عندما يأتي

“لا أعرف إن كانت تلك خاطرة أم قصة قصيرة، كل ما أذكره أنني كتبتها من سنوات طويلة، عند وفاة إبنة عمي في سن السادسة، كل ما استطعت فعله حينها هو نقل مشاعري إلى الورق، مازال هذا الإحساس يراودني كلما مات شخصٌ عزيزٌ على قلبي؛ ترى! متى سأراه مجددًا؟”

– أحمد صلاح المهدي / 29 سبتمبر 2017

وقفت بجانبها نشاهد الشمس وهي تقطع رحلتها السرمدية نحو الغروب، والأفق يبتلع قرص الشمس ويتلون بالشفق الأحمر؛ ثم قالت لي بسذاجة سنوات عمرها الست:

– أين تذهب الشمس عند الغروب؟

نظرت لها مبتسمًا وقلت:

– الشمس تموت ليولد القمر.

صمتت قليلًا، ثم قالت:

– ولكن القمر يرحل هو أيضا في الصباح، فأين يذهب؟

فقلت لها:

– يموت من أجل أن تولد الشمس من جديد.

نظرت إلي الأفق البعيد تراقب اختفاء أخر خيوط الشمس وقالت:

– لماذا يتلون الأفق بلون أحمر؟

شردت وأنا أتأمل الشفق وقلت:

– السماء حزينة، إنها تبكي بالدماء على رحيل الشمس.

ظلت صامته متعلقة بذراعي وهي تراقب لحظات الشمس الأخيرة، وفجأة سمعت صليل أجراس؛ إنه هو برداءه الأسود يقترب رويدًا رويدًا!

أمسكت بها، احتضنتها بذراعيّ، وأنا أنظر بعيدًا عنه، لعله يختفي؛ لكنه واصل اقترابه حتى أمسك بيدها وقال بصوتٍ عميقٍ يأتي من عالمٍ آخر:

– ستأتي معي.

تشبثت بها جزعًا وقلت:

– ولكنها مازالت صغيرة!

أنتزعها من حضني وهو يقول بصوته العميق:

– دقت اجراس القدر، لا أحد يمتلك الاعتراض.

نظرت هي إليّ مبتسمة ببراءة، لم تكن خائفة، بل استسلمت الى يده وهي تجذبها نحو الغروب، فسالت الدموع من عينيّ وتلونت بلون الشفق الأحمر بينما اراقبها وهي تختفي مع أخر شعاع للشمس.

أدركت حينها أنى لن أراها مرةً أخرى، إلا عندما يأتي.

ـ تمت ـ

Illustration by: Aoi Ogata

ساعة الذئب

إنها الساعة التي تفصل الليل عن الفجر، يُقال إنها الساعة التي يموت فيها أغلب البشر، والتي يولد فيها أغلب الأطفال، الساعة التي يهاجم فيها النائمين أسوء كوابيسهم، ويطارد المستيقظين أسوء مخاوفهم، الساعة التي تستيقظ فيها أحيانا فجأة من النوم وحلقك جاف وتشعر أنك لست وحدك، تلك هي ساعة الذئب.

مهلا لم أعرفك بعد بنفسي، اسمي محمد، أعمل مهندس بإحدى المشاريع المعمارية بمحافظة بعيدة، عملي هو الإشراف على مجموعة كبيرة من العمال، وهو عمل مرهق يلتهم ساعات طويلة من يومي، مما يجعلني أعود إلى شقتي منهكًا فآخذ حمامًا دافئًا وأتناول العشاء البسيط الذي أعده سريعًا كيفما اتفق، وربما أتصفح الانترنت قليلًا، قبل أن أترك الكومبيوتر وأستلقي على السرير مستغرقًا في نومٍ عميق.

يشاركني السكن مهندس زميل اسمه عمر، يشرف كلانا على هذا العمل، إلا أننا لا نتواجد سويًا كثيرًا، ففي الغالب يكون أحدنا في عطلة بينما يبقى الآخر وحده لمباشرة العمل، ثم نتبادل الأدوار. في هذه الأيام كان عمر في عطلته، بينما بقيت وحدي للإشراف على العمال، وبعد يوم عمل طويل مرهق عدت إلى سكني وقمت بروتيني اليومي المعتاد، ثم جلست قليلا على الكومبيوتر اتصفح بعض الرسائل وأرى إن كان هناك أخبار جديدة، تركت الكومبيوتر دون أن أغلقه كعادتي، فهو يدخل في حالة من السبات بعد ثلاثة دقائق من عدم الاستخدام، وتوجهت ناحية السرير باحثًا عن السبات بدوري.

زحف النوم على جفنيّ مسدلًا غلالته الشفافة الرحيمة على جسدي المنهك، وسرعان ما غرقت في النوم، لم أعرف كم من وقت مضى قبل أن أستيقظ من نومي فزعًا، اعتدلت في جلستي وأنا أكافح ألهث بشدة كأنني كنت أركض، وألم شديد يجتاح جسدي كله.

ظللت مستلقيًا في سريري لبضعة دقائق ألتقط أنفاسي وأستجمع أفكاري، ثم تحاملت على نفسي واعتدلت جالسًا ونظرت إلى الساعة الموضوعة على منضدة صغيرة بجوار السرير فوجدت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، أحسست بعطشٍ شديد فتوجهت ناحية الثلاجة لتناول بعض الماء البارد، ثم ذهبت للحمام، قبل أن أتوجه ناحية السرير لأغرق في النوم مرة أخرى، ولم يوقظني أو يزعجني شيء حتى استيقظت وحدي في الصباح. توجه ناحية الصالة في طريقي إلى الحمام ولكن استوقفني شيء غريب، كانت شاشة الكومبيوتر مضاءة. أعرف أنها لا تضيء إلا إذا قمت بالضغط على مفتاح من لوحة المفاتيح أو قمت بتحريك الفأرة فكيف أضاءت من نفسها؟ أنا متأكد أنها لم تكن مضاءة عندما استيقظت في الثالثة، ثم قلت لنفسي لا شك أن الهواء حرك الفأرة أو شيء ما.

توجهت للحمام وغسلت وجهي وأنا أتأمل ملامحي المرهقة في المرآة، ثم توجهت للمطبخ وأعددت فطورًا بسيطًا تناولته بلا شهية حقيقية، بعدها غيرت ملابسي وتوجهت للعمل لأقضي يومًا طويلًا مرهقًا كالعادة. بنهاية اليوم عدت إلى سكني، أنتم تعرفون الآن ما أفعله لذا لن أرهقكم بتكراره، ولكن في النهاية توجهت إلى سريري لأغط في نومٍ عميق.

في الساعة الثالثة بالضبط استيقظت فزعا، شيء ما أيقظني لا أعرف ما هو! تكرار الأمر للمرة الثانية أزعجني، فالنوم بالنسبة لشخص مثلي يرهق نفسه بالعمل طوال اليوم، تحول بمرور الوقت لطقس مقدس لا يجب مقاطعته، الذي يزعجني أكثر أنني لا أعرف ما الذي يوقظني كل مرة، ولماذا أشعر بالفزع؟ استعذت بالله من الشيطان، ثم مررت بالصالة ونظرت طويلا ناحية الكومبيوتر، الشاشة سوداء، لا شيء، تناولت بعض الماء من زجاجة في الثلاجة، ثم ذهبت للحمام، قبل أن أعود وأكمل نومي.

في الصباح عندما استيقظت كان في انتظاري شيء غريب أخر، وجدت باب الثلاجة مفتوح على آخره، مددت يدي ومسست الطعام كان دافئا، هذه الثلاجة ظلت مفتوحة طوال الليل، حاولت التذكر إن كنت نسيتها بعد أن شربت؛ ولكن لا، أنا أذكر جيدا أني أغلقتها، ربما لم أحكم اغلاقها وتسبب تيار هواء في فتح الباب! كنت مستعد دوما لإلقاء اللوم على الهواء.

مر يومي على خير، ولكن في المساء استيقظت فزعا للمرة الثالثة، الامر تحول من مزعج لمخيف، شربت بعض الماء، ذهبت للحمام، تأكدت من غلق الثلاجة بإحكام شديد، تأكدت من أن شاشة الكومبيوتر مطفأة، قمت بتشغيل قرآن على هاتفي ووضعته بجواري، واستسلمت للنوم وانا استعيذ بالله من الشيطان.

استيقظت صباحا، كان أول ما خطر على بالي أن أبحث عن شيء غريب حدث وانا نائم، الكومبيوتر كما هو، الثلاجة كما هي، كل شيء في موضعه. حمدت الله وأحسست بارتياح غريب.

بعد أن تناولت فطوري توجهت لغرفة نومي لتغيير ملابسي، وبمجرد أن فتحت الدولاب تراجعت فزعا. كان هناك دماء على هيئة كف مرتسمة على ظهر الدولاب الخشبي، لم تكن هناك من قبل أنا متأكد، هذه الدماء ظهرت اليوم فقط.

لو كان الامر مزاحًا فقط تخطى حدوده، فهذا المزاح من النوع الثقيل المزعج، ولكن شيء آخر بداخلي أخبرني أن هذا ليس مزاحا. في العمل لاحظ عدة أشخاص أنني لست على طبيعتي ولكنني عزوت ذلك إلى الإرهاق من العمل. لحسن الحظ عاد زميلي عمر من عطلته في هذا اليوم، أحسست بداخلي براحة كبيرة أنني لن أقضي الليل وحدي في هذا اليوم، أحس هو أيضا أن هناك شيئا ما يقلقني ولكنني لم أخبره بما حدث كي لا أثير خوفه.

استيقظت في هذه الليلة وإحساس غريب ينتابني، جسدي كله مشلول لا أستطيع تحريك إصبع واحد حتى، ولا أستطيع حتى أن أتكلم أو أهتف أو أستنجد. أعرف هذه الظاهرة قرأت عنها من قبل، فهي عندما يستيقظ عقلك قبل جسدك فلا تستطيع الحركة. كما أنني مررت بها عدة مرات قبل ذلك، فهدأت قليلا وحاولت أن أسترخي، أحيانا أستطيع العودة للنوم مرة أخرى. سمعت صوتا بالخارج، هناك أحد بالصالة، كانت الخطوات تقترب ناحيتي، نظرت من طرف عيني فرأيت عمر ينظر ناحيتي صامتا عدة لحظات ثم قال:

– لا تتحرك!

أردت أن أقول له ساخرا أنني لا أستطيع الحركة بالفعل، ولكنني لاحظت أنه لا ينظر إليّ، بل إلى شيء أمامي، نظرت فلم أر شيئا، ثم رأيت ظلي على الحائط، نائم على السرير، ولكن هناك ظل شيء جاثم فوق صدري، وفجأة تكون الشكل أمام عيني عبارة عن شكل هلامي شبه شفاف، وفجأة قفز من فوق صدري مبتعدا، فصاح عمر:

– فلتمسك به معي!

أحسست أنني تحررت وأن اطرافي استعادت حيويتها، انطلقت وراءه راكضا ولكنني لاحظت شيئًا غريبًا وأنا أركض، رأيتني نائما على السرير مغمضاً عيني. لا أعرف كيف أرى نفسي، ولكنني استمريت في الركض لاحقا بعمر، كان باب غرفته مفتوحا بالداخل لمحت عمر ينام فوق سريره، ويبدو عليه غارقا في النوم. لا أعرف ما الذي يحدث، ولكنني صممت على الإمساك بهذا الكائن قمنا بحصاره سويا أنا وعمر، وبالنهاية أمسكنا به، كان رخوا هشا، أتعجب كيف كان جاثما على صدري، بقوة، كان مكونا من مادة هلامية بنية وبداخلها لمحت عظاما بيضاء. أخذت أقرأ ما أحفظ من القرآن فوجدت العظام تتحول إلى اللون الأحمر وهذا الكائن يصرخ صرخات حادة تخترق أذني، بل أشعر أنها تخترق مخي ذاته، حتى احترق تماما.

استيقظت في هذه اللحظة من النوم فوجدت نفسي نائما في سريري، اعتدلت جالسا بضعة دقائق، ثم توجهت ناحية غرفة عمر فوجدته نائما بدوره، عدت إلى غرفتي وجلست على سريري أفكر حتى غرقت في النوم مرة أخرى.

استيقظت في الصباح فوجدت عمر مستيقظا ويقوم بإعداد كوب شاي في المطبخ فقلت له:

– ألم يحدث شيء غريب بالأمس؟

فقال:

– لا لم يحدث شيء.

ثم فكر قليلا قبل أن يقول:

– في الواقع حدث شيء غريب، لقد استيقظت في الساعة الثالثة فزعا بدون سبب محدد، فقمت بتشغيل قرآن وعدت إلى النوم.

ثم التفت إليّ وقال:

– لم تسأل؟

فقلت له:

– لا شيء، مجرد حلم.

ولكني أحسست أنه لم يكن حلمًا، ولكن من يدري حقًا ماذا كان؟ من يدري؟

ـ تمت ـ