نهاية العالم من الميثولوجيا إلى الأدب

الإنسان يخاف من المجهول، والمستقبل هو أكبر مجهول في حياتنا، وبالطبع يميل المتشائمون إلى توقع الأسوأ، ومن رحم هذا الخوف وُلِد أدب ما بعد الكارثة أو ما بعرف باسم Post-Apocalypse هو نوع فرعي من أدب الخيال العلمي، يدور في المستقبل القريب أو البعيد، ويدور حول كارثة تؤدي لدمار الحضارة، قد تكون هذه الكارثة بفعل الإنسان مثل الحرب النووية، أو لسبب خارج عن إرادة الإنسان كالأوبئة والتغيرات الجوية، بعض الروايات تتناول الكارثة ذاتها، ومكافحة البشر للنجاة في تلك البيئة القاسية، وبعضها يتناول محاولة الناس للتكيف على الحياة بعد الكارثة.

والحديث عن نهاية العالم بشكله المعروف هو أمر ليس بجديد، بل هو قديم قدم الحضارة الإنسانية ذاتها، فلا تخلو ديانة أو ميثولوجيا من محاولة تخيل نهاية العالم، مثل معركة راجناروك في الميثولوجيا الإسكندنافية، وأسطورة الشموس الخمس أو نهاية دورة الزمان الخامسة عند حضارة الأزتك.

 

Ragnarök by Rasmus Berggreen

 

ولكن أدب ما بعد الكارثة بشكله الحديث لم يظهر إلا مع بدايات القرن التاسع عشر وخصيصًا مع رواية “الرجل الأخير” (1826) لماري شيلي والتي تدور حول مجموعة من البشر يكافحون للبقاء في عالم يجتاحه الوباء، ورجل يصارع من أجل إبقاء عائلته آمنة، ولكنه في نهاية الرواية يصبح الرجل الوحيد المتبقي على قيد الحياة. تلتها أعمال أخرى مثل رواية “المحاورة بين إيروس وتشارميون” (1839) لإدجار ألان بو وهي عن محاورة بين روحين في الحياة الأخرى، يتحدثان عن كيفية دمار الحياة على سطح الأرض عن طريق اصطدام نيزك بالأرض أدى إلى فقدان النيتروجين من الغلاف الجوي وفناء البشر في الاحداث التالية لذلك الاصطدام. وهناك أمثلة أخرى كثيرة مثل “آلة الزمن” (1895) و”حرب العوالم” (1898) لـ إتش جي ويلز و”بعد لندن” (1885) لريتشارد جيفريس ورواية “الآلة تتوقف” لـ إي. إم. فورستر (1910) وغيرهم.

ورغم ذلك لم ينل هذا النوع من الأدب شهرته وشعبيته إلا في منتصف القرن العشرين، مع حلول الحربين العالميتين، ورؤية الإنسان لما قد تفعله القنابل النووية، فأصبحت نهاية العالم ممكنة وليس ضربًا من الخيال، فتصدرت فكرة الكارثة النووية هذا النوع من أدب، وظهرت روايات مثل “الإنذار الأحمر” (1958) لبيتر جورج والتي تتحدث عن أول ساعتين من الحرب العالمية الثالثة، والتي حولها المخرج الشهير ستانلي كوبريك إلى فيلم سينمائي، ورواية “على الشاطئ” (1957) لنيفيل شوت والتي تتحدث عن اندلاع الحرب العالمية الثالثة النووية وتبدأ بحرب بين ألبانيا وإيطاليا ثم يتطور الأمر لصراع بين الناتو والاتحاد السوفيتي، وقد تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي أيضًا، وهناك العديد من الأمثلة الأخرى.

 

Nuclear Winter by Emilis Baltrusaitis

 

في وقتنا الحاضر يعد سيناريو “ما بعد النفط” هو الأشهر في أدب ما بعد الكارثة، والصراع على موارد الطاقة بين القوى العظمى، ولعل الأشهر في هذا اللون سلسلة أفلام “ماد ماكس” مع الجزء الذي عرض سنة (1979) وتدور أحادثه في مستقبل استنزف فيه الوقود وما تبعه من نقص شديد في موارد الطاقة وانهيار لمنظومة القانون والقيم والأخلاق. وفي رواية “عالم صنع باليد” لجيمس هوارد كونستلر (200) يتخيل الكاتب الحياة في شمال ولاية نيويورك بعد نقص موارد النفط العالمية والدمار الشديد الذي تعرض له الاقتصاد الأمريكي على إثر ذلك مما يجبر الناس والمجتمع على التكيف في حياتهم اليومية بدون نفط رخيص. وفي في رواية اللاعب رقم واحد لدوغلاس كوبلاند (2010) نرى أربعة أشخاص يلجؤون إلى حانة مطار في تورنتو بينما تحدث في الخارج سلسلة من الأحداث الكارثية. وتروي قصة “النور الأخير” وتكملتها “ما بعد النور” بقلم أليكس سكارو سقوط الحضارة البريطانية بعد حرب في الشرق الأوسط تستزف أغلبية موارد الأرض من النفط.

وهكذا نرى أنه كلما ظهر مصدر جديد لخوف الإنسان تلي ذلك تصور جديد لنهاية العالم، وألوان جديدة من أدب ما بعد الكارثة، الخوف من سيطرة الروبوت على الإنسان، الخوف من الغزو الفضائي، وسيستمر الأمر كذلك حتى نهاية العالم الحقيقية، أو ما بعدها.

 

نشر المقال للمرة الأولى على موقع الميادين

هكذا تسللت ميثولوجيا لافكرافت إلى اللاوعي الجمعي

يعد هوارد فيليبس لافكرافت من الكُتّاب القلائل الذين يتركون ورائهم تأثيرًا كبيرًا لا على الأدب وحده، ولكن على الثقافة البشرية بشكلٍ عام، فيمكن أن ترى إشارات وتلميحات واقتباسات إلى عناصر عدة من أعمال لافكرافت في العديد من أشكال الفن كالروايات والمسرحيات والأغاني والسينما وألعاب الكومبيوتر، وأصبحت كلمات من كثولو وآرخام ونيكرونوميكون معروفة لدى العديد من الناس حتى هؤلاء الذين لم يقرؤوا أعمال لافكرافت.

ما يجعل الأمر أكثير إثارة للحيرة هو أن لافكرافت عاش حياته بلا أي شهرة، ولم تتعدى قراءة أعماله دائرة أصدقائه ومعارفه وعدد قليل من متابعي المجلات التي كان ينشر بها، بل أنه نفسه كان يتنبأ باندثار أعماله بعد موته، فما سر تلك الشعبية الطاغية لأعمال لافكرافت؟

العديد من الكتاب وخصوصا في الفانتازيا يسعون إلى خلق العوالم والميثولوجيا الخاصة بهم، وكثيرًا ما يتم الإشارة إلى أعمال بعض الكُتاب الفانتازية بأنها ميثولوجيا، مثل ميثولوجيا تولكين في السيلماريليون، أو ميثولوجيا سي. اس. لويس في نارنيا، ولكن هذه الأعمال لا تصنف كميثولوجيا حقيقية، بل يظل تصنيفها رواية، عمل إبداعي لكاتب استطاع أن يخلق عالم بكل تفاصيله، ولكنهم لم يصلوا حقًا إلى مرحلة الميثولوجيا، وذلك لأنهم يفقدون عنصر هام موجود في ميثولوجيا الشعوب المنتشرة على نطاق واسع، وهي دورة المحاكاة.

المقصود بدورة المحاكات هي بداية القصة بفكرة صغيرة، يتم تداولها وتحريفها وتضخميها مرارًا وتكرارًا، لتعكس شيئًا جديدًا في كل مرة متعلق براوي تلك القصة، فكل الحكايات والأساطير القديمة عن الآلهة والوحوش الأسطورية والأبطال هي مجرد انعكاس لأفكار البشر ومشاعرهم وطموحاتهم ومخاوفهم.

بشكلٍ ما استطاع لافكرافت أن يحقق ذلك لسبب بسيطة وهو أنه لم يكن يكترث ببناء عالم، بل جاء بسبب عادة لديه أثناء الكتابة وهي أن يشير إلى نفس العناصر مرارًا في أعمال مختلفة، وقد يكون لإحداها دورًا صغيرًا في إحدى القصص، ثم يصبح لها دورًا أكبر في أعمال أخرى. فمدينة آرخام على سبيل المثال ظهرت للمرة الأولى في قصة “هربرت ويست المعيد إلى الحياة” ثم ظهرت بعدها بسنوات في قصة “الاحتفال” ثم أصبحت نقطة مركزية للأحداث الخارقة للمألوف في كل أعماله. وفي قصته الشهيرة “الظل فوق إنزماوث” يكون لداجون أحد الكيانات القديمة دورًا كبيرًا، ولكن العديد من القراء لا يعرفون أنه قد ظهر قبلها بأربعة عشر عامًا في قصة قصيرة للغاية بعنوان “داجون”.

 

شخصية غريبة الأطوار

 

 

النقطة المهمة الأخرى هي شخصية لافكرافت غريبة الأطوار، فبسبب المعاناة التي مر بها في طفولته أصبح لافكرافت شخصًا منطويًا وأغلب تواصله مع المحيطين فيه كان عبر الخطابات، التي ترك وراءه عشرات الآلاف منها، في تلك الخطابات كان يشجع أصدقائه والكتاب المبتدئين على مشاركته عالمه، والبناء على أساس أساطيره، وأحد هؤلاء المشاركين هو كلارك أشتون الذي قدم مخلوقًا يدعى “تساثوجوا” تم التلميح له لاحقًا في بعض أعمال لافكرافت، مثل “الهامس في الظلام” و”الرعب في المتحف” و”على جبل الجنون”.

كتب فرانك لونج في المقدمة التي لم تنشر لقصته “آكلو الفضاء” اقتباسًا غير موثوق المصدر لكتاب لافكرافت المسمى “النيكرونوميكون” من المفترض أن من ترجمه هو جون دي العالم الحقيقي الشهير الذي لعب دورًا كمستشارٍ للملكة إليزابيث، لاحقًا ضم لافكرافت هذه الترجمة إلى عالمه مشيرًا إلى اسم جون دي كمترجم للعمل في بعض خطاباته عن تاريخ النيكرونوميكون.

بتلك الطريقة صنع لافكرافت قاعدة عريضة يدعم بها عالمه، ترك لافكرافت العديد من التفاصيل الغامضة، والقطع الناقصة في أعماله، والتي ملأها بعده الروائيين والموسيقيين وصانعي الألعاب لتتفرع الحكايات أكثر وأكثر وتكتسب المزيد من التفاصيل ويظهر منها العديد من الأطوار والنسخ، تمامًا كما حدث من الخرافات والأساطير قديمًا.

وكما تعكس الأساطير الشعبية مخاوف ومشاعر تلك الشعوب، فقد عكست أساطير لافكرافت أفكاره ومشاعره ومخاوفه الخاصة؛ فلسفة لافكرافت حول العالم والحياة البشرية هي فلسفية عدمية، يرى عبثية الحياة أمام هذا الكون العشوائي الأعمى، ونرى ذلك متجسدًا في الدور الضئيل الذي يلعبه البشر في أعماله أمام الكيانات الهائلة المخيفة التي لا تكترث بالبشر، مثل أزاثوث الإله الأعمى الذي لا يفصله عن الكون المألوف سوى غشاء رقيق، إنه قوة فوضوية مخيفة قادرة على تدمير الكون كله، ولا يستطيع أحد من الكيانات القديمة الوقوف أمام وجهه. كما أن العديد من أشكال الحياة قد انبثقت بالصدفة من الإلهة العمياء شَب ـ نيجوراث التي أنجبت العديد من الكيانات القديمة مثل كثولو وتساثوجوا ونج ويب. في الميثولوجيا يكون لإلهة الخصوبة دور كبير ويتم الإشارة للإنجاب باعتباره طقس مقدس، أما لافكرافت فكان يعبر عن سخطه على الحياة وربما احتقاره لها. حتى كثولو نفسه يمثل تلك العدمية والسخط، فصحوته الأخيرة ستؤدي إلى فناء البشر ودمار كل ما بنوه على تلك الأرض، لا شيء سيبقى، الكل سيفنى. وقد صنفه الناقد الإنجليزي كولن ولسن بأنه من الكتٌاب الرافضين للواقع المعاش، وقال في كتابه المعقول واللامعقول في الأدب الحديث أن لافكرافت يهرب من الواقع بطريقة هستيرية ساخطة، تبتعد كثيرًا عن الايجابية والمعقول.

 

خطورة المعرفة

 

 

نرى أيضًا فلسفته حول خطورة المعرفة وعدم قدرة البشر على تحمل الحقيقة في الكثير من أعماله التي يصاب أبطالها بالجنون لأنهم عرفوا أكثر من اللازم، ويتجسد ذلك في يوج ـ سوثوث الذي يعرف الماضي والحاضر والمستقبل، ويهب المعرفة لمن يسعى ورائها ويطلبها، ودومًا ما تؤدي تلك المعرفة إلى الجنون، ولعل ذلك يعكس شغف لافكرافت دومًا بالعلم وما تبع ذلك من فشل أكاديمي.

أشرنا أيضًا إلى شخصية لافكرافت المنطوية غريبة الأطوار، ولكنها لا تقف عند هذا الحد، فلافكرافت كان عنصريًا ولديه خوف من الغرباء، وأي شيء خارج نطاق عالمه المألوف في نيو إنجلاند، وأعماله الأولى خصيصا مليئة بالإشارات العنصرية حيث يضع الرجل الأبيض في مكانة أعلى من البشر الآخرين، ونرى اسقاط ذلك في بعض الكيانات القديمة في أعماله مثل “نيرلاثوتب” المخادع المتحول، الوحيد الذي يستطيع التحرك بحرية عبر الغشاء الذي يفصل بين العالم المألوف وعالم الآلهة الخارجية، إنه يرمز لتسلل الغرباء إلى عالمنا المألوف، ونرى أيضًا جنس قاطني الأعماق الذين يتجانسون مع البشر في “الظل فوق إيزنماوث” الذين يحملون العديد من الإشارات والدلائل على خوف لافكرافت من الآخر، والجدير بالذكر أن حدة تلك العنصرية قد خفت كثيرًا في أعماله اللاحقة، ويصفه بعض النقاد بأنه ضحية فترة عنصرية في بلدة عنصرية، وبالتأكيد فإن طبيعته المنطوية قد ساهمت في تعزيز ذلك الخوف والعنصرية.

يمكن رؤية تلك الاسقاطات في كل أعماله، فهو لم يستخدم تلك العناصر مرارًا وتكرارًا لأنه كان يرغب في بناء عالم، بل لأن تلك العناصر هي إسقاطات لمشاعره ومخاوفه، وهذا هو سر شعبية تلك الأعمال، فكما استخدم القدماء الأساطير والآلهة مثل زيوس أو ثور أو إيزيس أو عشتار كتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم ومخاوفهم، كذلك نستخدم نحن أساطير لافكرافت للتعبير على سخطنا على الحياة أو خوفنا من الآخر أو احساسنا بضآلة الجنس البشري أمام قوى أخرى مخيفة مجهولة تقبع لنا في الظلام.

 

نشر المقال للمرة الأولى على موقع الميادين

الوينديجو

يعد الكاتب الإنجليزي ألجرنون هنري بلاكوود (14 مارس 1869 – 10 ديسمبر 1951) الذي عاش في أواخر العصر الفيكتوري، واحد من آباء أدب الرعب أو الخيال الغريب أو الماورائيات بأعماله التي كتبها على مدار مسيرته الأدبية التي استمرت لأكثر من أربعة عقود نشر خلالها مئات القصص القصيرة وعشرات الروايات التي ملهمًا العديد من كتاب أدب الرعب المعاصرين مثل لافكرافت، وآرثر ماكين، وتولكين، وقد عده لافكرافت في كتابه “الرعب الماورائي في الأدب” أفضل كاتب في هذا النوع وقال إن كتاباته تقع في أعمق نقطة في اللاوعي وتتجاوز الحاجز بين الواقع والخيال.

ولد بلاكوود سنة 1869 في ريف لندن لأبوين ثريين وفرا له حياة رغدة وتعليم خاص، وفرضا عليه بعض التعاليم الدينية الصارمة، إلا أن ألجرنون الصغير تمرد على ذلك، وقام بالترحال، مستكشفا الفلسفة الشرقية، باحثًا عن طريقه الخاص في الحياة بدون وصاية أو توجيه من أحد. ترك جامعة إدنبرة في اسكتلندا وهي واحدة من أعرق الجامعات في العالم بعد عام واحد من الدراسة فيها وقام بالسفر إلى عدة بلدان مستكشفا أفكار وثقافات مختلفة قبل أن ينتقل إلى كندا ليؤسس مزرعة للأبقار وهناك أيضًا قام بإدارة فندق لمدة ستة أشهر، ثم انتقل للعمل في مناجم الذهب في ألاسكا قبل أن ينتقل إلى نيويورك وعمل كمراسل صحفي لجريدة نيويورك تايمز، كما عمل كسكرتير خاص ورجل أعمال وعامل في البار ومعلم لعزف آلة الكمان.

في أواخر الثلاثينات من عمره عاد بلاكوود إلى إنجلترا وبدأ في كتابة قصص الرعب القصيرة للجرائد، ونجحت أعماله للغاية واكتسبت شعبية كبيرة، وكان بلاكوود يقوم برواية أعماله بنفسه في الراديو أو التلفزيون، ونشر عشرة مجموعات قصص قصيرة على الأقل، وأربعة عشر رواية، والعديد من قصص الأطفال والمسرحيات، ومنها العديد من القصص التي لم تنشر أو لم يسع هو لنشرها.

كان بلاكوود محبًا للطبيعة، وعاش حياة مستقلة بدون أن يتزوج أبدًا، وكان يفضل البقاء وحيدًا، كما أنه لم يدرس الفلسفة الشرقية على سبيل الفضول بل كان مؤمنا بها أشد الإيمان، وكان يعتقد بوجود قوى الطبيعة الخارقة والعوالم الماورائية والكيانات القديمة، فنشأ لديه ولع بالطب وعلم النفس والفلسفة الهندوسية وتعمق في دراسة الأمور الروحانية والسحر والتنجيم وعلوم ما وراء الطبيعة والقدرات الروحية الخارقة الكامنة لدى البشر. ثم اشترك في جمعية سرية تدعى الفجر الذهبي تخصصت في الروحانيات وألهمه اشتراكه فيها روايته “الوتر”، فقد كان يستمد إلهامه من خبراته الشخصية ورحلاته وحياته في عدد من الدول المختلفة فاستوحى روايته “الصفصاف” من إحدى رحلاته في نهر الدانوب، أما رحلته لمصر فقد ألهمته رواية الرمال وغيرها، واختفاؤه عن الأنظار لصيف كامل في إحدى غابات كندا ألهمه كتابة روايته التي بين يدينا اليوم “الوينديجو”.

تتميز أعمال بلاكوود بأنها تلعب على الوتر الحساس لدى الانسان وهو الخوف من المجهول، فترتع القوى الغامضة، والعوالم الغريبة، والخوارق الطبيعية، بعيدًا عن الغيلان والوحوش التي كانت تتميز بها قصص الرعب عند معاصريه، ففي رواياته لا يوجد وحوش او غيلان او رعب مباشر، بل لمحات مخيفة من عالم غامض يقع وراء الحقول التي نعرفها، حيث يتماس عالمنا مع عالم آخر مخيف، ويتجنب بلاكوود الشرح والتفسير، بل يترك مخاوفنا الكامنة في أنفسنا بتكملة الأجزاء الناقصة من اللوحة، فتشعر بالرعب والفزع يزحف على عمودك الفقري، وبعد أن تترك أي رواية له ستظل الصورة مرتسمة في ذهنك مثيرة أفكارك وخيالاتك متسائلًا إن كان هناك شيء في هذا العالم كهذا حقًا.

لورد دونساني الأب الروحي للفانتازيا المعاصرة

عند الحديث عن الفانتازيا هناك العديد من الأسماء التي يتطرق إليها النقاش، مثل تولكين وسي اس لويس وغيرهما، ولكن نادرًا ما يذكر أحد الكاتب العظيم لورد دونساني، الذي يعد بحق الأب الروحي لأدب الفانتازيا الحديثة، وتعد روايته الأشهر “بنت ملك الجن” واحدة من أهم الأعمال في الأدب الإنجليزي على الاطلاق.

ولد إدوارد جون وليام بلانكت في الرابع والعشرين من يوليو سنة 1878 لعائلة دونساني واحدة من أعرق العائلات الأيرلندية ويعد لقب دونساني ثاني أقدم لقب أيرلندي مستمر حتى يومنا هذا، وقد حمل إدوارد اللقب مبكرًا بعد وفاة أبيه في سن صغير ليصبح البارون الثامن عشر لعائلة دونساني.

قضى دونساني جزءًا كبيرًا من حياته في قلعة عائلة دونساني الواقعة بالقرب من تل تارا ونهر بوين في آيرلندا، وهو أقدم بيت آيرلندي مأهول بالسكان حتى يومنا هذا، كما تلقى تعليمه في لندن، ودبلن عاصمة جمهورية آيرلندا بجامعة ترينتي، وعمل بعدها مع ويليام بتلر ييتس جامع التراث الآيرلندي الشهير وليدي جريجوري الخبيرة في الأساطير الشعبية الآيرلندية وغيرهما على مشروع إحياء الأدب الأيرلندي الذي أطلق عليه لقب الشفق الكِلتي Celtic Twilight كما تبرع بمبلغ كبير لبناء مسرح آبي الذي عُرضت عليه مسرحيات تمثل الثقافة الآيرلندية والتراث الآيرلندي ويعد حتى اليوم المسرح القومي للجمهورية الآيرلندية.

قلعة عائلة دونساني

 

أدب دونساني وآلهة بيجانا

بدأ دونساني مشواره في الكتابة سنة 1890 وكان كاتبًا نشيطًا حيث كتب طيلة حياته العديد من الروايات والقصص القصيرة والمسرحيات والقصائد الشعرية، وبلغت عدد كتبه أكثر من ستين كتابًا، إلا أن نجمه لم يبزغ إلا بعد نشر كتابه “آلهة بيجانا” “The Gods of Pegāna” سنة 1905 وهو من العلامات الفارقة في الأدب الإنجليزي وأدب الفانتازيا على وجه الخصوص؛ فلورد دونساني هو أول كاتب يبتكر مجمع آلهة بالكامل من خياله، بأساطير الخلق وجغرافيا العالم وحكاياته الأسطورية، حيث تتحدث الحكايات عن إله يسمى مانا يود سوشاي الذي خلق الآلهة الأخرى مثل كيب إله الحياة وسيش إله الزمن ومونج إله الموت، قبل أن يستريح مانا يود سوشاي ويخلد إلى النوم، وتبدأ الآلهة الأخرى في خلق العالم والحيوانات والبشر، وينتهي العالم بعدما يستيقظ مانا يود سوشاي من النوم، لذا يحرص سكارل قارع الطبول على العزف باستمرار كي تجعل موسيقاه وألحانه مانا يود سوشاي يستغرق في النوم، فلو توقف عن العزف لحظة واحدة لاستيقظ مانا يود سوشاي واختفت الآلهة والحياة والكون بحركة واحدة من يده.

مانا يود سوشاي من كتاب آلهة بيجانا

 

أصبح هذا العالم الذي ابتكره دونساني ركيزة لأعماله بعد ذلك، فقد تبع “آلهة بيجانا” بعد ذلك كتب أخرى مثل “الزمن والآلهة” سنة 1906 و”سيف ويليرون وحكايات أخرى” سنة 1908 و”كتاب العجائب” سنة 1912 واستمرت قصصه القصيرة ذات الطابع الفانتازي الأسطوري بآلهته ومخلوقاته الأسطورية وحكاياته الخرافية بعد ذلك مُضفية عمقًا خاصًا لعالمه، ليصبغ أدب الفانتازيا بصبغة جديدة، ويؤسس لأدب الفانتازيا الحديث كما نعرفه بصورته الحالية.

 

بنت ملك الجن

نشرت رواية “بنت ملك الجن” ” The King of Elfland’s Daughter” سنة 1924 وهي الرواية الطويلة الثانية للورد دونساني كما تعد من أهم أعماله، ومن أهم الأعمال في أدب الفانتازيا على الاطلاق، فهي الرواية الأولى من نوعها التي تقدم صورة الإيلف ـ أو الجن ـ النبلاء طوال القامة، وهو شكل مستوحى بشكل كبير من الميثولوجيا الاسكندنافية، بعيدًا عن الصورة الشعبية التي تصفهم بأنهم قصار القامة يسببون الأذى للناس ويعتدون عليهم، وهي الصورة التي نجدها في الأساطير الأيرلندية والإسكتلندية وغيرها، حتى أن تولكين لاقى صعوبات في النشر بسبب استخدامه لكلمة إيلف في قصائده لما تحمله من انطباع سيئ عند الناس، إلا أن كتاب بنت ملك الجن مهد الطريق أمام تولكين وغيره لاستخدام الإيلف بالشكل المستقر في وجدان قارئي الفانتازيا المعاصرين.

تميز أسلوب دونساني في رواية “بنت ملك الجن” بطابع ساحري شعري، فبناء دونساني للجمل وانتقاءه للكلمات ـ بشكل سلس لا متكلف ـ يجعل القارئ يشعر أنها قصيدة نثرية طويلة لا رواية، كما أنه من الكُتّاب القلائل الذين لا يجعلون السحر قوة يكتسبها البطل أو أداة للقتال أو وسيلة لتحريك الحبكة، فالسحر في عالمه سحري حقًا، جزء من العالم يتحرك ويتنفس، رائع وغامض وغير مفهوم وأحيانا مخيف، ولكنه جزء لا يتجزأ من العالم. وقد جعلت الرواية الكاتب آرثر كلارك يصف دونساني بأنه من أعظم الادباء في القرن العشرين، وقال عنه لافكرافت أنه: “مخترع ميثولوجيا جديدة، وحائك أساطير لا مثيل له.”، كما قال عنه ويليام باتلر ييتس أنه: “قد تجلي بجمال في عالمنا المعهود.”

غلاف رواية “بنت ملك الجن”

أثر دونساني على لافكرافت وتولكين

تأثر العديد من الكُتّاب المعاصرين بدونساني وأسلوبه وأفكاره، فقد تأثر به لافكرافت عندما سمعه يتحدث أثناء واحدة من رحلاته الأدبية للولايات المتحدة الأمريكية ـ التي تكررت ما بين عاميّ 1919 و1950 ـ وانبهر به بشدة، وكان لافكرافت في ذلك الوقت متأثرًا بإدجار آلان بو واتسمت كتاباته بسمات نوع من الرعب يسمى Macabre ـ من المرجح أنه مشتق من الكلمة العربية مقابر ـ والذي تدور تيماته حول الأماكن المهجورة والأشباح والموت، بدأ لافكرافت بعدها يميل إلى الفانتازيا وإن أكسبها طابعًا من الرعب، ويبدو أثر دونساني عليه واضحًا في كتاب “دائرة الأحلام” “Dream Cycle” وهو عالم خيالي من ابتكار لافكرافت لا يمكن الولوج إليه إلا عبر الأحلام، والإله الأكبر في عالم لافكرافت المسمى آزاثوث Azathoth حيث يبدو التشابه واضحًا بينه وبين مانا يود سوشاي فكليهما يخضعان للنوم تحت تأثير ألحان الموسيقى، وكليهما ينتهي العالم حين استيقاظهما، إلا إله لافكرافت إله أعمى مجنون يدمر العالم بدافع الفوضى وأطلق عليه لافكرافت ألقابًا عديدة مثل رب الجنون وسلطان الشياطين وإله الفوضى، وهو الجد الأكبر لكثولو الكيان الأشهر في عالم لافكرافت حتى أن عالمه الفانتازي يطلق عليه اسم ميثيلوجيا كثولو ” Cthulhu Mythos” وهو عالم كئيب مخيف يختلف عن عالم دونساني الشاعري الساحر، ولكن كلا العالمين يحملان العديد من الصفات المشتركة.

كما تأثر تولكين أيضًا ـ وهو الاسم الأشهر في عالم الفانتازيا ـ بكتابات دونساني عندما قرأها في شبابه، وقد تكرر اسم دونساني وكتبه عدة مرات في خطابات تولكين، وهناك تشابه بين قصص دونساني وبين قصائد “مغامرات توم بومبادل” التي كتبها تولكين، ولعل الكتاب صاحب التأثير الأكبر على تولكين هو كتاب العجائب ” The Book of Wonders” الذي يرى النقاد أن له دور كبير في بناء عالم السيلماريليون الخاص بتولكين.

لم يقتصر تأثير دونساني على لافكرافت وتولكين فقط، بل تأثر به العديد من كُتّاب الفانتازيا والخيال العلمي مثل مايكل موركوك، ونيل جايمان، وآرثر كلارك، وأورسولا كي لوجوين، وجاك فانس وغيرهم الكثيرين، بل اتسع تأثيره ليشمل ألوان أخرى من الفن كالمسرح والسينما والموسيقى.

لورد دونساني

حاز دونساني ـ نتيجة لما قدمه ـ على العديد من الجوائز مثل جائزة هارمسورث للأدب الآيرلندي كما كرمته جامعة ترينتي بمنحه الدكتوراه الفخرية، كما تم ترشيحه لجائزة نوبل عام 1950 ولكنه خسرها لصالح بيرتراند راسل. توفي دونساني سنة 1957 عن عمر 79 سنة، تاركًا وراءه ميراثًا كبيرًا وأثرًا لا يمحي على الأدب الأيرلندي والانجليزي وأدب الفانتازيا.

نشر المقال للمرة الأولى على شبكة الميادين الإعلامية

تولكين .. الرجل الذي أسيئ فهمه

لا خلاف على عبقرية تولكين وبراعته في الكتابة، وقد بذل تولكين مجهودًا ضخمًا في كتابة أعماله، حتى أن أصغر أعماله “الهوبِت” أخذت منه ما يربو عن عشرة سنوات لإنهائها، ناهيك عن “السيلماريليون” التي قضى عمره كلها يكتبها ومات قبل أن ينهيها. فالصورة التي تنطبع في ذهنك عن ذكر اسم تولكين هي صورة رجل عاكف على مكتبه بين ألاف المسودات والملحوظات يعيد كتابة ومسح ما كتبه من جديد، يضع كل تفصيلة في عالمه بحرص شديد، هو رجل أقرب للبناء الذي يبني صرح كبير بحذر وبمقاييس دقيقة، لا فنان مغامر يلوح بريشته على لوحة فارغه بدون أن يدرك ما النتيجة التي ستخرج بالنهاية، وهذا لأن هدف تولكين من البداية لم يكن كتابة رواية او اثنتان، بل كان له هدف أبعد من ذلك بكثير.

ولكن تولكن ـ ككل هؤلاء الذين ألهموا حركات واسعة ـ تم إساءة فهمه، ومن ضمن المفاهيم الخاطئة التي تُشاع حول تولكين هي أنه “أبو الفانتازيا” أو “مؤسس الفانتازيا” والبعض الآخر يقول لا ليس هو مؤسس الفانتازيا ولكن هو من جددها وحولها إلى الفانتازيا الراقية أو الملحمية أو غيرها من المصطلحات، والحقيقة أن جُل من يطلقون تلك المزاعم لديهم خبرة بسيطة بالفانتازيا، أو لم يعرفوها إلا من خلال أفلام هوليوود عن سيد الخواتم وغيرها. ولكن الحقيقة أن الفانتازيا قبل تولكن كانت فن مستقر له مكانته في الأب وكُتّاب أبدعوا فيه وأخرجوا العديد من الروايات والملاحم التي تركت أثرها في العديد من الناس، وحتى تولكين ذاته لم يطلق على نفسه هذا الزعم، بل اعترف بفضل من سبقوه، ومن تلك الأعمال رواية “التنين أوروبُروس” للكاتب إيرك إديسون والتي صدرت للمرة الأولى عام 1922 واحتوت على عالم مخترع بالكامل وأجناس أسطورية وسحر وحروب بين جيوش الخير وجيوش الشر. وقد قارن النقاد رواية سيد الخواتم عند صدورها برواية التنين أوروبُروس وحتى تولكين ذاته يعترف بتأثيرها الشديد عليه، وقد كتب سي اس لويس مؤلف رواية نارنيا مقدمة قال فيها “لا يوجد كاتب آخر نستطيع أن نقول إنه يشبه إديسون.”

خريطة عالم التنين أوروبُروس

ومن الروايات الأخرى التي سبقت تولكين رواية “بنت ملك الجن” للورد دونساني التي صدرت عام 1924 وهي واحدة من أكثر الروايات تأثيرًا في عالم الفانتازيا، وقد شكلت ظهور الـ Elf لأول مرة بشكلهم المألوف في الفانتازيا الحالية، وهم الإيلف النبلاء طوال القامة، وهو شكل مستوحى بشكل كبير من الميثيلوجيا الاسكندنافية، بعيدًا عن الصورة الشعبية التي تصفهم بأنهم قصار القامة يسببون الأذى والمشاكل للناس، وهي الصورة التي نجدها في الأساطير الأيرلندية والإسكتلندية وغيرها. وقد جعلت الرواية الكاتب آرثر كلارك يصف دونساني بأنه من أعظم الادباء في القرن العشرين، وقال عنه لافكرافت أنه: “مخترع ميثولوجيا جديدة، وحائك أساطير لا مثيل له.”، كما قال عنه ويليام باتلر ييتس جامع الحكايات الشعبية الأيرلندي الشهير أنه: “قد تجلي بجمال في عالمنا المعهود.”

لوحة عن رواية بنت ملك الجن

ومن الروايات التي صدرت في نفس سنة صحبة الخاتم، رواية “السيف المكسور” للكاتب الأمريكي ذي الأصول الدنماركية بَول أندرسُن والتي أشرت في مقال سابق إلى التشابه بينها وبين سيد الخواتم، من يحث احتوائها على الإيلف طوال القامة، والدوارف أو الأقزام الذين يسكنون بأعماق الأرض ويتخصصون في صنع الأسلحة، وكذلك تحتوي الرواية على سيف مكسور يجب إعادة جمعه، ويعود هذا التشابه إلى أن كلًا من تولكين وأندرسُن قد استقوا العديد من عناصر ملحمتيهم من الاساطير الإسكندنافية والانجلو سكسونية القديمة.

غلاف رواية السيف المكسور

والقائمة تطول، فالملامح الفانتازية ليست حديثة العهد كما يظن البعض ولم تبدأ في الظهور مع تولكين، بل سبقه وعاصره العديد من الكتاب الناضجين والمتمكنين من قلمهم، فما الذي يميز تولكين عن غيره؟ كما قلت من قبل أن هدف تولكين لم يكن كتابة الرواية في حد ذاته، فقد كان تولكين أن تولكن كان دائمًا ما يشعر بالقلق لافتقار بلده إلى أساطيرها الشعبية، فعكف على مشروع “أساطير من أجل إنجلترا” متأثرًا بما حدث مع الكاليفالا التي أطلقوا عليها اسم ” أساطير من أجل فنلندا” وأصبح مشروعه بعد ذلك يحمل اسم السيلماريليون، وأسلوب تولكين هذا إن كان حقق هدفه في مسعى تولكين الشخصي، إلا أنه قد أضر بأدب الفانتازيا الروائي، ولا اريد أن يفهمني أحد بشكل خاطئ أنني أعيب في تولكين، بل أنا أرى المشكلة فيمن أساؤوا فهم تولكين، فالعديد من الأشياء التي استخدمها تولكين في خدمة مشروعه تعد عيبًا حين استخدامها في الرواية. ومن قرأ الملاحم القديمة مثل الايدا النرويجية او الشاهنامة الفارسية او الكاليفالا الفنلندية سيدرك ما الذي يسعى تولكين لتقديمه، فتلك الحكايات تمثل الميثولوجيا الشاملة لتلك المناطق، فتبدأ من القصص الكونية وحكايات الخلق، حتى تصل إلى القصص الصغيرة وحكايات الجنيات، وتمتلئ بشتى أشكال الحكايات والأفكار والفلسفة والشخصيات والتاريخ، وهذا ما سعى تولكين لتحقيقه، لذا ملأ تولكين كتبه بالأشعار الطويلة واللغات المتعددة والإشارات لأحداث وأشخاص تاريخية في عالمه المختلق لا علاقة لها بالحبكة.

لوحة تجسد أحد مشاهد ملحمة الكاليفالا بالمتحف الوطني الفنلندي

واستخدم تولكين على سبيل المثال أسماء متشابهة لأبطال قصصه وهو شيء سيء إذا فعله أي كاتب لأنه يجعل الأمر يختلط على القارئ، ولكن تولكين كان يرغب في محاكاة الواقع حيث كانت تستخدم العائلات النبيلة القديمة أسماء متشابهة لأفرادها، وهذا الأمر يخدم ما يحاول تولكين فعله وهو بناء عالم موازي ولكنه لا يخدم الحبكة على الاطلاق. فالكاتب لا يكون هدفه نسخ الواقع ووضع أكبر عدد من التفاصيل في روايته، بل يجب على الكاتب اختيار كل تفصيلة بحرص ولا يضع إلى ما يخدم الحبكة وبناء الشخصيات.

أما كُتَاب الفانتازيا اللذين تلوا تولكين وتأثروا به وحاولوا محاكاته لم يكن لديهم نفس الفكرة ولا نفس المشروع، بل كان كل هدفهم هو تقليد نجاح تولكين، فأخذوا يملؤون كتبهم وعالمهم بتفاصيل ليست ضرورية ولا مفيدة للحبكة، وقد يفرط الكاتب في وصف شخصيات روايات معتقدًا أنه بهذا يبني الشخصية إلا أنه يعطيها أي عمق حقيقي فتصبح مجرد شخصية كليشية مسطحة أخرى، فينتصر أبطال رواياته في النهاية لأنهم المختارون، كما أن الأشرار في الغالب لا يمتلكون أي دوافع حقيقية. أحد الأمثلة جي كي رولنج والتي تعد كاتبة متوسطة في أفضل حال، ولم تكتسب شعبيتها إلا من خلال فكرة مدرسة السحر التي أخذتها عن أورسولا كي لوجوين، وتمتلئ أجزاء السلسلة بشخصيات نمطية وأحداث متوقعة وفجوات في الحبكة واستخدام مفرطة لحيلة deus ex machine إلا أنها مولعة أيضًا بما يطلق عليه الكُتّاب اسم بناء العالم، فتخرج من قوت لآخر لتخبرنا بمعلومة أخرى عن عالمها مثل أن دمبلدور شاذ، ولا مانع عندي من تقديم شخصية شاذة في الرواية إن كان هذا سيخدم الحبكة ويدفعا للأمام أو يضيف لبناء الشخصية، ولكن المعلومة ذكرتها الكاتبة بعد انتهاء السلسلة مما يعني أنها معلومة ليست ذات أهمية.

المأخذ الحقيقي الذي آخذه على تولكين، وسي اس لويس ايضًا، هو اختلافهم في تقديم الخير والشر عمن سبقوهم، فرغم أن دونساني وإديسون قدموا الصراع بين النور والظلام أو الخير والشر في عالمهم، إلا أنهم تطرقوا إلى الأمر بحرص، مدركين خطورة إطلاق الوصف على شيء بكونه خير محض أو شر محض، على عكس تولكين ولويس الذين لم يجدوا غضاضة في تقديم الخير باعتباره خير مطلق والشر باعتباره شر مطلق، وهو أمر خطير حين تقديمه في الأدب خصوصًا، فالقارئ يتأثر بتلك النظرة الثنائية “نحن مقابل هم” وخاصًا إن كان الكاتب يخاطب الأطفال مثل لويس في نارنيا. من السهل أن تخلق طرفين وتحدد أن أحدهم خير والأخر شرير وتخلق بينهم صراع بلا بناء درامي حقيقي ولا تطرق لفلسفة ودوافع وأفكار كل طرف، وهذا ما اتجه إليه معظم مؤلفي الفانتازيا في فترة ما بعد تولكن مثل سلسلة wheel of time لروبرت جوردن وsword of shannara لتيري بروكس، والتي يحلوا النقاد وصفها بـ Tolkien lit فالشخصيات مجرد نماذج أخرى من شخصيات تولكين، وصراع إكليشيهي بين الخير والشر في العالم مليء بالتفاصيل ولكنه ممل وضحل لا يرتقي حتى لمستوى عالم تولكين، فلا أحد مستعد لبذل الوقت والمجهود الذي بذله تولكين في بناء عالمه.

النقطة الأخرى هي الطول المبالغ فيه لثلاثية سيد الخواتم جعلت من المقبول تقديم أعمال بهذا الطول، ولم يتوقف الكُتّاب عند الحد الذي وصل إليه تولكين بل تخطوه بكثير، فثلاثية سيد الخواتم تقترب من النصف مليون كلمة وهو رقم ضخم ولكن سلسلة wheel of time للكاتب روبرت جوردن مثلا تتكون من 14 جزء مجموعهم ثلاثة ملايين ونصف كلمة!! والجدير بالذكر أن تولكين لم يقصد هذا الطول، بل عندما كان يفكر في كتابة جزء ثان للهوبِت ظن أنه سيكون أصغر بكثير لأن الهوبِت بلغت 90 ألف كلمة وهو رقم كبير بالفعل، أما اليوم إذا قمت بكتابة رواية فانتازيا من 90 ألف كلمة ربما يسخرون منك.

ما أريد قوله هو أن تولكين رغم عبقريه فإنه ليس الأب الروحي للفانتازيا، بل هو حجر في صرح الفانتازيا العظيم، كما أن مشروعه الميثولوجي بغير عمد منه قد أضر بفن الفانتازيا من الناحية الروائية، ولعل انبهار الناس بجودة التفاصيل ودرجة واقعية العالم يعمي عيونهم عن تلك العيوب. والسبب الآخر هو انبهارهم بالعالم السينمائي لسيد الخواتم والفضل في ذلك يعود إلى بيتر جاكسون. ولكن إذا أردنا أن تعود الفانتازيا إلى سابق عهدها فيجب أن يتوقف الكتاب عن محاولة تقليد ومحاكاة تولكن، إن لم تكن مستعدًا لبذل مجهود تولكين في عالمه فلا تحاول محاكاته أو تقليده، كما أنصح بالعودة إلى المنابع الأصلية للفانتازيا من أساطير وحكايات شعبية وملاحم قديمة، ولو فعل الشباب ذلك لرأينا أعمال فانتازية عظيمة تعود للظهور على الساحة مجددًا.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست

عن النوستالجيا والفانتازيا

من منا لا ينتابه الإحساس بالنوستالجيا، هذا الإحساس الجميل والمؤلم في الوقت ذاته، الحنين إلى طفولتك، إلى شيء فقدته وتعرف يقينًا أنه لن يعود، هذا الإحساس الذي يجعلك تشعر أن كل ما عايشته في طفولتك أجمل مما تعايشه الآن، من موسيقى وكتب وأفلام، هذا الإحساس مؤخرًا وأنا ألعب بعض ألعاب الأتاري القديمة وسألت نفسي هل هي حقًا أجمل من الألعاب الحديثة بكل ما تحمله من دقة في الرسومات والتفاصيل؟

الإجابة المنطقية هي بالتأكيد لا! ولكن هناك إجابة أخرى طرقت ذهني، في الماضي كان هناك قيودًا كثيرة في صناعة الألعاب والأفلام، وهذا ما جعل القائمين على هذه الأعمال يلجأون إلى ترك أشياء كثيرة بلا تفاصيل، ويعتمدون على مخيلة المشاهد أو اللاعب كي يملأ تلك التفاصيل الناقصة بخياله، هذا الذي لجأ إليه المصممون بسبب نقص الإمكانيات هو ما أعطى تلك الألعاب سحرها وجاذبيتها، كم من مرة وأنت تلعب لعبة قديمة من ألعاب الأتاري سألت نفسك ما هذا المبنى الغريب الموجود في خلفية اللعبة؟ أنت بالتأكيد لن تستطيع الوصول إليه ولا معرفة الإجابة، ولكن خيالك سيتكفل بهذا الأمر.

أتذكر واحدة من الألعاب كانت تسمى كاراتيكا Karateka واللعبة عبار عن لاعب كاراتيه يواجه مجموعة أخرى من لاعبي الكاراتيه وكلما هزم واحدًا منهم، يظهر الزعيم وهو يشير بيده لواحدٍ آخر كي يتقدم ويواجه البطل، ومن وقت لآخر تظهر فتاة جالسة وحدها حزينة، لم يكن هناك حوار أو حتى جمل مكتوبة ولا أي شيء يشير إلى قصة اللعبة، ولكن عقلي تكفل بملء كل التفاصيل، هذا البطل يسعى لإنقاذ تلك الفتاة المحتجزة، وهذا الذي يشير بيده للاعبي الكاراتيه هو الشرير الذي يحتجز الفتاه، ولا شك أن البطل هو حبيبها كان كل هذا كافيًا لإثارة مخيلتي، وكلما تركت اللعبة تذكرت الفتاة التي تنتظرني كي أخلصها من الرجل الشرير.

لعبة كاراتيكا

الأمر يشبه لعبة سوبر ماريو حيث لا تعرف شيئًا عن البطل ماريو ولا عن الأميرة التي يرغب في إنقاذها، ولا لما يقوم التنين باوزر ـ الذي لم نكن نعرف اسمه في ذلك الوقت ـ بخطف الأميرة باستمرار، ولكن هذه التفاصيل القليلة والرسومات التي تعتمد على أبسط قدر من التفاصيل، وموسيقى اللعبة التي هي عبارة عن ألحان بسيطة بقدر ما تسمح به إمكانيات الجهاز المتواضعة، كل تلك التفاصيل الصغيرة تحولت إلى أشياء عظيمة في خيالي، أذكر عندما لعب أخي اللعبة قبل أن أراها وعاد ليحكي لي عن مغامراته لإنقاذ الأميرة والوحوش التي قابلها والتنين الذي ينفث النار وقلعته المخيفة، لم تكن اللعبة بمثل تلك التفاصيل ولكنها كانت كذلك في مخيلتنا.

سوبر ماريو

هذا يأخذني إلى سؤال آخر، وهو سر شعبية مسلسلات مثل هركليز وزينا وسندباد في تسعينيات القرن الماضي، حيث كانت الشوارع تخلو من المارة ويتجمع الناس في المقاهي أو في بيوتهم لمشاهدة حلقة جديدة من هذا المسلسل أو ذاك، وهذه المسلسلات تعد فانتازيا، فهي تمتلئ بشتى أشكال الخيال والسحر والوحوش الأسطورية والمغامرات العجيبة، فما سر شعبية تلك المسلسلات القديمة ولما تحوز مسلسلات الفانتازيا الحديثة مثل تلك الشعبية؟ والإجابة على تلك النقطة هي نفس الإجابة على نقطة الألعاب القديمة، وهي اعتمادهم على مخيلة المشاهد لملء التفاصيل.

أبطال مسلسليّ هركليز وزينا

كُتّاب الفانتازيا المعاصرين مولعين للغاية ببناء عالم الفانتازيا وتفاصيله أو الـWorld Building ومولعين أيضًا بما يسمونه نظام السحر أو الـ Magic System وهذا يعني أن يشرح الكاتب كل شيء للقارئ بالتفصيل، بل بعضهم يقول إن على الكاتب التفكير في تفاصيل كل شيء في عالمه قبل أن يبدأ كتابة الرواية نفسها، وهذا لا يدع شيئًا لمخيلة القارئ إلا تخيل ما يكتبه المؤلف، وهذه النقطة هي ما يميز الفانتازيا عن غيرها من أشكال الكتابات الخيالية الأخرى.

الفانتازيا هي نوع قديم للغاية من الأدب كما قلت من قبل في مقال “ما بعد السحرة والتنانين: الأهمية الحقيقية للفانتازيا”: “الفانتازيا هي أقدم نوع قصصي عرفه الإنسان، فهي تعد جزءًا من اللاوعي الجمعي للجنس البشري، وقد امتلأت مخيلة الإنسان البدائي بحكايات عن الآلهة والبشر والسحرة والتنانين والوحوش الخيالية والأسطورية، كما أنهم وضعوا تفسيرات أسطورية للظواهر الطبيعية الغامضة التي وقف الإنسان البدائي حائرًا أمامها، مثل البرق فهو مطرقة ثور عند الإسكندنافيين، وهو أسهم زيوس عند الإغريق”.

الأمر بالنسبة لي أنا يشبه حكايات جدتي التي كانت تمتلئ بالفرسان والأميرات والساحرة الشريرة والغول والوحوش الغريبة، هذه الحكايات ينقصها الكثير من التفاصيل التي تجعلك تتخيل، يشبه الأمر عند تولكين شخصية “توم بومبادل” فهذه الشخصية تكسر كل القواعد التي وضعها كُتّاب الفانتازيا، فهي شخصية غامضة لا يعرف القارئ عنها أي شيء سوى أنها أقدم من الأجناس الموجودة في الأرض الوسطى، ولكن ليس هذا هو الغريب فقط، بل الغريب أيضًا أن تولكين نفسه لا يعلم أي شيء عن تلك الشخصية، لقد وضعها دون أن يعرف عنها الكثير، وقال إن على الكاتب أن يجهل بعض الأشياء في عالمه.

توم بومبادل

من الروايات التي أعجبتني كثيرًا رواية “بنت ملك جن” من تأليف لورد دونساني، فإنها رواية سحرية غامضة غريبة، لا يكاد دونساني يفسر فيها أي شيء، فمن هو ملك الجن وكيف ظهر عالمه وما علاقاته بعالمنا، ما سر خلود كل شيء في عالمه ولما يمضي الوقت في عالمنا أسرع من عالمه؟ لقد قضى البطل بضع دقائق في أرض الجن ليعود فيكتشف أن سنوات عديدة قد مرت في عالمه، هناك العديد من أشكال السحر في الرواية أيضًا ولكن الكاتب لم يشرح كيف يعمل هذا السحر، لا يوجد نظام سحر كما يسميه الكُتّاب المعاصرون، هذا ما يجعل القصة غامضة وسحرية ومثيرة للخيال، فالسحر في عالمه ليس مجرد قوة أو وسيلة للقتال أو أداة لتحريك الحبكة، بل السحر هو سحري حقًا، جزء من العالم يتحرك ويتنفس، رائع وغامض وغير مفهوم وأحيانًا أخرى مخيف، ولكنه جزء لا يتجزأ من العالم.

غلاف النسخة الفرنسية من رواية بنت ملك الجن

 هذا ما يجعلها فانتازيا حقًا، أن يشارك القارئ بخياله في ملء تفاصيل العالم، قد لا يكون عالم لورد دونساني ضخمًا ومعقدًا ومليئًا بالتفاصيل بحيث يحتاج إلى عدة أجزاء يبلغ كل جزء منهم حجم موسوعة إلا أن عالم دونساني أكثر شعرية وساحرية، وهو ما أرى أنه يستحق لقب فانتازيا حقًا.

نشر المقال للمرة الأولى في موقع نون بوست

الخيال الغريب بين آرثر ماكين ولافكرافت

الخيال الغريب أو ما يطلق عليه اسم Weird Fiction وهو نوع فرعي من الأدب المعني بالخيال والذي ينقسم إلى فروع مثل الفانتازيا والخيال العلمي والرعب وغيرها، إلا أن الخيال الغريب يميز نفسه عن كل تلك الأنواع، بأنه يدمج بين الأسطورة والخرافة بل وحتى الحقائق العلمية، ولعل أشهر رموز هذا النوع من الأدب هو لافكرافت وخاصةً في حكايات كثولو والكيانات القديمة، فالقارئ لا يرى ما يجب أن يرعبه بشكل مباشر، ففي أغلب حكاياته يكون مصدر الرعب هو الغريب وغير المألوف، ويقول لافكرافت معرفًا هذا النوع من الأدب:

“الحكاية الغريبة الحقيقية هي التي تحتوي على أكثر من جريمة قتل سرية، يجب أن يوجد جو حابس للأنفاس من الرهبة، والخوف من قوى غريبة غير مألوفة يجب أن يكون حاضرً”، وهذا ما نجده بقوة في حكايات كثولو وغيرها لدى لافكرافت.

لافكرافت

ولكن الحقيقة أن لافكرافت ليس مؤسس هذا النوع من الأدب، بل تأثر بالعديد ممن سبقوه، فنجده متأثرًا مثلا بقصص اللورد دونساني الذي يعد أول من قام بابتكار آلهة خاصة به ليحكي عنها حكاياته في الأدب الحديث، وهنا تشابهات بين آلهة دونساني والكيانات القديمة لدى لافكرافت، ولكن أكثر من تأثر به لافكرافت هو آرثر ماكين، وبالتحديد حكاية الإله العظيم بان.

آرثر ماكين

ولد آرثر ماكين (1863 ــ 1947) في ويلز في منطقة يشار إليها باسمها الويلزي القديم “جوينت” وينحدر ماكين من سلالة طويلة من رجال الدين، وفي عمر الحادية عشر تخرج من مدرسة هيريفود الكاتدرائية بتقدير ممتاز، إلا أن فقر عائلته منعه من الالتحاق بالجامعة، فتم إرساله إلى لندن لعمل اختبارات الالتحاق بمدرسة الطب، إلا أنه فشل في ذلك.

ومع ذلك فقد أبدى ماكين تألقًا في مجال الأدب، وفي 1881 قام بنشر أولى قصائده الطويلة والتي تحمل اسم “إلوسينيا” وكان موضوعها أسرار اليوسيس (هي عبارة عن مراسم للبدء تقام كل عام لعبادة ديميتر وبرسفون في مدينة إلفسينا في اليونان القديمة)، وقد عاش ماكين في لندن حياة فقيرة ما بين عمله كصحفي ومحرر للناشرين، ومعلم خصوصي للأطفال، بينما يقضي مساءه في الكتابة أو التجول على غير هدى في شوارع لندن.

في عام 1884 قام بنشر عمله الثاني “تشريح التبغ” والذي أمن له عمل مع الناشر والموزع جورج رادواي، كمفهرس ومحرر في مجلته، وهذا فتح له أبواب عمل أخرى، كمترجم من اللغة الفرنسية، مثل الحكايات الفانتازية الفرنسية ومذكرات كازانوفا وغيرها، واستخدم ماكين في ترجمته لغة إنجليزية مفعمة بالحيوية والحماس أصبحت مقياسًا للمترجمين إلى الإنجليزية لسنوات عديدة.

غلاف كتاب الإله العظيم بان

استمر ماكين في نشر القصص القصيرة بالمجلات الأدبية، والتي اتخذ بعضها الطابع الخيالي أو القوطي، قبل أن يقوم بكتابة أول نجاح كبير له، رواية “الإله العظيم بان”، وقد نشرت لأول مرة عام 1890 بمجلة The Whirlwind ونقحها آرثر ماكين وأضاف الكثير من التفاصيل لها لتنشر في شكل كتاب مستقل سنة 1894، وأثارت الرواية عند نشرها ضجة كبيرة، واتخذ فيها ماكين تيمة الإله بان المرتبط بالخوف والرعب عند القدماء ومن اسمه تشم اشتقاق كلمة Panic والتي تعني في الإنجليزية الخوف الشديد، ومثل الكيانات القديمة عند لافكرافت، فإن حضور بان طاغي في القصة كلها بالرغم من عدم ظهوره بشكل مباشر.

فالقارئ لا يستطيع أن يعرف ما هو بان بالضبط، ولكنه يرى أثره في الرعب الذي يسببه في كل مكان، وفي هذه القصة مزج ماكين بين الأساطير والخرافات والعلم في مزيج رائع جعل القصة واحدة من كلاسيكيات أدب الرعب، وقد سار لافكرافت على درب ماكين في كتاباته، وقد صرح في أكثر من موضع بإعجابه بالرواية قائلًا: “لا أحد يستطيع وصف التشويق اللامتناهي والرعب المطلق الموجود في كل فقرة من فقرات الكتاب”، ويبدو أثر ماكين على لافكرافت واضحًا لكل من تعمق في أدب الكاتبين، بل إن لافكرافت أشار إلى كتاب ماكين بالاسم في قصته رعب دانويتش (The Dunwich Horror) وهي واحدة من حكايات كثولو المحورية.

ستيفن كينج

ولم يقتصر تأثير ماكين وروايته على لافكرافت فقط، بل عديد من كتاب الرعب حاولوا محاكاة ماكين ورايته ومنهم واحد من أعظم كتاب الرعب المعاصرين ستيفن كينج الذي صرح بأن روايته القصيرة N تعد محاكاة لرواية ماكين، وأن روايته لم تستطع أن تصل لمستوى رواية ماكين التي قال عنها إنها أفضل رواية كتبت في أدب الرعب باللغة الإنجليزية، وقال إن هذه الرواية حرمته من النوم ليالٍ طويلة، وقال أيضا أن رواية ماكين كان لها أثر في العديد من أعماله مثل رواية الإحياء Revival التي صدرت عام 2014.

ومن الكتاب الآخرين الذين حاولوا محاكاة رواية الإله العظيم بان الكاتب كلارك أشتون سميث في رواية “السلالة التي لا اسم لها”، والكاتب بيتر ستراوب في رواية “حكاية شبح”، كما تم ذكر رواية ماكين بالاسم في رواية “مذكرات عثة” للكاتب راتشل كلاين، والعديد من الكتاب الآخرين.

الإله العظيم بان على خشبة المسرح

ولم يقتصر أثر رواية “الإله العظيم بان” على الأدب والروايات فقط، بل على أنواع أخرى من الفنون أيضًا، ففي عام 2008 تم تحويلها إلى مسرحية على يد المخرج تشارلي شرمان، كما أن أغنية Pan’s Daughter لفريق الروك الأمريكي Flummox مستوحاة من الرواية.

وقد ترجمت الرواية ـ على مدار السنوات ـ إلى العديد من اللغات، وألهمت العديد من الكتاب والقراء حول العالم، وقد قمت بترجمة راوية الإله العظيم بان إلى العربية، والتي صدرت في معرض القاهرة 2017 عن دار إبداع للنشر والترجمة لتصبح أول ما يترجم للكاتب آرثر ماكين إلى اللغة العربية.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست

عالم ووركرافت…دليلك لسلسلة الأفلام و الكوميكس الجديدة

العديد منا شاهد فيلم ووركرافت ولم يفهم الكثير من قصة الفيلم، من هو جولدان؟ ومن هو الحامي ماديف؟ ولما قام بفتح البوابة للأورك؟ وما السحر الاخضر الغريب هذا؟ العديد من الأسئلة التي لم يجيبها الفيلم، لأن هذا الفيلم مأخوذ عن سلسلة ألعاب و كوميكس ووركرافت، ويعتمد صناع الفيلم على أن مشاهدين الفيلم يعرفون اللعبة على الأقل ويعرفون قصتها، ولكن الكثير شاهدوا الفيلم وهم لا يعرفون اللعبة، أو يعرفون اللعبة ولكن لا يعرفون قصتها بالتفصيل ولم يتابعوا الكوميكس، وهنا سأحاول شرح بعض أساسيات عالم ووركرافت التي قد تساعدكم على فهم الفيلم وسلاسل الكوميكس و الأفلام القادمة!

بداية عالم ووركرافت والتايتنز

بداية عالم ووركرافت غامضة، البعض يقول أنه خلق بواسطة خالق واحد، والبعض الآخر يقول أنه نتيجة حدث كبير (يشبه الإنفجار الكبير) أدى إلى خلق الكواكب في حالة شديدة من الفوضى. ولكن ما نعرفه أنه أثناء مرحلة الخلق، ظهر جنس قوي يسمى ”التايتنز“ وكانت مهمتهم هي جلب النظام للكون، ويطلق على قادتهم إسم البانثيون. وواحد من البانثيون ويسمى البطل سارجيرَس Sargeras، حارب من أجل جلب النظام للكون، وقام بسجن كل من يعارض تلك الفكرة، إلا أنه بمرور الوقت بدأ يشك في مهمته، لأنه رأى الكون يميل للفضوى، ويقاوم مهمتهم لجلب النظام، فإن كان الكون خلق من أجل النظام، لما هو في حالة فوضى شديدة، بل ويقاوم محاولتهم لفرض النظام؟! وهكذا أخذت تلك الأفكار تسيطر على عقل سارجيرَس، حتى تحولت مهمته من جلب النظام إلى خلق الفوضى، وتغيرت هيئته إلى هيئة نارية شيطانية، وترك البانثيون، وقام بتحرير كل قوى الشر التي قام بسجنها خلال آلآف السنوات، وأطلق عليهم اسم فيلق الإحراق أو Burning Legion كانت مهمتهم أن يعملوا ضد التايتنز، وتدمير النظام الذي يحاولون خلقه في الكون، ويغزون الكواكب لجلب الفوضى!

سارجيرس – التايتن المظلم

وفي تلك الأثناء كان التايتنز يجهلون ما يفعله سارجيرَس وفيلق الإحراق الخاص به، مستكملين مهمتهم في تنظيم وتشكيل الكواكب كما يرونه مناسب لمهمتهم، حتى وصلوا إلى الكوكب الذي نعرفه الآن بإسم أزيروث Azeroth والذي كان في حالة فوضى شديدة، فقد كانت العناصر Elements تحارب بعضها البعض، ولكن رغمًا عن إرادتهم، فقد كانوا مستعبدين من قبل كيانات قديمة يطلق عليها اسم Old Gods أو الآلهة القدامى وهي كيانات قوية ومظلمة وهي كائنات تتغذى على الفوضى، فقام البانثيون والتايتنز بالحرب ضد سادة العناصر Elemental Lords والـ Old Gods وانتصر البانثيون وقاموا بنفي العناصر إلى عالم يسمى Elemental Plane حيث يستكملون حربهم بدون إيذاء العالم الحقيقي، وقاموا بسجن الكيانات القديمة Old Gods في أعماق الأرض وهكذا بدأوا بتشكيل الكوكب وجلب النظام له، وبعد أن تم تمهيد الكوكب للحياة أطلقوا عليه اسم كاليمدور ثم غادروا الكوكب ليستكملوا مهمتهم في أنحاء الكون!

سادة العناصر

 

بئر الخلود وحرب القدماء

بئر الخلود

نشأت الحياة على كوكب كاليمدور وظهر العديد من الأجناس، ومنهم النبلاء الإيلف، الذين كانوا يتمتعون بقوى سحرية كبيرة، يستمدونها من بئر يطلق عليه اسم بئر الخلود Well of Eternity ولا يُعلم على وجه التحديد مصدر هذا البئر، قد يكون التايتنز قد تركوه وراءهم أو قد يكون قد نشأ بنفسه عند مولد كوكب أزيروث، ولكن على كل حال فإن هذه القوى السحرية العظيمة قامت بلفت أنتباه سارجيرَس وأتباعه، وهكذا إندلعت حرب تسمى بحرب القدماء War of the Ancients بين سارجيرَس وأتباعه من ناحية وبين كل أجناس أزيروث من ناحية أخرى، وكانت حربًا ضاريةً وشرسة، واستطاع أجناس أزيروث في النهاية التغلب على سارجيرَس، ولكن كان هذا بمقابل تدمير بئر الخلود لأن سارجيرَس كان يستمد قوته منه في ذلك الوقت، وأدى تدمير البئر إلى إنفجار كبير قام بتقسيم أرض كاليمدور إلى عدة قارات حتى أصبحت أزيروث التي نعرفها اليوم!

حرب القدماء

قبل حرب القدماء بقرون طويلة عثر سارجيرَس على كوكب يسمى آرجوس Argus وعلى هذا الكوكب كان يوجد جنس قوى للغاية يسمى الإيريدار Eredar وكان لديهم ثلاثة قادة أقوياء، أركيموند Archimonde وكيلجايدن Kil’jaeden وفيلين Velen وأدرك سارجيرَس قوة هذا الجنس وأراد أن ينضموا معه إلى فيلقه. ووعدهم سارجيرَس بقوة لا نهائية ومعرفة بلا حدود وأتباع وعبيد مخلصين إن هم انضموا له، وعلى الفور انضم أركيموند وكيلجايدن لفيلق سارجيرَس، ولكن فيلين أدرك شرور سارجيرَس فقام بجمع أتباعه وغادر كوكب آرجوس وأطلقوا على أنفسهم إسم دراناي Draenei والذي يعني المنفيون Exile Ones، إلا أن كيلجايدن لم يعجبه هروب فيلين واعتبرها خيانة وإهانة شخصية له وقرر أن يطارد فيلين وأتباعه وأن يجدهم حتى لو كلفه هذا آلاف السنوات!

الدراناي

كوكب درينور وجولدان وسبب غزو آزيروث

أخذ كيلجايدن يطارد فيلين وأتباعه، وكلما استقر فيلين والدراناي كان كيلجايدن يعثر عليهم ويرسل الفيلق على أثرهم، إلا أن فيلين كان يشعر بقدومهم ويهرب في الوقت المناسب، وهكذا استمر فيلين في الهرب من كوكب إلى كوكب حتى وصل إلى كوكب أطلقوا عليه إسم درينور Draenor ولكن هذا الكوكب لم يكن مهجورًا فعلى سطحه يعيش العديد من الأجناس ومنهم الأورك Orc الذين كانوا يتبعون طريقة من السحر تسمى الشامان Shaman وهي تمكنهم من الحصول على مساعدة عناصر الطبيعة Elements واستطاع فيلن والدراناي أن يعيشوا في سلام بين الاورك لقرون طويلة، حتى استطاع كيلجايدن العثور عليهم مجددًا، ولكن هذه المرة لم يقم بإرسال الـBurning Legion لكي لا يتكرر نفس الأمر بل قام بالتفكير في خطة جديدة، وهي أن يقوم بإفساد الأورك والسيطرة على عقولهم كي يقومون بمحاربة الدراناي بالنيابة عنه.

كيلجايدن

وهكذا زرع كيلجايدن الخوف والشك في نفوس الأورك تجاه الدراناي، وعرض عليهم القوة التي تمكنهم من قتالهم ووهبهم ساحر الـFel الأخضر الذي حول الأورك إلى مشعوذين WARLOCKS وهكذا إندلعت الحرب بين الأورك والدراناي حتى وصلوا إلى معركة أخيرة وحاسمة قرب مدينة Shattrath التي تحصن بها الدراناي، فعرض كيلجايدن على نارزول Ner’zhul شرب دماء الشيطان مانوروث Mannoroth والذي عن طريق شرب دمائه يحصل الأورك على قوى شيطانية مخيفة تمكنهم من هزيمة الدراناي، إلا أن نارزول رفض أن يشرب قادة الأورك دماء مانوروث فإتجه كيلجايدن إلى تلميذه جولدان Gul’dan والذي خان معلمه نارزول وأقنع سادة الأورك أن دماء مانوروث هي هبة ستمنحهم قوة كبيرة، وبالفعل شرب الأورك الدماء وحصلوا على القوة وغزوا مدينة شاتراث وقتلوا كل رجل وامرأة وطفل وجدوه في المدينة، وشاهد كيلجايدن ومانوروث الحرب وعرفوا أن فيلين وأتباعه تم تدميرهم وأن مهمتهم قد تمت على هذا الكوكب، وهكذا تركوا كوكب درينور والأورك إلى مصيرهم الخاص!

شيطان مانوروث

 

ولكن ما لم يعلمه كيلجايدن أن فيلين كان قد تمكن قبل الحرب من الهرب مع بعض أتباعه والاختباء بعيدًا عن أنظار الأورك وكيلجايدن زانجرمارش Zangarmarsh عالما أنه وأتباعه لهم مهمة كبيرة في المستقبل وأن معاناته ستنتهي في يومٍ ما ولكن هذه قصة أخرى لا تتعلق بفيلم ووركرافت الآن!

فتح البوابة المظلمة

 

بعد أن غادر كيلجايدن الكوكب وترك الأورك لمصيرهم وجد الأورك أن كوكبهم قد أصابه الخراب والدمار، كما أن دماء الشيطان مانوروث قد أصابتهم بالجنون وانقلبوا على بعضهم البعض في قتال وحروب مستمرة، وأصبح على جولدان أن يجد حلًا لشعبه، في تلك الأثناء كان سارجيرَس يواجه أجناس أزيروث في حرب القدماء، وتعرض لهزيمة قاسية وأدرك سارجيرَس والـBurning Legion أنهم لن يستطيعوا الإنتصار على أجناس أزيروث بسهولة فنشأت في عقلهم خطةً أخرى. وهكذا تواصل سارجيرَس مع جولدان وأخبره بوجود كوكب أزيروث، وهو كوكب مليء بالأشجار والمياة، والكثير من الأعداء ليقاتلهم الأورك بدلًا من قتل بعضهم البعض، ولم يكن سارجيرَس يهتم بالأورك بل يهتم فقط بتدمير أزيروث، وحتى لو انهزم الأورك فإنهم سيضعفون الكوكب بشكل كافي لكي يقوم الـ Burning Legion بغزوه وتدميره وهكذا تم فتح البوابة المظلمة بين درينور وأزيروث عن طريق ماديف Medivh ولكن من هو ماديف الحامي الأخير ومن هم حماة أزريوث الـGuardians ؟!

مجلس تايرسفال وحماة آزيروث

 

القلعة البنفسجية، حصن مدينة دالاران المركزي

 

بعد انتصار أجناس أزيروث على سارجيرَس وتدمير بئر الخلود قرر السادة النبلاء والإيلف تحريم استخدام السحر لأنه قد يجذب أنظار الـBurning Legion مرةً أخرى، إلا أن مجموعة من الإيلف النبلاء نبذوا هذا القرار وغادروا متجهين إلى الجزء الشرقي من أزيروث حاملين معهم قارورة بها مياة من بئر الخلود كان مالفيوريان قبل تدميره قام بالحفاظ على مجموعة من القوارير استخدمهم في عمل بئر خاص بالـNight Elves بعد ذلك، إلا أن الإيلف النبلاء الذين غادروا أطلقوا على أنفسهم اسم الـHigh Elf أما الجزء الشرقي كان به أجناس أخرى مثل البشر ومردة الغابة Forest Trolls والـGnomes. قام الإيلف بتشييد مدينة خاصة بهم واستخدموا قارورة مياه بئر الخلود في عمل بئر جديد اسمه بئر الشمس Sun Well واستخدموا السحر بحذر وحرص لكي لا يجذبوا أنظار سارجيرَس. إلا أن الترولز الذين كانوا في حالة عداء مع البشر أصبحوا في حالة عداء مع الإيلف أيضاً، وطلب الإيلف من البشر التحالف معهم في الحرب ضد الترولز ووافق البشر بشرط أن يقوم الإيلف بتعليم 100 من البشر استخدام السحر، و وافق الإيلف ودارت الحرب بين البشر والإيلف من ناحية والترولز من ناحية أخرى وانتهت بهزيمة ساحقة للترولز!

الترولز

 

قام الإيلف بتعليم البشر السحر والذين قاموا بإنشاء مدينة خاصة بهم اسمها دالاران Dalaran وقد جذبت دالاران أنظار من يرغبون في تعليم السحر، أو من يرغبون في خدمة السحرة مقابل المأوى والطعام، إلا أن البشر استخدموا السحر بلا اكتراث فجذبوا أنظار الـ Burning Legion مرة أخرى و وقام الإيلف بتحذير البشر من عواقب استخدام السحر وهكذا قرر الثلاثة أجناس البشر والإيلف والـGnomes بتكوين مجلس لحماية أزيروث من الـBurning Legion وأطلقوا على هذا المجلس اسم مجلس تايرسفال Council of Tirisfal على أن يقوم أعضاء المجلس وهم أقوى مستخدمي السحر من الأجناس الثلاثة بتركيز قوتهم السحرية في شخص واحد يختارونه يكون هو حامي أزيروث.

ماديف

 

لمدة طويلة استمر حماة ترايسفال في حماية آزيروث من محاولات شياطين الـBurning Legion في محاولة تدمير الكوكب، حتى قبل 800 عام من غزو الأورك لكوكب آزيروث و أصبحت أجوين Aegwynn أم ماديف هي حامية أزيروث وقامت بمهمتها على أكمل وجه لمدة 500 عام قبل أن تواجه الـBurning Legion وسارجيرس الذي تظاهر أنه قد هزم ولكنه استغل تلك المعركة لزرع جزء منه داخل أجوين، بحيث عندما تكون أجوين حامل في ماديف يتسلل سارجيرَس إليه وينتظر اللحظة المناسبة ليكمل خطته، واستطاع سارجيرس بالفعل إفساد روح ماديف والاستحواز على روحه، ومن خلاله قام بالتواصل مع جولدان كي يقوم بفتح البوابة المظلمة بين آزيروث ودرينور ليبدأ غزو الأورك للكوكب ونصل إلى أحداث فيلم ووركرافت!

البشر ضد الأورك

 

وبالنهاية فإن قصة ووركرافت عميقة و واسعة للغاية و متشعبة بين سلاسل الألعاب و الكوميكس بل و الأفلام أيضاً الأن ولا يمكن شرحها كلها في مقال واحد أو عدة مقالات، ولكني حاولت أن أشرح كل ما له علاقة بالفيلم الأول الجديد لكي يستطيع القاريء أن يستمتع بمشاهدة فيلم ووركرافت ومشاهدة الأفلام التالية من السلسلة.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع بوابة الكوميكس

الحكايات الشعبية الأوروبية وأشهر من جمعوها

الحكايات الشعبية هي جزء لا يتجزأ من وجدان كل الشعوب الإنسانية، فلا توجد ثقافة أو حضارة خلت من وجود تلك الحكايات، وهي حكايات قصيرة تحتوي على عناصر خارقة للطبيعة، كالسحر والجنيات والعمالقة والأقزام والمخلوقات الأسطورية المختلفة، كما تنطوي على الحكم والدروس الأخلاقية وتتمحور في الغالب حول الصراع بين الخير والشر، وكانت هذه الحكايات تروى شفاهيًا وتنتقل من بلد إلى بلد مع التجار والقوافل، وكل شعب يتبنى حكاية شعبية كان يقوم بتغييرها وتطويرها بحيث تتناسب مع ثقافته ومخاوفه وتطلعاته، وقد لاحظ الجامعون تكرار نفس الحكاية في ثقافات مختلفة بصيغ متعددة.

شارل بيرو

شارول بيرو (1628-1703) هو كاتب وشاعر فرنسي يعده الكثير من النقاد “أبو الحكايات الشعبية”، فهو من أوائل من قاموا بجمع الحكايات الشعبية وتحويلها إلى نمط أدبي له ملامحه وقواعده المحددة، ويعده الكثير من النقاد أنه أول من وضع حجر الأساس لهذا اللون من الأدب، وقد كان هدف بيرو من جمع الحكايات الشعبية هو تسلية الحاشية الملكية، وتربية أبنائهم عن طريق تقديم حكايات تخدم أهدافًا سامية، وصراع الخير والشر، وقد حققت مجموعته (Les Contes de ma Mère l’Oyeحكايات الأوزة الأم) نجاحًا كبير لم يتوقعه بيرو ذاته، فهي مسلية للصغار والكبار على حدٍ سواء، واشتهرت رواية تلك الحكايات الشعبية في الصالون الثقافية في باريس في منتصف القرن السابع عشر حيث يجتمع الرجال والنساء في ضيافة امرأة أرستقراطية لمناقشة الأدب والفنون والسياسية وغيرها، كما ألهمت أعماله العديد من الفنانين في مجالات متعددة كالأوبرا والمسرح والموسيقى.

ومن أشهر الحكايات التي قام بجمعها: الجمال النائم، والقط في الحذاء، وذات الرداء الأحمر، كما أن نسخته الخاصة من “سندريلا” التي تحتوي على الجنية العرابة، وعربة اليقطين وغيرها، هي الأشهر في أنحاء العالم، وتتفوق على النسخ الأخرى مثل نسخة الأخوين جريم، وهي النسخة التي قامت ديزني بتحويلها إلى فيلم رسوم متحركة بالعنوان ذاته.

الأخوان جريم

الأخوان الألمانيان، جاكوب (1785-1863) وويلهم جريم (1786-1859) هما الأشهر في مجال جمع الحكايات الشعبية، قد درسوا اللغة والفلسفة واهتموا بالدراسات الثقافية واللغوية، وقد تأثرا بالحكايات الشعبية الفرنسية لشارل بيرو والحكايات الشعبية الإيطالية لجامباتيستا باسيل التي لاقت رواجًا كبيرًا في أنحاء أوروبا، فبدأ الأخوان جريم بالترحال في أنحاء ألمانيا لجمع الحكايات الشعبية الألمانية، وقد نشر أول كتبهما (Kinder- und Hausmärchen– حكايات للأطفال وأهل البيت) عام 1812 وتبعها بعد ذلك إصدارات لاحقة، فأضافا المزيد من الحكايات، وعدلوا بعض القصص لتنقيحها أو للتخفيف من بعض عناصر العنف في الحكايات لتصبح مناسبة للأطفال، حتى وصلت إلى ما يعرف الآن في جميع أنحاء العالم باسم “حكايات الأخوين جريم” والتي ترجمت إلى أكثر من 100 لغة حول العالم.

ومن أشهر حكايات الأخوين الجريم: بياض الثلج، والجمال النائم، والأمير الضفدع، وروبانزل، وقد تم اقتباس العديد من أعمالهم في أفلام الرسوم المتحركة الخاصة بديزني.

هانز كريستيان أندرسن

هانز كريستيان أندرسن (1805-1875) هو كاتب وشاعر دنماركي، اهتم بجمع الحكايات الشعبية الدنماركية، والتي لاقت رواجًا كبيرًا واستمتع بحكايته الكبار والأطفال عى حد سواء، كما لاقى تقديرًا من العائلة الملكية في الدنمارك، وقد احتوت مجموعته من الحكايات الشعبية ((Eventyrعلى الكثير من الحكايات الشعبية والشهيرة والمحبوبة على مستوى العالم، مثل: بائعة الكبريت، وحورية البحر الصغيرة، وعقلة الأصبع، وملابس الأمبراطور الجديدة، والبطة القبيحة.

وقد ألهمت أعماله العديد من الأفلام والمسرحيات وعروض الباليه حتى، كما ترجمت أعماله لأكثر من 125 لغة حول العالم، حتى أصبح اسم هانز كريستيان أندرسن مرادفًا للحكايات الشعبية ـ والجدير بالذكر أن فيلم ديزني الذي يحمل عنوان “Frozen” الذي يعتبر أكثر أفلام الرسوم المتحركة ربحًا في التاريخ بما يقرب من 1.33 مليار دولار ـ مقتبس عن حكاية لأندرسن تحمل اسم “ملكة الثلج”.

ويليام بتلر ييتس

ويليام بتلر ييتس (1865-1939) هو شاعر وكاتب أيرلندي، وعضو مجلس العموم البريطاني، ويعد واحدًا من أشهر الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وقد اهتم بإعادة إحياء التراث الثقافي الأيرلندي، كما أنه شكل جسرًا يربط بين الثقافة البريطانية والأيرلندية، وحصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1923.

وقد اهتم ييتس بالفن الشعبي وقال عنه إنه “التربة الخصبة التي نبتت منها كل أشكال الفنون” لذا اهتم كثيرًا بجمع الحكايات الشعبية الأيرلندية، وبالرغم من أنه قد سبق ييتس بعض المحاولات لجمع الحكايات الشعبية مثل محاولة الشاعر دوجلاس هايد والتي لم تلق نجاحًا كبيرًا ولعل السبب يعود لاستخدام هايد للغة الأيرلندية، في حين أن ييتس استخدم اللغة الإنجليزية لأن لها جمهور أكبر وعلى ذلك فقد لاقت حكاياته التي قام بجمعها رواجًا كبيرًا.

ويختلف ييتس عن الجامعين الآخرين أنه كان يؤمن بالفعل بالأشباح والجنيات والسحر، ولم ينظر لها كمجرد خرافات أو أساطير، وساعد في تأسيس “جمعية دبلن لعلوم السحر”، كما انضم إلى جماعة “الفجر الذهبي” الهرمسية وهي جمعية سرية تؤمن بالسحر، كما سعى ييتس لمختلف المرشدين والمعلمين الروحين، واهتم في كثير من الأوقات بالبحث عن آثار العالم الخفي، وظهرت هذه الاهتمامات في كتابته وشعره.

ومن أشهر الحكايات التي قام بجمعها: زمار القرية، وعشاء القس، والطفل المخطوف، وغيرها من الحكايات التي ترجمت إلى لغات عديدة، ومنها اللغة العربية تحت اسم ” حكايات شعبية من أيرلندا” وهي جزء من سلسلة ثقافات الشعوب الصادرة عن مشروع كلمة للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست

أثر ملحمة الكاليڤالا الفنلندية على أدب تولكين

تتميز العديد من الدول الأوربية بأساطيرها وملاحمها الخاصة من الأساطير اليونانية والنوردية والفنلندية وغيرها، إلا أن تولكن كان دائمًا ما يعرب عن قلقه من افتقار بلده “إنجلترا” إلى أساطيرها الخاصة، وقد عكف تولكين على بحث ودراسة الأساطير الخاصة بالبلدان، وواحدة من تلك الملاحم التي تأثر بها كانت ملحمة الكاليڤالا الفنلندية، وقد جمعت أغاني الكاليڤالا ونشرت في منتصف القرن التاسع عشر على يد العالم اللغوي الفنلندي إلياس لونروت .(1802-1884)

وتعتبر الكاليڤالا الملحمة الوطنية الفنلندية أحد أهم أعمال الأدب الفنلندي وكان الهدف منها إزكاء الروح القومية عند الفنلنديين والذي بدأوا يفقدون هويتهم بعد تعاقب احتلال عدة دول أجنبية عليهم لعدة قرون مثل السويد وروسيا، ويعزى الفضل للكاليڤالا في إلهام الصحوة الوطنية التي قادت في نهاية المطاف إلى استقلال فنلندا عن روسيا في عام 1917.

وقد أثرت الكاليڤالا كثيرًا على الفنلنديين، وكان اكتشاف الأساطير الأصلية لفنلندا السبب في منح الفنلنديين الشعور بالاستقلال والهوية الوطنية، وأصبح إلياس لورنوت بطلاً قوميًا في فنلندا، كما أصبح للكاليڤالا مكانة كبيرة في نفوسهم فأسموها “أساطير من أجل فنلندا” وقد كان لها أثر كبير في نفس تولكين الذي كان يقلقه افتقار بلده إلى أساطيرها الشعبية، فعكف على مشروع “أساطير من أجل إنجلترا” والذي أصبح فيما بعد يحمل اسم “السيلماريليون”.

قرأ تولكين الكاليڤالا عندما كان طالبًا في كلية الملك إدوارد في برمنجهام عام 1911 وانبهر بها كثيرًا، فقد استلهم تولكين من الكاليڤالا شخصية كوليرڤو بطله التراجيدي المأسوي، وقد كانت حكاية كوليرڤو هي نقطة تحول في حياة تولكين فقد كانت المرة الأولى التي ينتقل فيها تولكين من كتابة الشعر إلى كتابة النثر، وتعد شخصية كوليرڤو البذرة الأساسية لأغلب شخصيات وأساطير تولكين، والتي حملت اسم “السيلماريليون” وخاصة حكاية أبناء هورين وبطلها تورين تورمبار.

وقد أقر تولكين أنه “تأثر بشدة” بالأساطير الفنلندية، ويظهر في رسائله لخطيبته “إيديت برات” في عام 1914 رغبته في تحويل إحدى حكايات الكاليڤالا وهي قصة كوليرڤو والتي هي حكاية تراجيدية طويلة إلى قصة نثرية قصيرة مع مجموعة من الأناشيد، وبالرغم من أن القصة تعد عملًا غير منتهي لتولكين، إلا أن التشابه بينها وبين أعمال تولكين التالية وخاصة قصة أبناء هورين والتشابه بين كوليرڤو وتورين تورمبار يبدو واضحًا.

فكلا القصتين تعد حكاية مأساوية “تراجيدية” وكلا البطلين يمارسان الزنا مع أختهما بدون أن يعرفوا من تكون، وفي كلا القصتين تنتحر الأخت بإلقاء نفسها في الماء بعد اكتشاف ما قد تم ارتكابه من خطيئة، كما أن كلا البطلين يقتلان أنفسهما بسيفهما بعد أن يسأل البطل سيفه إن كان سيذبحه.

وبجانب تأثير حكاية كوليرڤو الواضح في حكاية تورين تورمبار، فإن أثرها يبدو واضحًا في أغلب حكايات السيلماريليون، وهي توضح أنماط السرد التي اتخذها تولكين في كتابة أساطيره، فهناك المأساة والقصة الأسطورية والشعر والنثر، ولذلك قال تولكين عن الحكاية المأساوية لكوليرڤو إنها المادة الخام التي طور منها أقوى قصصه.

توجد قصة كوليرڤو كمخطوطة واحدة في مكتبة “بودلي” وهي المكتبة البحثية الرئيسية في جامعة أكسفورد كمشروع خام للقراءة مع الكثير من الهوامش وأسطر من الإضافات والتصحيحات بالقلم الرصاص، وفي مسودة القصة كتب تولكين: “يجب أن يعاد تنقيح المخطوطة وإخراج التقرير النهائي عنها”.

وقد ظلت المخطوطة غير منشورة حتى عام 2010 عندما قامت الدكتورة الجامعية Verlyn Flieger بتحرير المخطوطة، ونشرها مع عدة تعليقات ومقالات في العدد السابع من جريدة دراسات تولكينية Tolkien Studies وهي جريدة أكاديمية سنوية متخصصة في دراسة أعمال تولكين، وتم نشر القصة بشكل منفصلة في كتاب “حكاية كوليرڤو” في أغسطس عام 2015 من خلالHarperCollins Publishers  وتم ترجمتها إلى العربية على يد المترجم أسامة أبو ترابة ويمكن الحصول على النسخة المترجمة ومعرفة المزيد عن تولكين وأعماله باللغة العربية من هنا

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست