو العليا مما سيتسبب في حجب أشعة الشمس وانخفاض درجة الحرارة بشكلٍ كبير، وهذا يعني دخول الأرض في شتاء نووي، شتاء مخيف قارس يزحف على الكون ويغلفه برداء بارد مظلم”.

 

الشتاء الأسود، الشتاء الأبيض، لم نعتد شتاءً أبيض في مصر، فما بالك بالشتاء الأسود! الشتاء الأبيض يحمل من الرومانسية بقدر ما يحمل من الكآبة. إن كنت ممن يظنون بكآبة الشتاء الأبيض؛ فانتظر حتى تقرأ الشتاء الأسود لأحمد صلاح المهدي. بأنامل محترفة ينسج لنا أحمد المهدي أحداث روايته، وبنفس هذه الأصابع يسحبنا بسلاسة عبر أحداث الرواية.

ينجح أحمد المهدي في رسم صورة حقيقية بدرجة مبهرة لأحداث الشتاء الأسود في مصر، تركت لدينا ظاهرة ما بعد الرؤية After Image بصورة ممتدة فواحة، فعندما تتم أحداث الرواية تصل لحالة من الانسجام العقلي تجعل أحداثها ماثلة أمامك، حتى بعد أن تغادر صفحات الراوية وتذهب لشئون أخرى؛ أحداثها تظل تطارد مخيلتك، لتشعر بمزيج من القلق والمتعة.

أحمد المهدي يحفر لنفسه مكانًا بارزًا بين كتّاب الموجة الرابعة لكتّاب الخيال العلمي العرب؛ وهذه الرواية علّها تكون (موناليزا أحمد المهدي) أو بمثابة رواية (حلول الليل) لعظيموف.

– د. حسام الزمبيلي، رئيس الجمعية المصرية لأدب الخيال العلمي.

 

يجيد الروائي “أحمد صلاح المهدى” حبكته الروائية المشوقة، ويحكم حول فؤاد القارئ حبال السرد المنسوجة من خيال خصب يصف لنا مغامرة ما بعد كارثة الحرب الكونية، التي غمرت العالم بالظلمة والقتامة والتلوث الإشعاعي والرعب، وتبدو واقعية فنية تمثل “زرقاء يمامة” روائية، تستشرف المستقبل، وترى كيف يكون الإنسان أشد خطرًا من الكارثة ذاتها، (كنبوءة قادمة من مستقبلٍ مخيفٍ مظلم) بتعبير الرواية، ليمثل عبارة الرواية المركزية (كانت الزهور قد دُفنت أسفل الثلج)، لكنها تظل زهورًا، تتوق إلى الحرية والمساواة.

ويستعمل الراوي “التناسخ الروائي” من خلال مشهدية مواقف مناظرة، في إيقاع سردي متوازن مبهور الأنفاس لتجسيم الداهية والإنسانية في توحشها ونبلها بين طرفي نقيض يكشف مغزى الرواية الماتعة، ولم يكن الروائي صاحب شغف بطقس المغامرة والتشويق النابع من بطولة مطلقة، لكنه -كما أرى- صاحب مشروع ورؤية ثاقبة للواقع يمارسها في بث رسالي نبيل، حول المشكلة والحل، ويكفي أن نشير أن رواية “الشتاء الأسود” كاملة مثلت تشغيلًا لآلة الزمن السردية بتقنية الاسترجاع الخارجي “خارج زمن الحكاية” لرواية الكاتب الأخرى “ملاذ – مدينة البعث”، فما أجمله من فكر وسرد.

– أ. خالد جودة، ناقد أدبي.

جورمنجاست .. العبقرية حبيسة عقل ميرڤن بيك

الكاتب البريطاني ميرڤن بيك Mervyn Peake هو رجل متعدد المواهب، إنسان مبدع، وفنان غريب الأطوار، هو كاتب وشاعر ورسام، ورغم شهرته الكبيرة في موطنه بريطانيا، إلا أن القليل يعرفون عنه وعن أعماله حول العالم، ولكن ميرڤن بيك له مكانة خاصة في الأدب الإنجليزي، وخصوصا أدب الفانتازيا، فثلاثيته الرائعة “جورمنجاست” تعد المؤسس لفرع مستقل من الفانتازيا وهي فانتازيا الأشخاص، وهي الفانتازيا المعنية بأفكار الشخصيات ومشاعرهم وانفعالهم ودوافعهم، العناصر الخيالية في تلك الروايات ليست السحر أو التنانين أو الأجناس الأسطورية المختلفة، بل أشخاص وأماكن من الواقع نفسه، كذلك فعل ميرڤن بيك في كتابة روايات سلسلته جورمنجاست، فعالم جورمنجاست ينتمي لعالمنا الحقيقي، قلعة عتيقة، وعائلة ذات دماء نبيلة، وتقاليد وطقوس تجري طيلة قرون بين أصحاب تلك الدماء. ولكن شخصيات بيك هي من تجعل العالم لا مثيل له، أفكارهم ودوافعهم وصراعهم مع ذاتهم أو لتحقيق أفكارهم الخاصة هو من يجعل هذا العالم عجيب. ما يثبته بيك بكتابته هو عالمنا الواقعي يمتلئ بالأعاجيب إذا حدقنا النظر حولنا، ويحتاج الأمر لكاتب حقيقي ومبدع كي يستطيع رؤية هذه العجائب ورسمها على الورق.

 

قلعة جورمنجاست

 

يقول الروائي الكندي روبرتسون ديفيس: “يعد ميرڤن بيك شاعرًا مرهف الحس أكثر من إدجار آلان بو، لذا كان قادرًا على الحفاظ على روعة عالمة الخيالي [الفانتازي] خلال ثلاثة روايات. إن ثلاثية جورمنجاست هي عمل عظيم للغاية … وأحد كلاسيكيات عصرنا الحالي.”

يعد الجزء الأول “تايتوس جرون” تمهيدًا لعالم جورمنجاست، يتعرف على المكان الشخصيات واحدًا تلو الآخر، فنعرف أن جورمنجاست قلعة عريقة مبنية على مساحة شاسعة، بأبراج متداعية وجدران يغطيها اللبلاب، ينظر إليها قاطني الوادي من حولها بنظرة إجلال وتقدير يكاد يصل إلى مرتبة التقديس الديني، يقطن القلعة عائلة جرون النبلاء وسيدها اللورد سيبلكريڤ هو الإيرل السادس والسبعين لعائلة جرون، والذي يتوق لوريث يحمل اللقب من بعده. ونتعرف على كذلك على زوجته الكونتيسة جريترود وطباعها الغريبة وابنتها فيوشا ذات الخمسة عشر ربيعا والسيد فلاي كبير الخدم، وسويلتر كبير الطهاة، وسوردست سيد الطقوس والمشرف على المراسم وابنه برانكنتاين فيما بعد، والطبيب برونسكويلر وأخته إيرما، والعمتان التوأم كورا وكلاريس جرون وستيربايك الفتى الماهر الماكر الذي يبدأ كفتى من فتيان المطبخ، ويصبح له دورًا كبيرًا في الحبكة فيما بعد.

تبدأ الحبكة بميلاد البطل تايتوس جرون، الذي يمثل حدثًا هامًا في حياة القلعة، وعلى الفور يعج المكان بالحركة من المطبخ في الطابق السفلي حتى قاعة المنحوتات اللامعة في الطابق العلوي، وينفض سيد الطقوس التراب عن الكتب القديمة استعدادًا لاستقبال الإيرل السابع والسبعين لعائلة جرون، ورغم أن الكتاب يحمل اسم “تايتوس جرون” إلا أن دوره في الحبكة صغير ويظل طيلة الأحداث طفلًا رضيعًا لا يتجاوز عمره العامان.

 

بعض الشخصيات من عالم جورمنجاست بريشة ميرڤن بيك

 

الجزء الثاني “جورمنجاست” يبدأ بتايتوس وهو في عمر السابعة، وهو طفل متمرد يحاول رفض تلك الطقوس والتقاليد التي فرضت عليه منذ مولده، وتظهر شخصيات جديدة مثل طاقم التدريس في مدرسة جورمنجاست وخصوصا المدير بيلجروڤ، و”الشيء” تلك الفتاة الصغيرة التي ولدت مع مولد تايتوس من مرضعته، وأثرها في حياة تايتوس، ويعد الجزء الثاني استكمالًا لقصة الجزء الأول، فكليهما يتبعان نفس الشخصيات في نفس المكان وهو قلعة جورمنجاست كما أن هذا الجزء يغلق بعض الخيوط التي تركت مفتوحة في الجزء الأول.

ورغم أن الجزء الأول امتاز بمسحة من التراجيديا في أحداثه، إلا أن الجزء الثاني يعد أكثر منه تراجيدية، فقلعة جورمنجاست في هذا الجزء تكسوها مسحة من الكآبة، ولكنها ليست كآبة منفرة، بل كآبة سحرية تشبه تلك التي تنتابك وأنت تتأمل غروب الشمس، أو تستغرق في حالة من النوستالجيا، إنها كآبة بشكلٍ ما في نهاية القصة تشعر أنها غسلت روحك.

أما الجزء الثالث “تايتوس وحيدًا” فيختلف عن الجزئيين الأول والثاني بشكلٍ كبير، فالجزئين الأول والثاني يدوران في قلعة جورمنجاست، ويمتازان بكبر الحجم والوصف الدقيق للتفاصيل الصغيرة، ورسم ملامح كل شخصية ودوافعها وأفكارها، أما الجزء الثالث لا يدور في قلعة جورمنجاست، بل بعد خروج تايتوس لرؤية العالم الخارجي ومعرفة أسراره، ليفاجئ بعالم يختلف تمام الاختلاف عن عالمه المألوف، ففي الخارج يركب الناس السيارات والطائرات ويوجد حكومة وشرطة وأوراق رسمية وعلماء وأجهزة غريبة، وهم لا يعرفون شيء عن جورمنجاست ولا عن تقاليدها العريقة، بالنسبة لهم تلك الطقوس والتقاليد شيء من الماضي قد انتهى، وبالنسبة لهم تايتوس شخص مجنون يخيل له وجود هذا العالم المسمى جورمنجاست.

 

قلعة جورمنجاست بريشة الفنان البريطاني آلان لي المشهور برسم عالم الأرض الوسطى لتولكين

 

يضل تاتيوس طريق عودته إلى بيته ووطنه، وفي ظل عدم تصديق الناس لوجود جورمنجاست يبدأ هو نفسه في الشك في وجودها، بل والشك في عقله ذاته، لذا نجد أن تايتوس يبحث عن جورمنجاست كي يجد نفسه، كي يثبت لنفسه أنه ليس مجنون، وأن ماضيه وطفولته وكل الأحداث التي عايشها هي أحداث حقيقية لا من اختلاق عقل مجنون.

تايتوس وحيدًا هي النوستالجيا مجسدة في كتابٍ واحد، فيشاطر القارئ تايتوس شعوره بالوحدة، وشعوره بالغربة، وشعوره بالحنين إلى ماضيه ووطنه، كما يبرع في رسم هذا العالم الحديث، بآلاته وتكنولوجيته الغريبة، حتى لتشعر أن ميرڤن بينك قد مزج بين الفانتازيا والخيال العلمي في مزيج غريب وممتع.

بسبب اختلاف الجزء الثالث عن الجزأين السابقين له فإنه لقى ردود فعل متباينة بين القراءة، البعض كان يرغب في أن تظل الأحداث في نطاق جورمنجاست، وأنا كنت أشاطرهم الرأي في بداية مطالعتي للجزء الثالث، ولكني أحببت العالم الجديد الغريب وشخصياته الجديدة التي رسمها بيك، وشعرت في العديد من المشاهد أنها تشبه تلك اللوحات القديمة التي تتخيل المستقبل بما فيها من غرابة وسحر. الجدير بالذكر أن هناك نسختان من “تايتوس وحيدًا” النسخة الاولى التي قدمها ميرڤن بيك للناشر، ثم عاد وقام بتحسينها وتنقيحها وأضاف لها العديد من الفصول والمشاهد، وقد سعت أرملته ميڤ جيلمور لنشر الجزء الثالث منقحًا وكاملًا بمساعدة بعض أصدقاء زوجها الراحل حتى نجحت في ذلك أخيرًا بعد موت زوجها بسنواتٍ عديدة.

 

ميرڤن بيك وأرملته ميڤ جيلمور

 

لغة بيك شعرية وسحرية، ورغم واقعية العالم إلا أنك ستشعر كأنك تسير في حلم، العالم جميل وينبض بالحياة، كل شخص، كل مكان، كل حجر من أحجار القلعة مرسوم بدقة شديدة وريشة رسام تجعلك ترى كل مشهد وتتخيله وتعيشه، ولعل هذا يرجع لكون بيك رسام في الأصل، فقد اشتهر برسم كتب الأطفال الكلاسيكية مثل أليس في بلاد العجائب وجزيرة الكنز، كما كان لرسوماته دورًا في الحرب العالمية الثانية حيث صورت لوحاته مأساة الحرب ومعاناة الضحايا، كما أن بيك هو الرسام الوحيد الموجودة رسمته الذاتية في متحف اللوحات الوطني البريطاني National Portrait Gallery، كما أن مخطوطاته الأولى لروايات جورمنجاست التي كتبها بيده كانت تحوي بعض الرسومات لشخصيات وأماكن من الرواية.

 

رسمة من مخطوطة تايتوس جرون تظهر ستيربايك وفيوشا كما تخيلهما بيك

 

يأخذ بيك وقته في رسم المشهد، كل حركة، كل صوت، كل رائحة، وهذا ما يجعل إيقاع الرواية بطيئًا، ولكنه ليس مملًا، فالقارئ يسير بين مشاهدة مسحورًا مبهور الأنفاس، فهو يجعل القارئ يرى كل مشهد ويتخيله ويعيشه، كنت أحتاج أثناء قراءة الروايات لبعض اللحظات بين مشهد وآخر كي أفكر فيه وأتخيله واتأمله، أحيانا أستمر في القراءة كي أكتشف بعد عدة فقرات أنني ما زلت مستغرقًا في مشهدٍ سابق. ورغم بطء إيقاع المشاهد إلا أن القارئ يظل متيقظًا متحفزًا، دوافع الشخصيات المرسومة بدقة، الأفكار التي تدور في عقلها، اهتمام القارئ الحقيقي بمصير الشخصيات وتعلقه بها تجعله يرغب في معرفة ما سيحدث فيما بعد، العديد من المشاهد في القصة اضطرتني للوقوف لأنني لم أحتمل البقاء هادئًا وانا اقرأ المشهد.

يقول الكاتب البريطاني سي إس لويس مؤلف سلسلة نارنيا عن أعمال بيك أنها: “إضافة حقيقية لحياة المء، إنها كحلمٍ نادر تمنحنا إحساسً لم نشعر به من قبل، وتوسع إدراكنا ومجال الخبرات التي قد يخوضها الإنسان.

تم اقتباس “جورمنجاست” بعد ذلك في العديد من الأعمال المسرحية والمسلسلات الإذاعية على الراديو والمقطوعات الموسيقية الأوبريالية، كما قامت BBC سنة 2000 بإنتاج مسلسل بعنوان جومنجاست يتناول قصة الجزء الأول والثاني من السلسلة بطولة العديد من النجوم البريطانيين اللامعين مثل سير كريستوفر لي وايان ريتشاردسن وسيليا ايمري وغيرهم، ولاقى المسلسل احتفاء النقاد وحظي بالعديد من الجوائز مثل الجائزة البريطانية لفنون الفيلم والتلفزيون.

 

طاقم مسلسل جورمنجاست

 

كان بيك يرغب في أن تكون سلسلة جورمنجاست ـ أو كتب تايتوس كما أسماها ـ ملحمة تتبع شخصية واحدة منذ المولد حتى الموت، فالجزء الأول “تايتوس جرون” يتحدث عن مولد تايتوس وتأخذ فترة كونه طفل رضيع، أما الجزء الثاني “جورمنجاست” فيتحدث عن مرحلة الفتوة وبداية سنين المراهقة، أما الجزء الثالث والذي تدور أحداثه خارج قلعة جورمنجاست فيتحدث عن مغامرات المراهقة وطيش الشباب، حتى يبلغ تايتوس مرحلة النضج، وكان من الممكن أن يكمل ميرڤن بيك مشروعه لو يصاب بالمرض الذي جعله يتوقف عن الكتابة، قبل أن يداهمه الموت وهو يضع الخطوط الأولية لرواية رابعة بعنوان “استيقاظ تايتوس” ولكنه لم يترك منها سوى ورقات قليلة، وحاولت أرملته إكمال القصة على نفس المنوال ونشرتها لاحقًا ولكنها لم تقبل نفس الاحتفاء الذي قوبلت به روايات زوجها الأصلية.

فقد الأدب الإنجليزي والعالمي الكثير بموت ميرڤن بيك قبل أن يكمل سلسلته، وكم كنت أتمنى أن أرى المزيد من تلك العبقرية الحبيسة في عقل ميرڤن بيك، ولكن ستظل سلسلة جورمنجاست شاهدة على ابداعه وعبقريته.

نشر المقال للمرة الاولى على موقع شبكة الميادين الإعلامية

تولكين .. الرجل الذي أسيئ فهمه

لا خلاف على عبقرية تولكين وبراعته في الكتابة، وقد بذل تولكين مجهودًا ضخمًا في كتابة أعماله، حتى أن أصغر أعماله “الهوبِت” أخذت منه ما يربو عن عشرة سنوات لإنهائها، ناهيك عن “السيلماريليون” التي قضى عمره كلها يكتبها ومات قبل أن ينهيها. فالصورة التي تنطبع في ذهنك عن ذكر اسم تولكين هي صورة رجل عاكف على مكتبه بين ألاف المسودات والملحوظات يعيد كتابة ومسح ما كتبه من جديد، يضع كل تفصيلة في عالمه بحرص شديد، هو رجل أقرب للبناء الذي يبني صرح كبير بحذر وبمقاييس دقيقة، لا فنان مغامر يلوح بريشته على لوحة فارغه بدون أن يدرك ما النتيجة التي ستخرج بالنهاية، وهذا لأن هدف تولكين من البداية لم يكن كتابة رواية او اثنتان، بل كان له هدف أبعد من ذلك بكثير.

ولكن تولكن ـ ككل هؤلاء الذين ألهموا حركات واسعة ـ تم إساءة فهمه، ومن ضمن المفاهيم الخاطئة التي تُشاع حول تولكين هي أنه “أبو الفانتازيا” أو “مؤسس الفانتازيا” والبعض الآخر يقول لا ليس هو مؤسس الفانتازيا ولكن هو من جددها وحولها إلى الفانتازيا الراقية أو الملحمية أو غيرها من المصطلحات، والحقيقة أن جُل من يطلقون تلك المزاعم لديهم خبرة بسيطة بالفانتازيا، أو لم يعرفوها إلا من خلال أفلام هوليوود عن سيد الخواتم وغيرها. ولكن الحقيقة أن الفانتازيا قبل تولكن كانت فن مستقر له مكانته في الأب وكُتّاب أبدعوا فيه وأخرجوا العديد من الروايات والملاحم التي تركت أثرها في العديد من الناس، وحتى تولكين ذاته لم يطلق على نفسه هذا الزعم، بل اعترف بفضل من سبقوه، ومن تلك الأعمال رواية “التنين أوروبُروس” للكاتب إيرك إديسون والتي صدرت للمرة الأولى عام 1922 واحتوت على عالم مخترع بالكامل وأجناس أسطورية وسحر وحروب بين جيوش الخير وجيوش الشر. وقد قارن النقاد رواية سيد الخواتم عند صدورها برواية التنين أوروبُروس وحتى تولكين ذاته يعترف بتأثيرها الشديد عليه، وقد كتب سي اس لويس مؤلف رواية نارنيا مقدمة قال فيها “لا يوجد كاتب آخر نستطيع أن نقول إنه يشبه إديسون.”

خريطة عالم التنين أوروبُروس

ومن الروايات الأخرى التي سبقت تولكين رواية “بنت ملك الجن” للورد دونساني التي صدرت عام 1924 وهي واحدة من أكثر الروايات تأثيرًا في عالم الفانتازيا، وقد شكلت ظهور الـ Elf لأول مرة بشكلهم المألوف في الفانتازيا الحالية، وهم الإيلف النبلاء طوال القامة، وهو شكل مستوحى بشكل كبير من الميثيلوجيا الاسكندنافية، بعيدًا عن الصورة الشعبية التي تصفهم بأنهم قصار القامة يسببون الأذى والمشاكل للناس، وهي الصورة التي نجدها في الأساطير الأيرلندية والإسكتلندية وغيرها. وقد جعلت الرواية الكاتب آرثر كلارك يصف دونساني بأنه من أعظم الادباء في القرن العشرين، وقال عنه لافكرافت أنه: “مخترع ميثولوجيا جديدة، وحائك أساطير لا مثيل له.”، كما قال عنه ويليام باتلر ييتس جامع الحكايات الشعبية الأيرلندي الشهير أنه: “قد تجلي بجمال في عالمنا المعهود.”

لوحة عن رواية بنت ملك الجن

ومن الروايات التي صدرت في نفس سنة صحبة الخاتم، رواية “السيف المكسور” للكاتب الأمريكي ذي الأصول الدنماركية بَول أندرسُن والتي أشرت في مقال سابق إلى التشابه بينها وبين سيد الخواتم، من يحث احتوائها على الإيلف طوال القامة، والدوارف أو الأقزام الذين يسكنون بأعماق الأرض ويتخصصون في صنع الأسلحة، وكذلك تحتوي الرواية على سيف مكسور يجب إعادة جمعه، ويعود هذا التشابه إلى أن كلًا من تولكين وأندرسُن قد استقوا العديد من عناصر ملحمتيهم من الاساطير الإسكندنافية والانجلو سكسونية القديمة.

غلاف رواية السيف المكسور

والقائمة تطول، فالملامح الفانتازية ليست حديثة العهد كما يظن البعض ولم تبدأ في الظهور مع تولكين، بل سبقه وعاصره العديد من الكتاب الناضجين والمتمكنين من قلمهم، فما الذي يميز تولكين عن غيره؟ كما قلت من قبل أن هدف تولكين لم يكن كتابة الرواية في حد ذاته، فقد كان تولكين أن تولكن كان دائمًا ما يشعر بالقلق لافتقار بلده إلى أساطيرها الشعبية، فعكف على مشروع “أساطير من أجل إنجلترا” متأثرًا بما حدث مع الكاليفالا التي أطلقوا عليها اسم ” أساطير من أجل فنلندا” وأصبح مشروعه بعد ذلك يحمل اسم السيلماريليون، وأسلوب تولكين هذا إن كان حقق هدفه في مسعى تولكين الشخصي، إلا أنه قد أضر بأدب الفانتازيا الروائي، ولا اريد أن يفهمني أحد بشكل خاطئ أنني أعيب في تولكين، بل أنا أرى المشكلة فيمن أساؤوا فهم تولكين، فالعديد من الأشياء التي استخدمها تولكين في خدمة مشروعه تعد عيبًا حين استخدامها في الرواية. ومن قرأ الملاحم القديمة مثل الايدا النرويجية او الشاهنامة الفارسية او الكاليفالا الفنلندية سيدرك ما الذي يسعى تولكين لتقديمه، فتلك الحكايات تمثل الميثولوجيا الشاملة لتلك المناطق، فتبدأ من القصص الكونية وحكايات الخلق، حتى تصل إلى القصص الصغيرة وحكايات الجنيات، وتمتلئ بشتى أشكال الحكايات والأفكار والفلسفة والشخصيات والتاريخ، وهذا ما سعى تولكين لتحقيقه، لذا ملأ تولكين كتبه بالأشعار الطويلة واللغات المتعددة والإشارات لأحداث وأشخاص تاريخية في عالمه المختلق لا علاقة لها بالحبكة.

لوحة تجسد أحد مشاهد ملحمة الكاليفالا بالمتحف الوطني الفنلندي

واستخدم تولكين على سبيل المثال أسماء متشابهة لأبطال قصصه وهو شيء سيء إذا فعله أي كاتب لأنه يجعل الأمر يختلط على القارئ، ولكن تولكين كان يرغب في محاكاة الواقع حيث كانت تستخدم العائلات النبيلة القديمة أسماء متشابهة لأفرادها، وهذا الأمر يخدم ما يحاول تولكين فعله وهو بناء عالم موازي ولكنه لا يخدم الحبكة على الاطلاق. فالكاتب لا يكون هدفه نسخ الواقع ووضع أكبر عدد من التفاصيل في روايته، بل يجب على الكاتب اختيار كل تفصيلة بحرص ولا يضع إلى ما يخدم الحبكة وبناء الشخصيات.

أما كُتَاب الفانتازيا اللذين تلوا تولكين وتأثروا به وحاولوا محاكاته لم يكن لديهم نفس الفكرة ولا نفس المشروع، بل كان كل هدفهم هو تقليد نجاح تولكين، فأخذوا يملؤون كتبهم وعالمهم بتفاصيل ليست ضرورية ولا مفيدة للحبكة، وقد يفرط الكاتب في وصف شخصيات روايات معتقدًا أنه بهذا يبني الشخصية إلا أنه يعطيها أي عمق حقيقي فتصبح مجرد شخصية كليشية مسطحة أخرى، فينتصر أبطال رواياته في النهاية لأنهم المختارون، كما أن الأشرار في الغالب لا يمتلكون أي دوافع حقيقية. أحد الأمثلة جي كي رولنج والتي تعد كاتبة متوسطة في أفضل حال، ولم تكتسب شعبيتها إلا من خلال فكرة مدرسة السحر التي أخذتها عن أورسولا كي لوجوين، وتمتلئ أجزاء السلسلة بشخصيات نمطية وأحداث متوقعة وفجوات في الحبكة واستخدام مفرطة لحيلة deus ex machine إلا أنها مولعة أيضًا بما يطلق عليه الكُتّاب اسم بناء العالم، فتخرج من قوت لآخر لتخبرنا بمعلومة أخرى عن عالمها مثل أن دمبلدور شاذ، ولا مانع عندي من تقديم شخصية شاذة في الرواية إن كان هذا سيخدم الحبكة ويدفعا للأمام أو يضيف لبناء الشخصية، ولكن المعلومة ذكرتها الكاتبة بعد انتهاء السلسلة مما يعني أنها معلومة ليست ذات أهمية.

المأخذ الحقيقي الذي آخذه على تولكين، وسي اس لويس ايضًا، هو اختلافهم في تقديم الخير والشر عمن سبقوهم، فرغم أن دونساني وإديسون قدموا الصراع بين النور والظلام أو الخير والشر في عالمهم، إلا أنهم تطرقوا إلى الأمر بحرص، مدركين خطورة إطلاق الوصف على شيء بكونه خير محض أو شر محض، على عكس تولكين ولويس الذين لم يجدوا غضاضة في تقديم الخير باعتباره خير مطلق والشر باعتباره شر مطلق، وهو أمر خطير حين تقديمه في الأدب خصوصًا، فالقارئ يتأثر بتلك النظرة الثنائية “نحن مقابل هم” وخاصًا إن كان الكاتب يخاطب الأطفال مثل لويس في نارنيا. من السهل أن تخلق طرفين وتحدد أن أحدهم خير والأخر شرير وتخلق بينهم صراع بلا بناء درامي حقيقي ولا تطرق لفلسفة ودوافع وأفكار كل طرف، وهذا ما اتجه إليه معظم مؤلفي الفانتازيا في فترة ما بعد تولكن مثل سلسلة wheel of time لروبرت جوردن وsword of shannara لتيري بروكس، والتي يحلوا النقاد وصفها بـ Tolkien lit فالشخصيات مجرد نماذج أخرى من شخصيات تولكين، وصراع إكليشيهي بين الخير والشر في العالم مليء بالتفاصيل ولكنه ممل وضحل لا يرتقي حتى لمستوى عالم تولكين، فلا أحد مستعد لبذل الوقت والمجهود الذي بذله تولكين في بناء عالمه.

النقطة الأخرى هي الطول المبالغ فيه لثلاثية سيد الخواتم جعلت من المقبول تقديم أعمال بهذا الطول، ولم يتوقف الكُتّاب عند الحد الذي وصل إليه تولكين بل تخطوه بكثير، فثلاثية سيد الخواتم تقترب من النصف مليون كلمة وهو رقم ضخم ولكن سلسلة wheel of time للكاتب روبرت جوردن مثلا تتكون من 14 جزء مجموعهم ثلاثة ملايين ونصف كلمة!! والجدير بالذكر أن تولكين لم يقصد هذا الطول، بل عندما كان يفكر في كتابة جزء ثان للهوبِت ظن أنه سيكون أصغر بكثير لأن الهوبِت بلغت 90 ألف كلمة وهو رقم كبير بالفعل، أما اليوم إذا قمت بكتابة رواية فانتازيا من 90 ألف كلمة ربما يسخرون منك.

ما أريد قوله هو أن تولكين رغم عبقريه فإنه ليس الأب الروحي للفانتازيا، بل هو حجر في صرح الفانتازيا العظيم، كما أن مشروعه الميثولوجي بغير عمد منه قد أضر بفن الفانتازيا من الناحية الروائية، ولعل انبهار الناس بجودة التفاصيل ودرجة واقعية العالم يعمي عيونهم عن تلك العيوب. والسبب الآخر هو انبهارهم بالعالم السينمائي لسيد الخواتم والفضل في ذلك يعود إلى بيتر جاكسون. ولكن إذا أردنا أن تعود الفانتازيا إلى سابق عهدها فيجب أن يتوقف الكتاب عن محاولة تقليد ومحاكاة تولكن، إن لم تكن مستعدًا لبذل مجهود تولكين في عالمه فلا تحاول محاكاته أو تقليده، كما أنصح بالعودة إلى المنابع الأصلية للفانتازيا من أساطير وحكايات شعبية وملاحم قديمة، ولو فعل الشباب ذلك لرأينا أعمال فانتازية عظيمة تعود للظهور على الساحة مجددًا.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست

الخيال الغريب بين آرثر ماكين ولافكرافت

الخيال الغريب أو ما يطلق عليه اسم Weird Fiction وهو نوع فرعي من الأدب المعني بالخيال والذي ينقسم إلى فروع مثل الفانتازيا والخيال العلمي والرعب وغيرها، إلا أن الخيال الغريب يميز نفسه عن كل تلك الأنواع، بأنه يدمج بين الأسطورة والخرافة بل وحتى الحقائق العلمية، ولعل أشهر رموز هذا النوع من الأدب هو لافكرافت وخاصةً في حكايات كثولو والكيانات القديمة، فالقارئ لا يرى ما يجب أن يرعبه بشكل مباشر، ففي أغلب حكاياته يكون مصدر الرعب هو الغريب وغير المألوف، ويقول لافكرافت معرفًا هذا النوع من الأدب:

“الحكاية الغريبة الحقيقية هي التي تحتوي على أكثر من جريمة قتل سرية، يجب أن يوجد جو حابس للأنفاس من الرهبة، والخوف من قوى غريبة غير مألوفة يجب أن يكون حاضرً”، وهذا ما نجده بقوة في حكايات كثولو وغيرها لدى لافكرافت.

لافكرافت

ولكن الحقيقة أن لافكرافت ليس مؤسس هذا النوع من الأدب، بل تأثر بالعديد ممن سبقوه، فنجده متأثرًا مثلا بقصص اللورد دونساني الذي يعد أول من قام بابتكار آلهة خاصة به ليحكي عنها حكاياته في الأدب الحديث، وهنا تشابهات بين آلهة دونساني والكيانات القديمة لدى لافكرافت، ولكن أكثر من تأثر به لافكرافت هو آرثر ماكين، وبالتحديد حكاية الإله العظيم بان.

آرثر ماكين

ولد آرثر ماكين (1863 ــ 1947) في ويلز في منطقة يشار إليها باسمها الويلزي القديم “جوينت” وينحدر ماكين من سلالة طويلة من رجال الدين، وفي عمر الحادية عشر تخرج من مدرسة هيريفود الكاتدرائية بتقدير ممتاز، إلا أن فقر عائلته منعه من الالتحاق بالجامعة، فتم إرساله إلى لندن لعمل اختبارات الالتحاق بمدرسة الطب، إلا أنه فشل في ذلك.

ومع ذلك فقد أبدى ماكين تألقًا في مجال الأدب، وفي 1881 قام بنشر أولى قصائده الطويلة والتي تحمل اسم “إلوسينيا” وكان موضوعها أسرار اليوسيس (هي عبارة عن مراسم للبدء تقام كل عام لعبادة ديميتر وبرسفون في مدينة إلفسينا في اليونان القديمة)، وقد عاش ماكين في لندن حياة فقيرة ما بين عمله كصحفي ومحرر للناشرين، ومعلم خصوصي للأطفال، بينما يقضي مساءه في الكتابة أو التجول على غير هدى في شوارع لندن.

في عام 1884 قام بنشر عمله الثاني “تشريح التبغ” والذي أمن له عمل مع الناشر والموزع جورج رادواي، كمفهرس ومحرر في مجلته، وهذا فتح له أبواب عمل أخرى، كمترجم من اللغة الفرنسية، مثل الحكايات الفانتازية الفرنسية ومذكرات كازانوفا وغيرها، واستخدم ماكين في ترجمته لغة إنجليزية مفعمة بالحيوية والحماس أصبحت مقياسًا للمترجمين إلى الإنجليزية لسنوات عديدة.

غلاف كتاب الإله العظيم بان

استمر ماكين في نشر القصص القصيرة بالمجلات الأدبية، والتي اتخذ بعضها الطابع الخيالي أو القوطي، قبل أن يقوم بكتابة أول نجاح كبير له، رواية “الإله العظيم بان”، وقد نشرت لأول مرة عام 1890 بمجلة The Whirlwind ونقحها آرثر ماكين وأضاف الكثير من التفاصيل لها لتنشر في شكل كتاب مستقل سنة 1894، وأثارت الرواية عند نشرها ضجة كبيرة، واتخذ فيها ماكين تيمة الإله بان المرتبط بالخوف والرعب عند القدماء ومن اسمه تشم اشتقاق كلمة Panic والتي تعني في الإنجليزية الخوف الشديد، ومثل الكيانات القديمة عند لافكرافت، فإن حضور بان طاغي في القصة كلها بالرغم من عدم ظهوره بشكل مباشر.

فالقارئ لا يستطيع أن يعرف ما هو بان بالضبط، ولكنه يرى أثره في الرعب الذي يسببه في كل مكان، وفي هذه القصة مزج ماكين بين الأساطير والخرافات والعلم في مزيج رائع جعل القصة واحدة من كلاسيكيات أدب الرعب، وقد سار لافكرافت على درب ماكين في كتاباته، وقد صرح في أكثر من موضع بإعجابه بالرواية قائلًا: “لا أحد يستطيع وصف التشويق اللامتناهي والرعب المطلق الموجود في كل فقرة من فقرات الكتاب”، ويبدو أثر ماكين على لافكرافت واضحًا لكل من تعمق في أدب الكاتبين، بل إن لافكرافت أشار إلى كتاب ماكين بالاسم في قصته رعب دانويتش (The Dunwich Horror) وهي واحدة من حكايات كثولو المحورية.

ستيفن كينج

ولم يقتصر تأثير ماكين وروايته على لافكرافت فقط، بل عديد من كتاب الرعب حاولوا محاكاة ماكين ورايته ومنهم واحد من أعظم كتاب الرعب المعاصرين ستيفن كينج الذي صرح بأن روايته القصيرة N تعد محاكاة لرواية ماكين، وأن روايته لم تستطع أن تصل لمستوى رواية ماكين التي قال عنها إنها أفضل رواية كتبت في أدب الرعب باللغة الإنجليزية، وقال إن هذه الرواية حرمته من النوم ليالٍ طويلة، وقال أيضا أن رواية ماكين كان لها أثر في العديد من أعماله مثل رواية الإحياء Revival التي صدرت عام 2014.

ومن الكتاب الآخرين الذين حاولوا محاكاة رواية الإله العظيم بان الكاتب كلارك أشتون سميث في رواية “السلالة التي لا اسم لها”، والكاتب بيتر ستراوب في رواية “حكاية شبح”، كما تم ذكر رواية ماكين بالاسم في رواية “مذكرات عثة” للكاتب راتشل كلاين، والعديد من الكتاب الآخرين.

الإله العظيم بان على خشبة المسرح

ولم يقتصر أثر رواية “الإله العظيم بان” على الأدب والروايات فقط، بل على أنواع أخرى من الفنون أيضًا، ففي عام 2008 تم تحويلها إلى مسرحية على يد المخرج تشارلي شرمان، كما أن أغنية Pan’s Daughter لفريق الروك الأمريكي Flummox مستوحاة من الرواية.

وقد ترجمت الرواية ـ على مدار السنوات ـ إلى العديد من اللغات، وألهمت العديد من الكتاب والقراء حول العالم، وقد قمت بترجمة راوية الإله العظيم بان إلى العربية، والتي صدرت في معرض القاهرة 2017 عن دار إبداع للنشر والترجمة لتصبح أول ما يترجم للكاتب آرثر ماكين إلى اللغة العربية.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست

خمسة أعمال عنف حقيقية مستوحاة من أعمال أدبية

الهدف من الأعمال الأدبية أو السينمائية هو التأثير في الناس، وإلهامهم، فأي كاتب يسعد عندما يرى كتبه تؤثر في الناس وتصنع أحداثًا على أرض الواقع، إلا أن هذا التأثير يكون غير مرغوب حين يؤدي لحدوث جرائم وأعمال عنف، قد تصل إلى حد القتل.

1ـ جامع الفراشات

رواية The Collector أو جامع الفراشات هي رواية من تأليف جون فاولز، ونشرت عام 1963 تتحدث عن جامع الفراشات فريدريك كليج، المصاب بمتلازمة أسبرجر وهي إحدى اضطرابات التوحد، استطاع كليج المصاب بالتوحد أن يكسب رهانًا على كرة القدم، مما سمح له بالعيش منعزلًا عن المجتمع، وعلى الرغم من ميله للعزلة فقد اختطف امرأة تدعى ميراندا كان مهووسًا بها لزمن طويل، واحتجزها في القبو واعدًا إياها ألا يؤذيها إن هي بقيت هناك.

في ثمانينيات القرن الماضي بولاية كاليفورنيا، قام القاتلان المتسلسلان تشارلز نِج وليوناردو لي بتسمية إحدى عملياتهم بـ “العملية ميراندا” حيث قاموا باختطاف وتعذيب إحدى عشرة امرأة حتى الموت، انتحر ليوناردو ليك، بينما تم محاكمة تشالز نِج وسجنه مدى الحياة بتهمة التعذيب والقتل، وأقر تشارلز أنهما استلهما فكرة خطف الفتيات من رواية جامع الفراشات.

كما عثرت الشرطة على نسخة من الرواية ضمن ممتلكات القاتل المتسلسل كريستوفر وايلدر الذي اتهم باختطاف واغتصاب وقتل العديد من الفتيات، وقد قتل وايلدر في أثناء محاولة القبض عليه.

2ـ البرتقالة الميكانيكية

رواية Clockwork Orange للكاتب البريطاني أنتوني برجس والتي قام المخرج العالمي المبدع ستانلي كوبريك بتحويلها إلى فيلم سينمائي يحمل الاسم ذاته، وتحكي الرواية عن مستقبل مظلم ديستوبي، بطلها الشاب الصغير ألكس وهو عضو عصابة تقوم بضرب المتشردين والتهجم على المنازل والقيام بعمليات السرقة والاغتصاب.

وعلى الرغم من أن الفيلم لا يمجد تلك الأعمال، أو يحاول تحسين صورتها، فإن الفيلم لا يخلو من بعض المشاهد التي تمثل تمرد ضد المجتمع السلطوي، بعد عرض الفيلم اتهمت الجرائد كوبريك بأنه مروج للعنف وحمّلته مسؤولية أحداث العنف التي اجتاحت لندن، فقد تم إبلاغ البوليس عن جرائم ضرب للمتشردين وعصابات تقوم بالاغتصاب، مما دفع الناس للقيام باحتجاجات ومسيرات تم على إثرها سحب الفيلم من سينمات بريطانيا.

3ـ عرض متواضع إلى هوارد هيوجوز

هي قصة قصيرة كتبها جو هولدمان الذي شارك في حرب فيتنام، ونشرت في مجلة الفانتازيا والخيال العلمي عام 1974 بعنوان To Howard Hughes: A Modest Proposal، ونشرهولدمان بعد ذلك في كتاب Study War No More وهو عبارة عن مجموعة قصص خيال علمي تتناول فكرة الحرب، وجمع فيها قصصًا متفرقة لعديد من كتاب الخيال العلمي مثل ايزاك أزيموف وباول أندرسن وغيرهم.

تتحدث القصة عن شخص يفرض نزع السلاح بالقوة على دول العالم باختراع قنبلة نووية، ولكي يجعل القصة أكثر واقعية وقابلية للتصديق كتب هولدمان تفاصيل دقيقة عن كيفية الحصول على اليورانيوم وصنع القنبلة النووية، بعد نشرها تلقى عمدة لوس أنجلوس خطاب ابتزاز من شخص غامض يهدد بتفجير قنبلة نووية في المدينة ما لم يحصل على مبلغ مليون دولار نقدي، وأرفق بالخطاب وصف دقيق لصنع القنبلة النووية مما جعل السلطات تتعامل مع التهديد بجدية وقامت بتسليم الأموال.

لاحقًا اكتشف مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI عدم وجود قنبلة وألقوا القبض على صاحب خطاب الابتزاز الذي اتضح أنه فتى في الخامسة عشر من عمره معجب بقصة جو هولدمان.

4ـ الحارس في حقل الشوفان

هي أشهر أعمال الكاتب الأمريكي جي دي سلينجر وتتحدث عن رحلة في نيويورك من خلال أعين الفتى المراهق هولدن كولفيلد واكتشافه لزيف وسطحية أقرانه ومجتمعه، حققت الرواية ناجحًا ساحقًا واكتسبت شعبية كبيرة وخاصةً بين أوساط المراهقين، إلا أن العديد من النقاد هاجموا الرواية واتهموها بأنها تشجع على العنف والانحلال بل واتهمها بعضهم بأنها جزء من مؤامرة شيوعية شاملة، ولكن هذا أدى إلى نجاح القصة بشكل أكبر حيث زاد الإقبال عليها ورغبة الناس في قراءتها.

أشهر جريمة قتل حدثت متعلقة بالرواية هي حادثة قتل المغني والملحن الشهير جون لينون والذي كان عضوًا بفرقة البيتلز الشهيرة، حيث كان قاتله مارك ديفيد تشابمان هو شخص مختل عقليًا ومهووس بالرواية، حتى إنه رغب في تغيير اسمه إلى هولدن كولفيلد بطل الرواية، وقام باغتيال جون لينون بإطلاق أربعة أعيرة نارية على ظهره مما أدى لموته.

مذكرات تيرنر

هي رواية من تأليف ويليام لوثر بيريس مؤسس “الاتحاد الوطني” وهي مؤسسة عنصرية تمجد الرجل الأبيض، وقام بنشرها تحت الاسم المستعار أندرو ماكدونالد، وتتحدث الرواية عن شخص يسمى إيرل تيرنر يؤمن بتفوق العرق الأبيض ويقوم هو ورفاقه بعمل ثورة مسلحة للإطاحة بالنظام وتخليص المجتمع الأمريكي من أي شخص ليس أبيض، ومن ضمن أحداث الرواية يقوم بطل الرواية بتدمير مقر مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI بتفجير شاحنة محملة بنترات الأمونيوم وزيت الوقود.

لاحقًا قام تيموثي ماكفي Timothy McVeigh بتفجير المكتب الفيدرالي بولاية أوكلاهوما بطريقة تشبه إلى حد كبير الطريقة الموصوفة في الرواية، وفي أثناء القبض عليه عثر على نسخة من الرواية بحوزته، وقد أدى التفجير إلى مقتل 1688 شخصًا بما في ذلك حضانة مليئة بالأطفال.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست

خمسة روايات كلاسيكية تم تحويلها إلى أنمي ياباني

في العقود الأخيرة أصبح لمسلسلات وأفلام الأنمي شعبية كبيرة داخل وخارج اليابان، ويستمتع بمشاهدتها الكبار والصغار، ولكن ليست كل حكايات الأنمي تنبع من القصص والروايات اليابانية، بل بعضها مأخوذ عن روايات كلاسيكية غربية، تم الحفاظ على قصة بعضها، فيما تم أخذ الخطوط العريضة من روايات أخرى وتقديمها بشكل جديد ومختلف، وسنتعرف معًا على 5 روايات غربية تحولت إلى أنمي ياباني.

1 – أنمي الحديقة السرية

تدور أحداث الأنمي حول فتاة صغيرة اسمها ماري تعيش مع والديها في إحدى المستعمرات البريطانية بالهند، ولكن يتعرض والديها للموت بفعل وباء وتصبح البنت وحيدة فتعود إلى بريطانيا للعيش مع عمها، في قصره الكبير، وتبدأ الفتاة في الاعتياد على الحياة الجديدة وصمت عمها الغريب، لتكتشف بعد ذلك أن هناك حديقة سرية طالتها يد الإهمال وتبدأ في الاعتناء بها، ثم تكتشف أن لعمها ولدًا مريضًا يخفيه عن الأنظار، وتبدأ الأحداث في التعقد والتشابك لنعيش مع ماري الصغيرة حياتها في القصر والحديقة السرية.

والأنمي مقتبس عن رواية بنفس الاسم للكاتبة الإنجليزية فرانسيس هودسون برينت، والتي عرفت باهتمامها بأدب الطفل، ولها عدة روايات حُولت ثلاث منها إلى مسلسلات أنمي وهم رواية الأميرة الصغيرة التي تحولت إلى مسلسل يعرف في الوطن العربي باسم سالي، ورواية اللورد الصغير فونتلروي التي تحولت إلى مسلسل أنمي يعرف في الوطن العربي باسم الفارس النبيل، وأخيرًا رواية الحديقة السرية، وقد التزم المسلسل بأحداث الرواية بشكل كبير فمن يشاهد المسلسل وهو يعرف الرواية سيجد مشاهد كثير مألوفة في المسلسل.

2 – أنمي روميو وجولييت

أنمي روميو وجولييت هو مسلسل مقتبس عن المسرحية الشهيرة لويليام شكسبير، مع إشارة لشخصيات كثيرة من مسرحيات شكسبير الأخرى، ولكن القصة التزمت بالكاد بمسرحية شكسبير، أو بالخطوط العريضة، فتفاصيل الأنمي بها الكثير من الاختلافات عن النص الأصلي للمسرحية، فأحداث الأنمي تدور فوق نيو فيرونا الجزيرة التي تحلق في السماء، عن الخلاف بين منزلي مونتيجو وكابولي والحب بين روميو وجولييت، كما أن المسلسل به عديد من العناصر الخيالية والخارقة للطبيعة، مثل:

– الحصان التنين: وهو حصان بأجنحة وذيل تنين شبيهة بمخلوق البيجاسوس في الأساطير الإغريقية، وهو يستخدم للانتقال في أنحاء الجزيرة الطائرة كما أنه إشارة على الثراء فلا يمتلكه في نيو فيرونا إلا النبلاء.

– شجرة إسكالوس العظيمة: هي شجرة كبيرة وسحرية داخل قصر عائلة مونتيجو، وهي التي تبقى جزيرة نيو فيرونا محلقة في السماء، وتستمد قوتها وسحرها من طاقة الحب لدى الناس، وتعطيهم البركة وتطرح فاكهةً براقة، وفي أثناء أحداث المسلسل تبدأ الشجرة في الذبول وتصبح نيو فيرونا غير مستقرة.

3 – أنمي أليس في بلاد العجائب

مسلسل تدور أحداثه حول فتاة صغيرة تدعى أليس، تتبع أرنبًا أبيض صغير إلى حفرة، لتجد نفسها في بلاد العجائب، حيث تقابل عديد من الشخصيات المثيرة للاهتمام، مثل صانع القبعات المجنون، وملكة القلوب، وقط تشيشاير الغامض، ويتبع الموسم الأول من المسلسل قصة مغامرات أليس في بلاد العجائب للكاتب الإنجليزي لويس كارول، فيما يكمل الموسم الثاني من المسلسل أحداث الجزء الثاني من رواية أليس في بلاد العجائب والتي تحمل اسم “عبر المرآة، وما وجدته أليس هناك”، وبرغم التزام المسلسل بأحداث الروايات بشكل كبير، إلا أن هناك اختلاف رئيسي بين المسلسل والرواية وهو أن أليس في الرواية لا تعود إلى العالم الحقيقي إلا في نهاية الرواية، ولكن المسلسل تعود أليس إلى عالمها في نهاية كل حلقة.

تم دبلجة الجزء الأول فقط إلى اللغة الإنجليزية ولكن المسلسل لم يلق نجاحًا كبيرًا في أمريكا بسبب الشعبية الطاغية لفيلم أليس في بلاد العجائب من إنتاج ديزني، إلا أن المسلسل حقق نجاحًا كبيرًا في أوروبا وإيران والهند، كما اشتهر بشدة في البلاد العربية، ولعله يتفوق على نجاح فيلم ديزني.

4 -أنمي جانكوتسويو: كونت دي مونت كريستو

هو مسلسل أنمي مأخوذ عن رائعة الكاتب الفرنسي ألكسندر دوماس التي تحمل اسم “كونت دي مونت كريستو” والتي تم اقتباسها في عديد من الأعمال السينمائية والتلفزيونية، بجميع أنحاء العالم، فلم يكن غريبًا قيام اليابان باقتباسها في مسلسل أنمي، ولكن مثل روميو وجولييت فإن هذا المسلسل يضفي على القصة عناصر من الفانتازيا والخيال العلمي، فأحداث المسلسل تدور في القرن الـ51 تحديدًا عام 5053 وبه الكثير من العناصر الخيالية كالسفر عبر الفضاء وأجهزة الكومبيوتر والروبوتات وغيرها، كما أن هناك الكيان الشيطاني جانكوتسويو الذي يدفع الكونت للانتقام.

فالخطوط العريضة للأحداث تتفق كثيرًا مع الرواية، فهي تدور حول كونت مونت كريستو الغامض الذي يسعى للانتقام من الذين تسببوا بسجنه، إلا أن المسلسل يختلف عن الرواية التي تدور أحداثها في خط متسلسل من البداية للنهاية، فالمسلسل يبدأ في منتصف الأحداث بالفتى الغني ألبرت الذي ينتقل مع صديقه فرانس إلى مدينة مستقبلية تسمى لونا (والتي تقع في روما) هربًا من الملل ليلتقي بالكونت وينبهر بشخصيته الغامضة والذي يدعوه لزيارته في باريس، ليكتشف ألبرت بعدها أن الكونت يرغب في الانتقام منه ومن أبيه وأمه بسبب تلفيقهم تهمة له أدت إلى التسبب في سجنه وينتهي المسلسل نهاية تختلف عن أحداث الرواية.

5 – مسلسل الماسة الزرقاء

مسلسل ناديا: سر المياه الزرقاء والذي يعرفه الوطن العربي باسم “الماسة الزرقاء” هو مسلسل أنمي ياباني مقتبس عن أعمال الروائي الفرنسي جول فيرن، وبالتحديد رواية “عشرون ألف فرسخ تحت الماء” الشهيرة، وتدور أحداث المسلسل حول ناديا والفتى جين والقبطان نيمو الذين يسعون سويًا لإنقاذ العالم وكشف ماضي ناديا، ويتفق المسلسل مع الرواية في الخطوط العريضة ولكن توجد العديد من التفاصيل المختلفة بينهما، وقد قام المخرج الياباني الشهير هاياو ميازاكي بالعمل على تحويل قصة عشرين ألف فرسخ تحت الماء إلى مسلسل ناديا سر المياه الزرقاء.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست

مدرسة السحر بين إيرثسي وهاري بوتر

مدرسة سحر، سحرة يرتدون عباءات رمادية، غابة محرمة، وعصا سحرية خشبية، لا؛ لا أتحدث عن هاري بوتر بل عن “ساحر من إيرثسي”، ولمن لا يعرف الرواية الأخيرة فهي رواية صدرت للكاتبة الأمريكية أورسولا ك. لوجوين عام 1968، أي قبل أول رواية من هاري بوتر بثلاثة عقود، تبعتها روايات أخرى في السلسلة نفسها صدر آخرها بعنوان حكايات من إيرثسي سنة 2001.

في البداية دعونا نقر أن التشابه وارد كثيرًا بين الأعمال الأدبية وخاصة الفانتازيا، حيث يكثر الاقتباس واستعارة الأفكار بين الكتّاب، ولعل أكثر عمل تأثر به الكتّاب هو رواية سيد الخواتم لتولكين، حيث تأثر به العديد من كتّاب الفانتازيا، بل أصبح نوعًا أدبيًا مستقلاً وهو الفانتازيا التولكينية، وكذلك الحال في أعمال أدبية وفنية أخرى أثرت في العديد من الكتّاب ومنهم سلسلة إيرثسي.

وإيرثسي، عالم لوجوين المتخيل، عبارة عن أرخبيل يضم مئات الجزر المحاطة بمحيط عظيم، لا يعلم أحد مداه ولا نهايته، وتتحدث القصة عن جيد أو سباروهاوك، وهو صبي صغير نحيل يتبناه ساحر كبير وحكيم اسمه أوجيون، ولكنه لا يصبر على أسلوب تعليم أوجيون الرصين والبطيء فيرسله بناءً على طلبه إلى مدرسة روك، حيث يظهر الفتى تفوقًا ونبوغًا واضحًا، حتى يستفزه فتى من أصل سحري نبيل فيدفعه لمحاولة استدعاء روح من أرواح الموتى تفاخرًا، ولكن بدلاً من هذا يستدعي ظلاً لا اسم له يطارده حتى نهاية العالم في مغامرة مثيرة شيقة يجوب فيها البحار وجزر إيرثسي.

والآن، لنلقِ نظرة على التشابه بين السلسلتين “إيرثسي” و”هاري بوتر” فكلتاهما تدوران حول مدرسة تعلم السحر للسحرة الصغار، أكاديمية روك في إيرثسي وهوجوارتس في هاري بوتر، كلا المدرستين تقعان على جزيرة وأيضًا كلتاهما مخفيتان عن العالم الخارجي بسحر قوي مما يجعلهما محميتان من أي هجوم، كما يمنع غير السحرة “العامة” من الولوج إلى المدرسة.

كلا البطلين جيد من إيرثسي أو كما يطلق عليه سباروهاوك وهاري بوتر يتيمان وتمت تربيتهما على يد الخالة، كما أن كليهما أبديا إشارة إلى مهارات سحرية في سن صغيرة؛ مثل سحر جيد للأغنام في قريته وحديث هاري بوتر مع الأفعى في حديقة الحيوانات وغيرها.

كلتا المدرستين يديرهما ساحر عجوز ذو لحية فضية (دمبلدور ونيميرل) الذي لديه طائر أليف (العنقاء فاوكس لدى دمبلدور والغراب لدى نيميرل) وكليهما يموت قبل أن يكمل البطل مسعاه.

كلتا المدرستين لديهما غابة محرمة، ممنوع على الطلبة الصغار ولوجها، كما أن كلا البطلين لديهما حيوان أليف، فالبومة هيدويج لدى هاري بوتر والأوتاك لدى جيد وهو حيوان سحري مختلق في عالم إيرثسي، وكليهما يموتان على يد أعداء البطل.

كلا البطلين يحصلان على صديق من عائلة فقيرة لها خلفية سحرية، رون ويزلي في هاري بوتر وفيتش في إيرثسي، وكليهما لديهما أخت صغيرة تعجب بالبطل.

كما أن كلا البطلين يكون لديهما ند من عائلة سحرية أرستقراطية نبيلة، وينمو العداء بينه وبين البطل من اللحظة الأولى، (دراكو مالفوي وجاسبر) وتحدث مبارزة بالسحر بين البطل وبين الند.

كلا البطلين يذهبان لعالم الموتى ويعودان مرة أخرى وهي تجربة تترك أثرها الدائم على البطل.

ولعل أبرز مثال على التشابه بين السلسلتين أن كليهما لديه عدو (سيد الظلام فولدمورت لهاري بوتر، والظل الذي لا اسم له في إيرثسي)، وكليهما يكون مرتبطًا بعدوه بشكل لا يفهمه في البداية وعندما يقدر على فهمه يمكنه القضاء عليه، كما أن اللقاء الأول بين البطل وعدوه يترك في وجهه ندبة لا تنمحي، كما أن العدو يستطيع السيطرة على عقول الناس وجعلهم يأتمرون بأمره رغم إرادتهم، كتعويذة إمبيريو لدى فولدمورت، وقدرة الظل على تحويل الناس إلى جيبيث أي سلب إرادتهم، وكلا البطلين يكون عليهما في النهاية مواجهة عدوهما وحدهما دون مساعدة أصدقائهما.

وهناك الكثير من التشابهات الأخرى بعضها قوي وواضح وبعضها بسيط، ولكنها تشابهات مثيرة للاهتمام وتجعلنا نعتقد أن إيرثسي كانت هي الأصل الذي استوحت منه رولنج عملها الأدبي “هاري بوتر”.

وقد صدرت ترجمة للجزء الأول من سلسلة إيرثسي بعنوان “ساحر من إيرثسي” عن المركز القومي للترجمة من ترجمة د. منى النموري، وهي أول ترجمة عربية لهذه الرواية وتقول المترجمة عن سبب اختيارها لترجمة “ساحر من إيرثسي” أنها ودت أن تقدم الأصل الحقيقي لظاهرة هاري بوتر، وترى أنها رواية هامة وتمتد أهميتها لسن أبعد كثيرًا من نهاية مرحلة المراهقة، بل قد يحتاج المرء أن يقرأها ثانية في الخمسينات من العمر ليفهم حياته السابقة، ويمكن الحصول على الكتاب من مكتبة المركز القومي للترجمة.

ما بعد السحرة والتنانين: الأهمية الحقيقية للفانتازيا

الفانتازيا هي أقدم نوع قصصي عرفه الإنسان، فهي تعد جزء من اللاوعي الجمعي للجنس البشري، وقد امتلأت مخيلة الإنسان البدائي بحكايات عن الآلهة والبشر والسحرة والتنانين والوحوش الخيالية والأسطورية، كما أنهم وضعوا تفسيرات أسطورية للظواهر الطبيعية الغامضة التي وقف الإنسان البدائي حائرًا أمامها، مثل البرق: فهو مطرقة ثور عند الإسكندنافيين، وهو أسهم زيوس عند الإغريق، وأيضًا من الحكايات المشهورة عند الإغريق حكاية إيكو ونركاسيوس؛ فإيكو هي فتاة لعنتها الآلهة حيرا بسبب حب زيوس لها فأصبحت تردد آخر كلمة تسمعها، وكانت تحب الفتى الجميل نركاسيوس الذي لم يحب إلا نفسه، فتموت إيكو بعد ذلك من الحزن وتحرق أثينا جثتها لتنثر رمادها في الكون، فيتردد بعد ذلك صوت آخر كلمة يقولها الإنسان وهو إيكو Eco أي صدى الصوت.

كما أن نركاسيوس المغرور عشق صورته المرتسمة على صفحة المياه وهو يظنها جنية وقتل نفسه من الحزن، فحرقت الجنيات جثته لينبت منها زهرة النرجس لتصبح النرجسية رمز لغرور الإنسان وحبه لنفسه، وهكذا نجد أن الفانتازيا كانت وسيلة الإنسان القديم لمواجهة المجهول وقد صاغ كل ذلك في شكل ملاحم وأساطير بين الآلهة والبشر والمخلوقات الخيالية المختلفة.

وعلى هذا فالفانتازيا في ذلك الوقت لم تكن نوع قصصي، بل هي القصص الوحيد المعروف للإنسان، ويتمثل في الأساطير والملاحم والسير الشعبية، وهناك أعمال فانتازية قديمة مكتملة مثل ملحمة جلجامش الأشورية والإلياذة الإغريقية والشاهنامة الفارسية وغيرها، وأيضًا تعد حكايات ألف ليلة وليلة عمل فانتازي ضخم، وكذلك فالفانتازيا جزء من طفولة كل واحد منا، فمن لم يستمتع وهو صغير بحكايات الشاطر حسن وست الحسن والجمال وحكايات الجن والغيلان، ومن لم يتخيل نفسه وهو طفل صغير أنه بطل خارق ينقذ العالم، أو في مغامرة خيالية سحرية؟

أهمية الفانتازيا للطفل

ويقول العلماء إن الفانتازيا مفيدة للطفل؛ فهي تملأ الفراغ عند الطفل بين المعرفة knowledge والخبرة أو التجربةexperienceفمن خلال الفانتازيا يستطيع الطفل أن يجرب مشاعر مثل الخوف والحزن والفرح والمغامرة، ويستطيع الطفل أن يخوض مغامرة ويواجه المخاطر والصعوبات ويتعرف على المشكلات وحلها، كل ذلك في بيئة آمنة من خلال الفانتازيا، ويقول البروفيسور جون ستيفنز المحاضر في جامعة Macquarie بسيدني في أستراليا: “واحدة من فوائد الفانتازيا أنها تعطي القارئ الفرصة ليرى العالم بطرق مختلفة، فإنها تأخذ موقف افتراضي وتدعو القارئ أن يربط بين هذا الموقف الخيالي وواقعه الاجتماعي الخاص”، ويقول فيليب بولمان الروائي البريطاني الحائز على جائزة الجارديان: إن “الأطفال يحتاجون للفن والقصص والشعر والموسيقى، بقدر حاجتهم للحب والطعام والهواء النقي واللعب.”

ويعتقد البعض أن الفانتازيا مجرد هروب من الواقع وأنها لا تفيد الإنسان، وهذا غير حقيقي، فما الذي يستفيده الإنسان من الفانتازيا؟ فالحقيقة أننا عندما نقرأ الفانتازيا في سن صغيرة فإننا نفهم معنى الشجاعة والحكمة، وتجعلنا نفهم ما الصواب وما الخطأ، وتنقل لنا خبرات أجدادنا، بل أن هذا لا يقتصر على السن الصغيرة فقط، فالناضجون أيضًا يستفيدون من الفانتازيا والخيال عندما يقرأونها، كما أن الفانتازيا لا تنكر وجود الألم والمعاناة، فيقولKate Forsythمؤلف سلسلةThe Chain of Charm: إن “الفانتازيا مثل الشمعة تلقي الظلال في الوقت الذي تضيء فيه، ولكن لحظة الإضاءة هي الأهم، فالحكايات الخيالية تخبرنا أن الأمل والنهايات السعيدة موجودة طالما آمنا بوجودها، الفانتازيا تنكر اليأس، وتجعلنا نتمسك بالأمل في وجود عالم أفضل، وتشير إلى الطريق إليه.”

الفانتازيا والعقل المبدع

كما أن الفانتازيا تحفز على الإبداع والابتكار، وقد أثبت العلم أن من يقرأون الفانتازيا لديهم القدرة على الإبداع أكثر من غيرهم، فعلى سبيل المثال المخترعElon Musk عندما تم سؤاله عن أكثر الكتب التي تأثر بها أجاب بعدة كتب منها سيد الخواتم لتولكين وكتب فانتازية أخرى، وأيضًا واحد من أشهر العقول في القرن العشرين ألبرت أينشتاين، صاحب نظرية النسبية، يقول: “عندما أتأمل نفسي وأساليبي في التفكير، أجد أن هبة الفانتازيا (الخيال) عنت لي أكثر بكثير من موهبة الملاحظة والتفكير الإيجابي.”

وعلى هذا فالفانتازيا لا تقتصر على الفنانين، بل تصل إلى رجال الفكر من مخترعين وعلماء وغيرهم، وقد أدركت الجامعات والمراكز العلمية ذلك، لذا تم إنشاء أقسام ومراكز علمية متخصصة في الفانتازيا، مثل قسم الفانتازيا والحكايات الشعبية في جامعة تشتشستر في بريطانيا، وقسم الحكايات الشعبية في جامعة بيتسبرغ بولاية بنسلفانيا في أمريكا وغيرها.

ولهذا نستطيع أن نقول إن الفانتازيا جاءت لتبقى، وإن الإنسان مع كل كتاب لا يكتشف فقط عوالم خيالية جديدة، بل يكتشف جزءًا من ذاته، فهذا هو هدف الأدب سواء كان فانتازي أو واقعي، أن نعرف أنفسنا.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست

الفانتازيا بين تولكين وأندرسُن

الفانتازيا هي نوع من الأدب يستخدم السحر والخيال والأشياء الخارقة للطبيعة كعنصر أساسي للحبكة أو بناء تُبنى عليه الرواية، وتعتبر الفانتازيا قديمة قدم البشر ذاتهم، فقد امتلأت حكايات الشعوب البدائية وأساطيرهم بالخيال والسحر والصراع بين الآلهة والبشر، أو الصراع بين البشر والأجناس الخيالية الأخرى كالتنانين والغيلان وغيرهم، ولعل من أشهر الكتابات الشعبية القديمة في الفانتازيا هي حكايات ألف ليلة وليلة التي تعد جامعة لأساطير عدة شعوب شرقية، سواء عربية أو هندية أو فارسية.

أما مصطلح الفانتازيا فيطلق حاليًا على الفانتازيا الحديثة والتي بدأت مع كتابات عديدة مثل “الأميرة والجوبلِن” لجورج مكدونالد و”ملك النهر الذهبي” لجون روسكِن.

وقد شهدت الفانتازيا ازدهارًا كبيرًا في العصر الحديث، وخاصة مع ملحمة تولكين الغنية عن التعريف “سيد الخواتم” والتي تحولت في العقد السابق إلى فيلم سينمائي حقق نجاحًا كبيرًا، وبالرغم من أن تولكن له جمهور عريض يعده أبا الفانتازيا الحديثة، إلا أن هناك روايات عديدة مكتملة تنتمي إلى الفانتازيا تم نشرها قبل أن يولد تولكن وأثناء حياته، واعترف تولكين بتأثره بها ومنها رواية “ابنة ملك الجن (1) “للمؤلف البريطاني لورد دُنساني، ورواية “التنين أوروبُروس” للكاتب إيرك إديسون وغيرهما.

السيف المكسور وسيد الخواتم

ومع شهرة سيد الخواتم لجأ العديد من الشباب إلى الإقبال على قراءة وكتابة الفانتازيا، ولكنهم بدلًا من أن يرجعوا إلى المصادر الرئيسية التي أخذ عنها تولكين ويستلهمون منها فقد لجأوا إلى تقليد ومحاكاة تولكين فأتت أعمالهم سطحية بها بعض الجن وبعض السحر بدون عمق حقيقي أو حبكة حقيقية أكثر من محاولة محاكاة تولكين.

ويعود ذلك لظنهم أن تولكن هو مؤسس الفانتازيا، كما أن الكثير من الأعمال التي كُتبت قبل تولكن في مجال الفانتازيا اختفت تحت ظلال شهرة سلسلة سيد الخواتم، ومن الروايات التي اختفت تحت ظلال شهرة تولكين رواية “السيف المكسور” للكاتب الأمريكي ذي الأصول الدنماركية بول أندرسن، ويعد هذا الكتاب من الملاحم الفانتازية المغمورة، فقد صدر هذا الكتاب في السنة ذاتها لصدور “صحبة الخاتم” الجزء الأول من “سيد الخواتم”، ولكنه على عكس الكثير من الملاحم الفانتازيا الحديثة التي تستقي كل شيء من تولكين؛ فإن بول أندرسن – بحكم أصوله الدنماركية – يستقي عناصر ملحمته من الأساطير الشمالية التي استقى منها تولكين؛ وهذا أدى إلى وجود العديد من التشابهات بين الملحمتين؛ مثل وجود الجن طوال القامة والأقزام (2) الذين يعيشون بالأعماق، وحتى التشابه بين بعض الأسماء مثل القزم ديرين عند بول أندرسن الذي يشبه في اسمه دورين عند تولكين وكليهما يرجع إلى اسم أحد الأقزام في الأساطير الشمالية، بل وحتى السيف المكسور الذي يشير إليه عنوان الكتاب يوجد أيضًا في سيد الخواتم حيث إنه السيف الذي قام أراجورن بإصلاحه واستخدامه في المعركة الأخيرة وهذا السيف المكسور هو جزء من الأساطير الشمالية.

وفي الوقت الذي نجد فيه أن تولكين قد أخذ الأساطير الشمالية وأعاد صياغتها وحبكها ليخلق عالمه الخاص، فإن رواية أندرسُن تقع في عوالم الأساطير الشمالية نفسها، فهناك ألفهيم أرض الإيلف أو الجن وترولهيم أرض الترول ويوتنهيم أرض العمالقة الزرق وأزجارد أرض الآلهة وبالطبع ميدجارد أرض البشر والتي تعني بالمناسبة “الأرض الوسطى” وهو الاسم الذي تم ذكره أيضًا في ملحمة بيوولف التي ترجمها تولكين وهو الاسم الذي استوحى منه بعد ذلك أرض ملحمته.

كما أننا نجد في رواية أندرسُن ذكر لبعض الآلهة الشمالية القديمة مثل أودين وثور وتير وأيضًا ذكر لوكي وإشارة إلى راجناروك أو معركة نهاية العالم كما في الاساطير الشمالية، فهكذا استغل أندرسُن العالم الثري الموجود بالفعل ونسج على نوله روايته الخاصة.

هذا بالنسبة للعالم، فماذا عن الشخصيات والأحداث؟

في حين أن تولكين يتفوق بلا منازع في بناء العالم وتفاصيله، إلا أن أندرسُن استطاع رسم شخصيات أكثر عمقًا وتشويقًا، حيث لا يوجد هنا خير مطلق أو شر مطلق، فهناك الكثير من المناطق الرمادية في شخصيات الرواية، حتى بطل الرواية سكالفوك يسقط في ظلامه الخاص، وأيضًا هناك شخصية فالجارد البطل الآخر الذي يثير سؤالاً وجوديًا وهو هل يولد الإنسان بطبيعة خيرة أو شريرة أم يقوم هو بتحديد مصيره الخاص؟ كما أن أندرسُن خلق أكثر قصة حب معقدة ومؤثرة من بين كل قصص الحب التي قرأتها طوال حياتي، فلا يوجد شخصية سطحية أو نمطية وكل شخصية تتحرك بدافع وبهدف خاص بها.

القصة أيضًا ليست مثل الشاير عند تولكين أو نارنيا عند لويس تلك الأراضي الخضراء المرحة التي تشعرك بالدفء، بل هو عالم قاسي بارد، يقع تحت مطرقة الحرب، القصة أيضًا ناضجة فهناك الكثير من المشاهد المؤلمة وهناك الكثير من القتل، ومع ذلك فإن كل شخصية تموت في هذه الرواية تخدم الحبكة ولا تخلق الفوضى بل تدفع الرواية وحبكتها للأمام.

فالملامح الفانتازية ليست حديثة العهد كما يظن البعض ولم تبدأ في الظهور مع تولكين، بل سبقه وعاصره العديد من الكتاب الناضجين والمتمكنين من قلمهم، وهذا لا يعني التقليل من تولكين أو عمله، فهو قد قام بتحقيق تحفة فنية ليس لها مثيل، بل السعي لتقليد تولكين لا في قصصه ولكن في المجهود الذي بذله لبناء أعماله، والعودة إلى المنابع الأصلية للفانتازيا من أساطير وحكايات شعبية وملاحم قديمة، ولو فعل الشباب ذلك لرأينا أعمال فانتازية عظيمة تعود للظهور على الساحة مجددًا.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست