الفانتازيا والرعب في الأدب المصري المعاصر

الفانتازيا باعتبارها فنًا قصصيًا هي أقدم أنواع الحكي الذي عرفه البشر منذ فجر التاريخ، فالفانتازيا هي الخيال، أو الحكايات الخيالية، قصص الآلهة والسحر والمخلوقات الأسطورية، فلا توجد حضارة بشرية قديمة تخلو من الميثولوجيا، وقصص الآلهة والخلق، والحكايات الشعبية عن الساحرات أو الغيلان أو الجنيات. ولعبت هذه الحكايات دورًا في تفسير الظواهر الغامضة التي وقف الإنسان البدائي حائرًا أمامها، مثل البرق الذي فسره الإسكندنافيون على أنه مطرقة ثور، وفسره الإغريقيون على أنه أسهم زيوس. وفي وقتنا المعاصر تعد الحكايات الشعبية جزءًا لا يتجزأ من الفن الشعبي لأي مجتمع بشري، فمن منا لم يستمع في صغره إلى حكايات الجدات عن الشاطر حسن وست الحسن والجمال، أو يتخيل نفسه جزءًا من مغامرة خيالية في عالم آخر سحري.

وقد حظيت الفانتازيا الحديثة بشعبية كبيرة في العصر الحديث، وتصدرت الفانتازيا المشهد السينمائي بأعمال ذات إنتاج ضخم مثل سيد الخواتم وهاري بوتر، ورغم اعتقاد البعض أن الفانتازيا قد تنزوي مع التقدم العلمي ونبذ الانسان للخرافات القديمة، إلا أن ما يحدث عكس ذلك، فيقول مارك تشادبورن المؤلف الفانتازي البريطاني: “كلما صار العالم أكثر عقلانية، جنحنا إلى اللا معقول في خيالنا.”

 

 

أما عن الرعب، فهو أيضًا جزء من اللاوعي البشري، يقول لافكرافت إن الخوف هو أقوى وأقدم المشاعر البشرية، وأقوى وأقدم نوع من الخوف هو الخوف من المجهول. فقد وجد البشر أنفسهم في بداية التاريخ في بيئة عدائية تمامًا لهم، فكان الخوف من الجوع، ومن المرض، ومن الحيوانات المفترسة المتربصة بالإنسان بين الظلال الداكنة، والخطر يحيط بالإنسان من كل حدبٍ وصوب، وقد انعكس هذا الخوف على ثقافة الإنسان في شتى الحضارات، ما بين المعتقدات والطقوس، وصولًا إلى الحكايات الشعبية عن المخلوقات المخيفة كالغيلان وغيرها.

وهكذا تتلاقى الفانتازيا والرعب عند هذا الخط الرفيع، فيمتزجان أو يفترقان، ولا يقتصر رعبنا على المخاوف القديمة، فحتى في العصور الحديثة وبعد التقدم البشري الكبير ما زلنا نعثر على أشياء جديدة تخيفنا، وخصوصًا بعدما أدركنا مدى اتساع الكون الشاسع ومدى ضآلة الجنس البشري على هذا الكوكب الصغير المسمى الأرض، وهل نحن وحدنا في هذا الكون الشاسع، أم أن هناك من يشاركنا إياه، وكلا الاحتمالين مخيف للغاية.

والسؤال هو، لماذا نستمتع بالرعب، ما سر حبنا في صغرنا لحكايات الجدات عن الجن والغيلان، أو حبنا في كبرنا للروايات والأفلام المرعبة، والإجابة هي أن الإنسان يحب أن يجرب المشاعر السلبية في بيئة آمنة، لعبة “الاستغماية” ونحن صغار وخوف أحدنا من أن ينكشف، ولكنه خوف بريء لا خطر منه، وكذلك استمتاعنا بلعبة قطار الرعب في الملاهي، هذا القطار المسرع المجنون الذي ينقلب بك رأسًا على عقب وتشعر أنك تكاد تهوي، ولكنك متيقن أن هذا لن يحدث، هذا هو مصدر الاستمتاع، تجريبنا للخوف والاحساس بالخطر، مع احساسنا الخفي بالأمان والطمأنينة. لهذا نحب أن نواجه المخلوقات المرعبة في الروايات والأفلام، لأننا نعرف أننا سننجو من هذه المواجهة، وهذا مصدر إحساسنا بالاستمتاع.

 

 

وهكذا نجد أن الفانتازيا والرعب يلعبان دورًا في حياة البشر وفكرهم ومعتقداتهم منذ القدم، ولهما دور لا يُستهان به في الأدب والوسائط الإعلامية الحديثة، فليس غريبًا أن يتجه العديد من الكُتّاب الشباب إلى هذا اللون من الأدب، فهم ذاتهم قد يكونون من عشاق الفانتازيا والرعب، فالكاتب غالبًا ما يكتب ما يحب أن يقرأه، فبعد موجة الفانتازيا الحديثة في الأدب والسينما، وجدنا الكثير من الكُتّاب الشباب يتجهون إلى ابتكار عوالمهم السحرية الخاصة، سواء مستوحاة من التراث العربي مثل “الغول الأحمر الأخير” للكاتب محمد الدواخلي، أو يغلب عليها التأثر بالطابع الغربي مثل “صانع الأحلام” للكاتب معتز حسانين. ولعل هذا يرجع أيضًا إلى أن شعبية هذه الأعمال الغربية قد فتحت الباب أمام نشر الأعمال العربية والمصرية، فقبل ذلك لم تكن الفانتازيا أو الرعب ضمن أنواع الأدب الحقيقية في أعين النقاد ودور النشر، ولا يعدوهما سوى قصص للأطفال على أقصى تقدير؛ ولكن بعد شعبية سيد الخواتم وهاري بوتر، وبعد أن ترجمتهما دار “نهضة مصر” إلى العربية، والتي اتجهت إلى ترجمة أعمال الفانتازيا الغربية الأخرى مثل “سيبتموس هيب” و”سبايدر ويك”، صار المجال متاحًا لنشر الروايات الفانتازيا العربية.

السبب الآخر والأهم، هو الكاتب الراحل “أحمد خالد توفيق” عليه رحمات الله، فهو لم يكن مجرد كاتب، بل كان ظاهرة أثرت في جيلٍ بأكمله، فقد كتب في أدب الرعب سلسلة “ما وراء الطبيعة”، وكتب سلسلة تحمل عنوان “فانتازيا”، ولكنه الكاتب الوحيد في مصر الذي كان يقرأ له الجميع من كل الأعمار بدءً من طلبة الابتدائية حتى طلبة الجامعة، كانت كلماته سلسة، وأفكاره بسيطة، ولكنها تحمل تيمات من الخيال والرعب، ورغم بساطتها وخيالها إلا أنها كانت تحمل بين طياتها أفكارًا عميقة، ودروسًا في الحياة، والعديد من الشباب تأثرت أفكارهم وشخصياتهم بكتابات هذا الرجل وحده، حتى أن بعضهم صار يحاكي شخصياته في التفكير أو حتى أسلوب الحديث، وبعضهم حاكى حتى أسلوب الكتابة، وبدأ يبني عالمه الخاص، ورأينا عددًا كبيرًا من كُتّاب الرعب في مصر، وصار بعضهم أسماءً لامعة مشهورة، ولكنهم يعترفون بأستاذية أحمد خالد توفيق حتى اليوم، وأهدوه في حياته لقب العرّاب، الأب الروحي لجيل من الشباب بأكمله.

 

 

كنت واحدًا ممن تأثروا بهذه المرحلة، فقد نشأت في صغري على حكايات جدتي الشعبية، وعندما كبرت قليلًا تأثرت بسيد الخواتم وهاري بوتر، ثم اتجهت لقراءة كتب الفانتازيا الغربية وفي الوقت ذاته تعرفت من خلال أحمد خالد توفيق إلى لافكرافت وبو، وقد كتبت بعض قصص الفانتازيا في المرحلة الإعدادية والثانوية ولكنها كانت محاولات غير ناضجة، حتى وصلت إلى روايتي المنشورة الأولى “ريـــم” وهي مزيج من الفانتازيا والرعب تأثرًا بتلك المرحلة، وقد بدأت الفكرة بقصة رعب قصيرة كتبتها بعنوان “القط الأسود” ثم توسعت في الفكرة والعالم ومرت القصة بالعديد من التعديلات والتغيرات، حتى وصلت إلى هيئتها الأخيرة المعروفة باسم “ريـــم”. القصة لا تمزج بين الرعب والفانتازيا فقط، بل تمزج ملامح الحكايات الشعبية المصرية، بعناصر من الحكايات الشعبية الأوروبية، التي فُتِنْتُ بها كثيرًا وقرأت لأغلب جامعيها من الأخوين جريم وهانز كريستيان أندرسن وغيرهم.

ورغم أن الروايتين المنشورتين بعد “ريـــم” وهما “ملاذ: مدينة البعث” والشتاء الأسود ينتميان إلى أدب الخيال العلمي، أو أدب ما بعد الكارثة على وجه التحديد، إلا أنه ما يزال في جعبتي العديد من الحكايات الفانتازية التي لم أروِها بعد، وروايتي القادمة ستكون من أدب الفانتازيا بإذن الله.

 

نشر المقال لأول مرة على موقع لأبعد مدى

هكذا تسللت ميثولوجيا لافكرافت إلى اللاوعي الجمعي

يعد هوارد فيليبس لافكرافت من الكُتّاب القلائل الذين يتركون ورائهم تأثيرًا كبيرًا لا على الأدب وحده، ولكن على الثقافة البشرية بشكلٍ عام، فيمكن أن ترى إشارات وتلميحات واقتباسات إلى عناصر عدة من أعمال لافكرافت في العديد من أشكال الفن كالروايات والمسرحيات والأغاني والسينما وألعاب الكومبيوتر، وأصبحت كلمات من كثولو وآرخام ونيكرونوميكون معروفة لدى العديد من الناس حتى هؤلاء الذين لم يقرؤوا أعمال لافكرافت.

ما يجعل الأمر أكثير إثارة للحيرة هو أن لافكرافت عاش حياته بلا أي شهرة، ولم تتعدى قراءة أعماله دائرة أصدقائه ومعارفه وعدد قليل من متابعي المجلات التي كان ينشر بها، بل أنه نفسه كان يتنبأ باندثار أعماله بعد موته، فما سر تلك الشعبية الطاغية لأعمال لافكرافت؟

العديد من الكتاب وخصوصا في الفانتازيا يسعون إلى خلق العوالم والميثولوجيا الخاصة بهم، وكثيرًا ما يتم الإشارة إلى أعمال بعض الكُتاب الفانتازية بأنها ميثولوجيا، مثل ميثولوجيا تولكين في السيلماريليون، أو ميثولوجيا سي. اس. لويس في نارنيا، ولكن هذه الأعمال لا تصنف كميثولوجيا حقيقية، بل يظل تصنيفها رواية، عمل إبداعي لكاتب استطاع أن يخلق عالم بكل تفاصيله، ولكنهم لم يصلوا حقًا إلى مرحلة الميثولوجيا، وذلك لأنهم يفقدون عنصر هام موجود في ميثولوجيا الشعوب المنتشرة على نطاق واسع، وهي دورة المحاكاة.

المقصود بدورة المحاكات هي بداية القصة بفكرة صغيرة، يتم تداولها وتحريفها وتضخميها مرارًا وتكرارًا، لتعكس شيئًا جديدًا في كل مرة متعلق براوي تلك القصة، فكل الحكايات والأساطير القديمة عن الآلهة والوحوش الأسطورية والأبطال هي مجرد انعكاس لأفكار البشر ومشاعرهم وطموحاتهم ومخاوفهم.

بشكلٍ ما استطاع لافكرافت أن يحقق ذلك لسبب بسيطة وهو أنه لم يكن يكترث ببناء عالم، بل جاء بسبب عادة لديه أثناء الكتابة وهي أن يشير إلى نفس العناصر مرارًا في أعمال مختلفة، وقد يكون لإحداها دورًا صغيرًا في إحدى القصص، ثم يصبح لها دورًا أكبر في أعمال أخرى. فمدينة آرخام على سبيل المثال ظهرت للمرة الأولى في قصة “هربرت ويست المعيد إلى الحياة” ثم ظهرت بعدها بسنوات في قصة “الاحتفال” ثم أصبحت نقطة مركزية للأحداث الخارقة للمألوف في كل أعماله. وفي قصته الشهيرة “الظل فوق إنزماوث” يكون لداجون أحد الكيانات القديمة دورًا كبيرًا، ولكن العديد من القراء لا يعرفون أنه قد ظهر قبلها بأربعة عشر عامًا في قصة قصيرة للغاية بعنوان “داجون”.

 

شخصية غريبة الأطوار

 

 

النقطة المهمة الأخرى هي شخصية لافكرافت غريبة الأطوار، فبسبب المعاناة التي مر بها في طفولته أصبح لافكرافت شخصًا منطويًا وأغلب تواصله مع المحيطين فيه كان عبر الخطابات، التي ترك وراءه عشرات الآلاف منها، في تلك الخطابات كان يشجع أصدقائه والكتاب المبتدئين على مشاركته عالمه، والبناء على أساس أساطيره، وأحد هؤلاء المشاركين هو كلارك أشتون الذي قدم مخلوقًا يدعى “تساثوجوا” تم التلميح له لاحقًا في بعض أعمال لافكرافت، مثل “الهامس في الظلام” و”الرعب في المتحف” و”على جبل الجنون”.

كتب فرانك لونج في المقدمة التي لم تنشر لقصته “آكلو الفضاء” اقتباسًا غير موثوق المصدر لكتاب لافكرافت المسمى “النيكرونوميكون” من المفترض أن من ترجمه هو جون دي العالم الحقيقي الشهير الذي لعب دورًا كمستشارٍ للملكة إليزابيث، لاحقًا ضم لافكرافت هذه الترجمة إلى عالمه مشيرًا إلى اسم جون دي كمترجم للعمل في بعض خطاباته عن تاريخ النيكرونوميكون.

بتلك الطريقة صنع لافكرافت قاعدة عريضة يدعم بها عالمه، ترك لافكرافت العديد من التفاصيل الغامضة، والقطع الناقصة في أعماله، والتي ملأها بعده الروائيين والموسيقيين وصانعي الألعاب لتتفرع الحكايات أكثر وأكثر وتكتسب المزيد من التفاصيل ويظهر منها العديد من الأطوار والنسخ، تمامًا كما حدث من الخرافات والأساطير قديمًا.

وكما تعكس الأساطير الشعبية مخاوف ومشاعر تلك الشعوب، فقد عكست أساطير لافكرافت أفكاره ومشاعره ومخاوفه الخاصة؛ فلسفة لافكرافت حول العالم والحياة البشرية هي فلسفية عدمية، يرى عبثية الحياة أمام هذا الكون العشوائي الأعمى، ونرى ذلك متجسدًا في الدور الضئيل الذي يلعبه البشر في أعماله أمام الكيانات الهائلة المخيفة التي لا تكترث بالبشر، مثل أزاثوث الإله الأعمى الذي لا يفصله عن الكون المألوف سوى غشاء رقيق، إنه قوة فوضوية مخيفة قادرة على تدمير الكون كله، ولا يستطيع أحد من الكيانات القديمة الوقوف أمام وجهه. كما أن العديد من أشكال الحياة قد انبثقت بالصدفة من الإلهة العمياء شَب ـ نيجوراث التي أنجبت العديد من الكيانات القديمة مثل كثولو وتساثوجوا ونج ويب. في الميثولوجيا يكون لإلهة الخصوبة دور كبير ويتم الإشارة للإنجاب باعتباره طقس مقدس، أما لافكرافت فكان يعبر عن سخطه على الحياة وربما احتقاره لها. حتى كثولو نفسه يمثل تلك العدمية والسخط، فصحوته الأخيرة ستؤدي إلى فناء البشر ودمار كل ما بنوه على تلك الأرض، لا شيء سيبقى، الكل سيفنى. وقد صنفه الناقد الإنجليزي كولن ولسن بأنه من الكتٌاب الرافضين للواقع المعاش، وقال في كتابه المعقول واللامعقول في الأدب الحديث أن لافكرافت يهرب من الواقع بطريقة هستيرية ساخطة، تبتعد كثيرًا عن الايجابية والمعقول.

 

خطورة المعرفة

 

 

نرى أيضًا فلسفته حول خطورة المعرفة وعدم قدرة البشر على تحمل الحقيقة في الكثير من أعماله التي يصاب أبطالها بالجنون لأنهم عرفوا أكثر من اللازم، ويتجسد ذلك في يوج ـ سوثوث الذي يعرف الماضي والحاضر والمستقبل، ويهب المعرفة لمن يسعى ورائها ويطلبها، ودومًا ما تؤدي تلك المعرفة إلى الجنون، ولعل ذلك يعكس شغف لافكرافت دومًا بالعلم وما تبع ذلك من فشل أكاديمي.

أشرنا أيضًا إلى شخصية لافكرافت المنطوية غريبة الأطوار، ولكنها لا تقف عند هذا الحد، فلافكرافت كان عنصريًا ولديه خوف من الغرباء، وأي شيء خارج نطاق عالمه المألوف في نيو إنجلاند، وأعماله الأولى خصيصا مليئة بالإشارات العنصرية حيث يضع الرجل الأبيض في مكانة أعلى من البشر الآخرين، ونرى اسقاط ذلك في بعض الكيانات القديمة في أعماله مثل “نيرلاثوتب” المخادع المتحول، الوحيد الذي يستطيع التحرك بحرية عبر الغشاء الذي يفصل بين العالم المألوف وعالم الآلهة الخارجية، إنه يرمز لتسلل الغرباء إلى عالمنا المألوف، ونرى أيضًا جنس قاطني الأعماق الذين يتجانسون مع البشر في “الظل فوق إيزنماوث” الذين يحملون العديد من الإشارات والدلائل على خوف لافكرافت من الآخر، والجدير بالذكر أن حدة تلك العنصرية قد خفت كثيرًا في أعماله اللاحقة، ويصفه بعض النقاد بأنه ضحية فترة عنصرية في بلدة عنصرية، وبالتأكيد فإن طبيعته المنطوية قد ساهمت في تعزيز ذلك الخوف والعنصرية.

يمكن رؤية تلك الاسقاطات في كل أعماله، فهو لم يستخدم تلك العناصر مرارًا وتكرارًا لأنه كان يرغب في بناء عالم، بل لأن تلك العناصر هي إسقاطات لمشاعره ومخاوفه، وهذا هو سر شعبية تلك الأعمال، فكما استخدم القدماء الأساطير والآلهة مثل زيوس أو ثور أو إيزيس أو عشتار كتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم ومخاوفهم، كذلك نستخدم نحن أساطير لافكرافت للتعبير على سخطنا على الحياة أو خوفنا من الآخر أو احساسنا بضآلة الجنس البشري أمام قوى أخرى مخيفة مجهولة تقبع لنا في الظلام.

 

نشر المقال للمرة الأولى على موقع الميادين

جورمنجاست .. العبقرية حبيسة عقل ميرڤن بيك

الكاتب البريطاني ميرڤن بيك Mervyn Peake هو رجل متعدد المواهب، إنسان مبدع، وفنان غريب الأطوار، هو كاتب وشاعر ورسام، ورغم شهرته الكبيرة في موطنه بريطانيا، إلا أن القليل يعرفون عنه وعن أعماله حول العالم، ولكن ميرڤن بيك له مكانة خاصة في الأدب الإنجليزي، وخصوصا أدب الفانتازيا، فثلاثيته الرائعة “جورمنجاست” تعد المؤسس لفرع مستقل من الفانتازيا وهي فانتازيا الأشخاص، وهي الفانتازيا المعنية بأفكار الشخصيات ومشاعرهم وانفعالهم ودوافعهم، العناصر الخيالية في تلك الروايات ليست السحر أو التنانين أو الأجناس الأسطورية المختلفة، بل أشخاص وأماكن من الواقع نفسه، كذلك فعل ميرڤن بيك في كتابة روايات سلسلته جورمنجاست، فعالم جورمنجاست ينتمي لعالمنا الحقيقي، قلعة عتيقة، وعائلة ذات دماء نبيلة، وتقاليد وطقوس تجري طيلة قرون بين أصحاب تلك الدماء. ولكن شخصيات بيك هي من تجعل العالم لا مثيل له، أفكارهم ودوافعهم وصراعهم مع ذاتهم أو لتحقيق أفكارهم الخاصة هو من يجعل هذا العالم عجيب. ما يثبته بيك بكتابته هو عالمنا الواقعي يمتلئ بالأعاجيب إذا حدقنا النظر حولنا، ويحتاج الأمر لكاتب حقيقي ومبدع كي يستطيع رؤية هذه العجائب ورسمها على الورق.

 

قلعة جورمنجاست

 

يقول الروائي الكندي روبرتسون ديفيس: “يعد ميرڤن بيك شاعرًا مرهف الحس أكثر من إدجار آلان بو، لذا كان قادرًا على الحفاظ على روعة عالمة الخيالي [الفانتازي] خلال ثلاثة روايات. إن ثلاثية جورمنجاست هي عمل عظيم للغاية … وأحد كلاسيكيات عصرنا الحالي.”

يعد الجزء الأول “تايتوس جرون” تمهيدًا لعالم جورمنجاست، يتعرف على المكان الشخصيات واحدًا تلو الآخر، فنعرف أن جورمنجاست قلعة عريقة مبنية على مساحة شاسعة، بأبراج متداعية وجدران يغطيها اللبلاب، ينظر إليها قاطني الوادي من حولها بنظرة إجلال وتقدير يكاد يصل إلى مرتبة التقديس الديني، يقطن القلعة عائلة جرون النبلاء وسيدها اللورد سيبلكريڤ هو الإيرل السادس والسبعين لعائلة جرون، والذي يتوق لوريث يحمل اللقب من بعده. ونتعرف على كذلك على زوجته الكونتيسة جريترود وطباعها الغريبة وابنتها فيوشا ذات الخمسة عشر ربيعا والسيد فلاي كبير الخدم، وسويلتر كبير الطهاة، وسوردست سيد الطقوس والمشرف على المراسم وابنه برانكنتاين فيما بعد، والطبيب برونسكويلر وأخته إيرما، والعمتان التوأم كورا وكلاريس جرون وستيربايك الفتى الماهر الماكر الذي يبدأ كفتى من فتيان المطبخ، ويصبح له دورًا كبيرًا في الحبكة فيما بعد.

تبدأ الحبكة بميلاد البطل تايتوس جرون، الذي يمثل حدثًا هامًا في حياة القلعة، وعلى الفور يعج المكان بالحركة من المطبخ في الطابق السفلي حتى قاعة المنحوتات اللامعة في الطابق العلوي، وينفض سيد الطقوس التراب عن الكتب القديمة استعدادًا لاستقبال الإيرل السابع والسبعين لعائلة جرون، ورغم أن الكتاب يحمل اسم “تايتوس جرون” إلا أن دوره في الحبكة صغير ويظل طيلة الأحداث طفلًا رضيعًا لا يتجاوز عمره العامان.

 

بعض الشخصيات من عالم جورمنجاست بريشة ميرڤن بيك

 

الجزء الثاني “جورمنجاست” يبدأ بتايتوس وهو في عمر السابعة، وهو طفل متمرد يحاول رفض تلك الطقوس والتقاليد التي فرضت عليه منذ مولده، وتظهر شخصيات جديدة مثل طاقم التدريس في مدرسة جورمنجاست وخصوصا المدير بيلجروڤ، و”الشيء” تلك الفتاة الصغيرة التي ولدت مع مولد تايتوس من مرضعته، وأثرها في حياة تايتوس، ويعد الجزء الثاني استكمالًا لقصة الجزء الأول، فكليهما يتبعان نفس الشخصيات في نفس المكان وهو قلعة جورمنجاست كما أن هذا الجزء يغلق بعض الخيوط التي تركت مفتوحة في الجزء الأول.

ورغم أن الجزء الأول امتاز بمسحة من التراجيديا في أحداثه، إلا أن الجزء الثاني يعد أكثر منه تراجيدية، فقلعة جورمنجاست في هذا الجزء تكسوها مسحة من الكآبة، ولكنها ليست كآبة منفرة، بل كآبة سحرية تشبه تلك التي تنتابك وأنت تتأمل غروب الشمس، أو تستغرق في حالة من النوستالجيا، إنها كآبة بشكلٍ ما في نهاية القصة تشعر أنها غسلت روحك.

أما الجزء الثالث “تايتوس وحيدًا” فيختلف عن الجزئيين الأول والثاني بشكلٍ كبير، فالجزئين الأول والثاني يدوران في قلعة جورمنجاست، ويمتازان بكبر الحجم والوصف الدقيق للتفاصيل الصغيرة، ورسم ملامح كل شخصية ودوافعها وأفكارها، أما الجزء الثالث لا يدور في قلعة جورمنجاست، بل بعد خروج تايتوس لرؤية العالم الخارجي ومعرفة أسراره، ليفاجئ بعالم يختلف تمام الاختلاف عن عالمه المألوف، ففي الخارج يركب الناس السيارات والطائرات ويوجد حكومة وشرطة وأوراق رسمية وعلماء وأجهزة غريبة، وهم لا يعرفون شيء عن جورمنجاست ولا عن تقاليدها العريقة، بالنسبة لهم تلك الطقوس والتقاليد شيء من الماضي قد انتهى، وبالنسبة لهم تايتوس شخص مجنون يخيل له وجود هذا العالم المسمى جورمنجاست.

 

قلعة جورمنجاست بريشة الفنان البريطاني آلان لي المشهور برسم عالم الأرض الوسطى لتولكين

 

يضل تاتيوس طريق عودته إلى بيته ووطنه، وفي ظل عدم تصديق الناس لوجود جورمنجاست يبدأ هو نفسه في الشك في وجودها، بل والشك في عقله ذاته، لذا نجد أن تايتوس يبحث عن جورمنجاست كي يجد نفسه، كي يثبت لنفسه أنه ليس مجنون، وأن ماضيه وطفولته وكل الأحداث التي عايشها هي أحداث حقيقية لا من اختلاق عقل مجنون.

تايتوس وحيدًا هي النوستالجيا مجسدة في كتابٍ واحد، فيشاطر القارئ تايتوس شعوره بالوحدة، وشعوره بالغربة، وشعوره بالحنين إلى ماضيه ووطنه، كما يبرع في رسم هذا العالم الحديث، بآلاته وتكنولوجيته الغريبة، حتى لتشعر أن ميرڤن بينك قد مزج بين الفانتازيا والخيال العلمي في مزيج غريب وممتع.

بسبب اختلاف الجزء الثالث عن الجزأين السابقين له فإنه لقى ردود فعل متباينة بين القراءة، البعض كان يرغب في أن تظل الأحداث في نطاق جورمنجاست، وأنا كنت أشاطرهم الرأي في بداية مطالعتي للجزء الثالث، ولكني أحببت العالم الجديد الغريب وشخصياته الجديدة التي رسمها بيك، وشعرت في العديد من المشاهد أنها تشبه تلك اللوحات القديمة التي تتخيل المستقبل بما فيها من غرابة وسحر. الجدير بالذكر أن هناك نسختان من “تايتوس وحيدًا” النسخة الاولى التي قدمها ميرڤن بيك للناشر، ثم عاد وقام بتحسينها وتنقيحها وأضاف لها العديد من الفصول والمشاهد، وقد سعت أرملته ميڤ جيلمور لنشر الجزء الثالث منقحًا وكاملًا بمساعدة بعض أصدقاء زوجها الراحل حتى نجحت في ذلك أخيرًا بعد موت زوجها بسنواتٍ عديدة.

 

ميرڤن بيك وأرملته ميڤ جيلمور

 

لغة بيك شعرية وسحرية، ورغم واقعية العالم إلا أنك ستشعر كأنك تسير في حلم، العالم جميل وينبض بالحياة، كل شخص، كل مكان، كل حجر من أحجار القلعة مرسوم بدقة شديدة وريشة رسام تجعلك ترى كل مشهد وتتخيله وتعيشه، ولعل هذا يرجع لكون بيك رسام في الأصل، فقد اشتهر برسم كتب الأطفال الكلاسيكية مثل أليس في بلاد العجائب وجزيرة الكنز، كما كان لرسوماته دورًا في الحرب العالمية الثانية حيث صورت لوحاته مأساة الحرب ومعاناة الضحايا، كما أن بيك هو الرسام الوحيد الموجودة رسمته الذاتية في متحف اللوحات الوطني البريطاني National Portrait Gallery، كما أن مخطوطاته الأولى لروايات جورمنجاست التي كتبها بيده كانت تحوي بعض الرسومات لشخصيات وأماكن من الرواية.

 

رسمة من مخطوطة تايتوس جرون تظهر ستيربايك وفيوشا كما تخيلهما بيك

 

يأخذ بيك وقته في رسم المشهد، كل حركة، كل صوت، كل رائحة، وهذا ما يجعل إيقاع الرواية بطيئًا، ولكنه ليس مملًا، فالقارئ يسير بين مشاهدة مسحورًا مبهور الأنفاس، فهو يجعل القارئ يرى كل مشهد ويتخيله ويعيشه، كنت أحتاج أثناء قراءة الروايات لبعض اللحظات بين مشهد وآخر كي أفكر فيه وأتخيله واتأمله، أحيانا أستمر في القراءة كي أكتشف بعد عدة فقرات أنني ما زلت مستغرقًا في مشهدٍ سابق. ورغم بطء إيقاع المشاهد إلا أن القارئ يظل متيقظًا متحفزًا، دوافع الشخصيات المرسومة بدقة، الأفكار التي تدور في عقلها، اهتمام القارئ الحقيقي بمصير الشخصيات وتعلقه بها تجعله يرغب في معرفة ما سيحدث فيما بعد، العديد من المشاهد في القصة اضطرتني للوقوف لأنني لم أحتمل البقاء هادئًا وانا اقرأ المشهد.

يقول الكاتب البريطاني سي إس لويس مؤلف سلسلة نارنيا عن أعمال بيك أنها: “إضافة حقيقية لحياة المء، إنها كحلمٍ نادر تمنحنا إحساسً لم نشعر به من قبل، وتوسع إدراكنا ومجال الخبرات التي قد يخوضها الإنسان.

تم اقتباس “جورمنجاست” بعد ذلك في العديد من الأعمال المسرحية والمسلسلات الإذاعية على الراديو والمقطوعات الموسيقية الأوبريالية، كما قامت BBC سنة 2000 بإنتاج مسلسل بعنوان جومنجاست يتناول قصة الجزء الأول والثاني من السلسلة بطولة العديد من النجوم البريطانيين اللامعين مثل سير كريستوفر لي وايان ريتشاردسن وسيليا ايمري وغيرهم، ولاقى المسلسل احتفاء النقاد وحظي بالعديد من الجوائز مثل الجائزة البريطانية لفنون الفيلم والتلفزيون.

 

طاقم مسلسل جورمنجاست

 

كان بيك يرغب في أن تكون سلسلة جورمنجاست ـ أو كتب تايتوس كما أسماها ـ ملحمة تتبع شخصية واحدة منذ المولد حتى الموت، فالجزء الأول “تايتوس جرون” يتحدث عن مولد تايتوس وتأخذ فترة كونه طفل رضيع، أما الجزء الثاني “جورمنجاست” فيتحدث عن مرحلة الفتوة وبداية سنين المراهقة، أما الجزء الثالث والذي تدور أحداثه خارج قلعة جورمنجاست فيتحدث عن مغامرات المراهقة وطيش الشباب، حتى يبلغ تايتوس مرحلة النضج، وكان من الممكن أن يكمل ميرڤن بيك مشروعه لو يصاب بالمرض الذي جعله يتوقف عن الكتابة، قبل أن يداهمه الموت وهو يضع الخطوط الأولية لرواية رابعة بعنوان “استيقاظ تايتوس” ولكنه لم يترك منها سوى ورقات قليلة، وحاولت أرملته إكمال القصة على نفس المنوال ونشرتها لاحقًا ولكنها لم تقبل نفس الاحتفاء الذي قوبلت به روايات زوجها الأصلية.

فقد الأدب الإنجليزي والعالمي الكثير بموت ميرڤن بيك قبل أن يكمل سلسلته، وكم كنت أتمنى أن أرى المزيد من تلك العبقرية الحبيسة في عقل ميرڤن بيك، ولكن ستظل سلسلة جورمنجاست شاهدة على ابداعه وعبقريته.

نشر المقال للمرة الاولى على موقع شبكة الميادين الإعلامية

لورد دونساني الأب الروحي للفانتازيا المعاصرة

عند الحديث عن الفانتازيا هناك العديد من الأسماء التي يتطرق إليها النقاش، مثل تولكين وسي اس لويس وغيرهما، ولكن نادرًا ما يذكر أحد الكاتب العظيم لورد دونساني، الذي يعد بحق الأب الروحي لأدب الفانتازيا الحديثة، وتعد روايته الأشهر “بنت ملك الجن” واحدة من أهم الأعمال في الأدب الإنجليزي على الاطلاق.

ولد إدوارد جون وليام بلانكت في الرابع والعشرين من يوليو سنة 1878 لعائلة دونساني واحدة من أعرق العائلات الأيرلندية ويعد لقب دونساني ثاني أقدم لقب أيرلندي مستمر حتى يومنا هذا، وقد حمل إدوارد اللقب مبكرًا بعد وفاة أبيه في سن صغير ليصبح البارون الثامن عشر لعائلة دونساني.

قضى دونساني جزءًا كبيرًا من حياته في قلعة عائلة دونساني الواقعة بالقرب من تل تارا ونهر بوين في آيرلندا، وهو أقدم بيت آيرلندي مأهول بالسكان حتى يومنا هذا، كما تلقى تعليمه في لندن، ودبلن عاصمة جمهورية آيرلندا بجامعة ترينتي، وعمل بعدها مع ويليام بتلر ييتس جامع التراث الآيرلندي الشهير وليدي جريجوري الخبيرة في الأساطير الشعبية الآيرلندية وغيرهما على مشروع إحياء الأدب الأيرلندي الذي أطلق عليه لقب الشفق الكِلتي Celtic Twilight كما تبرع بمبلغ كبير لبناء مسرح آبي الذي عُرضت عليه مسرحيات تمثل الثقافة الآيرلندية والتراث الآيرلندي ويعد حتى اليوم المسرح القومي للجمهورية الآيرلندية.

قلعة عائلة دونساني

 

أدب دونساني وآلهة بيجانا

بدأ دونساني مشواره في الكتابة سنة 1890 وكان كاتبًا نشيطًا حيث كتب طيلة حياته العديد من الروايات والقصص القصيرة والمسرحيات والقصائد الشعرية، وبلغت عدد كتبه أكثر من ستين كتابًا، إلا أن نجمه لم يبزغ إلا بعد نشر كتابه “آلهة بيجانا” “The Gods of Pegāna” سنة 1905 وهو من العلامات الفارقة في الأدب الإنجليزي وأدب الفانتازيا على وجه الخصوص؛ فلورد دونساني هو أول كاتب يبتكر مجمع آلهة بالكامل من خياله، بأساطير الخلق وجغرافيا العالم وحكاياته الأسطورية، حيث تتحدث الحكايات عن إله يسمى مانا يود سوشاي الذي خلق الآلهة الأخرى مثل كيب إله الحياة وسيش إله الزمن ومونج إله الموت، قبل أن يستريح مانا يود سوشاي ويخلد إلى النوم، وتبدأ الآلهة الأخرى في خلق العالم والحيوانات والبشر، وينتهي العالم بعدما يستيقظ مانا يود سوشاي من النوم، لذا يحرص سكارل قارع الطبول على العزف باستمرار كي تجعل موسيقاه وألحانه مانا يود سوشاي يستغرق في النوم، فلو توقف عن العزف لحظة واحدة لاستيقظ مانا يود سوشاي واختفت الآلهة والحياة والكون بحركة واحدة من يده.

مانا يود سوشاي من كتاب آلهة بيجانا

 

أصبح هذا العالم الذي ابتكره دونساني ركيزة لأعماله بعد ذلك، فقد تبع “آلهة بيجانا” بعد ذلك كتب أخرى مثل “الزمن والآلهة” سنة 1906 و”سيف ويليرون وحكايات أخرى” سنة 1908 و”كتاب العجائب” سنة 1912 واستمرت قصصه القصيرة ذات الطابع الفانتازي الأسطوري بآلهته ومخلوقاته الأسطورية وحكاياته الخرافية بعد ذلك مُضفية عمقًا خاصًا لعالمه، ليصبغ أدب الفانتازيا بصبغة جديدة، ويؤسس لأدب الفانتازيا الحديث كما نعرفه بصورته الحالية.

 

بنت ملك الجن

نشرت رواية “بنت ملك الجن” ” The King of Elfland’s Daughter” سنة 1924 وهي الرواية الطويلة الثانية للورد دونساني كما تعد من أهم أعماله، ومن أهم الأعمال في أدب الفانتازيا على الاطلاق، فهي الرواية الأولى من نوعها التي تقدم صورة الإيلف ـ أو الجن ـ النبلاء طوال القامة، وهو شكل مستوحى بشكل كبير من الميثولوجيا الاسكندنافية، بعيدًا عن الصورة الشعبية التي تصفهم بأنهم قصار القامة يسببون الأذى للناس ويعتدون عليهم، وهي الصورة التي نجدها في الأساطير الأيرلندية والإسكتلندية وغيرها، حتى أن تولكين لاقى صعوبات في النشر بسبب استخدامه لكلمة إيلف في قصائده لما تحمله من انطباع سيئ عند الناس، إلا أن كتاب بنت ملك الجن مهد الطريق أمام تولكين وغيره لاستخدام الإيلف بالشكل المستقر في وجدان قارئي الفانتازيا المعاصرين.

تميز أسلوب دونساني في رواية “بنت ملك الجن” بطابع ساحري شعري، فبناء دونساني للجمل وانتقاءه للكلمات ـ بشكل سلس لا متكلف ـ يجعل القارئ يشعر أنها قصيدة نثرية طويلة لا رواية، كما أنه من الكُتّاب القلائل الذين لا يجعلون السحر قوة يكتسبها البطل أو أداة للقتال أو وسيلة لتحريك الحبكة، فالسحر في عالمه سحري حقًا، جزء من العالم يتحرك ويتنفس، رائع وغامض وغير مفهوم وأحيانا مخيف، ولكنه جزء لا يتجزأ من العالم. وقد جعلت الرواية الكاتب آرثر كلارك يصف دونساني بأنه من أعظم الادباء في القرن العشرين، وقال عنه لافكرافت أنه: “مخترع ميثولوجيا جديدة، وحائك أساطير لا مثيل له.”، كما قال عنه ويليام باتلر ييتس أنه: “قد تجلي بجمال في عالمنا المعهود.”

غلاف رواية “بنت ملك الجن”

أثر دونساني على لافكرافت وتولكين

تأثر العديد من الكُتّاب المعاصرين بدونساني وأسلوبه وأفكاره، فقد تأثر به لافكرافت عندما سمعه يتحدث أثناء واحدة من رحلاته الأدبية للولايات المتحدة الأمريكية ـ التي تكررت ما بين عاميّ 1919 و1950 ـ وانبهر به بشدة، وكان لافكرافت في ذلك الوقت متأثرًا بإدجار آلان بو واتسمت كتاباته بسمات نوع من الرعب يسمى Macabre ـ من المرجح أنه مشتق من الكلمة العربية مقابر ـ والذي تدور تيماته حول الأماكن المهجورة والأشباح والموت، بدأ لافكرافت بعدها يميل إلى الفانتازيا وإن أكسبها طابعًا من الرعب، ويبدو أثر دونساني عليه واضحًا في كتاب “دائرة الأحلام” “Dream Cycle” وهو عالم خيالي من ابتكار لافكرافت لا يمكن الولوج إليه إلا عبر الأحلام، والإله الأكبر في عالم لافكرافت المسمى آزاثوث Azathoth حيث يبدو التشابه واضحًا بينه وبين مانا يود سوشاي فكليهما يخضعان للنوم تحت تأثير ألحان الموسيقى، وكليهما ينتهي العالم حين استيقاظهما، إلا إله لافكرافت إله أعمى مجنون يدمر العالم بدافع الفوضى وأطلق عليه لافكرافت ألقابًا عديدة مثل رب الجنون وسلطان الشياطين وإله الفوضى، وهو الجد الأكبر لكثولو الكيان الأشهر في عالم لافكرافت حتى أن عالمه الفانتازي يطلق عليه اسم ميثيلوجيا كثولو ” Cthulhu Mythos” وهو عالم كئيب مخيف يختلف عن عالم دونساني الشاعري الساحر، ولكن كلا العالمين يحملان العديد من الصفات المشتركة.

كما تأثر تولكين أيضًا ـ وهو الاسم الأشهر في عالم الفانتازيا ـ بكتابات دونساني عندما قرأها في شبابه، وقد تكرر اسم دونساني وكتبه عدة مرات في خطابات تولكين، وهناك تشابه بين قصص دونساني وبين قصائد “مغامرات توم بومبادل” التي كتبها تولكين، ولعل الكتاب صاحب التأثير الأكبر على تولكين هو كتاب العجائب ” The Book of Wonders” الذي يرى النقاد أن له دور كبير في بناء عالم السيلماريليون الخاص بتولكين.

لم يقتصر تأثير دونساني على لافكرافت وتولكين فقط، بل تأثر به العديد من كُتّاب الفانتازيا والخيال العلمي مثل مايكل موركوك، ونيل جايمان، وآرثر كلارك، وأورسولا كي لوجوين، وجاك فانس وغيرهم الكثيرين، بل اتسع تأثيره ليشمل ألوان أخرى من الفن كالمسرح والسينما والموسيقى.

لورد دونساني

حاز دونساني ـ نتيجة لما قدمه ـ على العديد من الجوائز مثل جائزة هارمسورث للأدب الآيرلندي كما كرمته جامعة ترينتي بمنحه الدكتوراه الفخرية، كما تم ترشيحه لجائزة نوبل عام 1950 ولكنه خسرها لصالح بيرتراند راسل. توفي دونساني سنة 1957 عن عمر 79 سنة، تاركًا وراءه ميراثًا كبيرًا وأثرًا لا يمحي على الأدب الأيرلندي والانجليزي وأدب الفانتازيا.

نشر المقال للمرة الأولى على شبكة الميادين الإعلامية

تولكين .. الرجل الذي أسيئ فهمه

لا خلاف على عبقرية تولكين وبراعته في الكتابة، وقد بذل تولكين مجهودًا ضخمًا في كتابة أعماله، حتى أن أصغر أعماله “الهوبِت” أخذت منه ما يربو عن عشرة سنوات لإنهائها، ناهيك عن “السيلماريليون” التي قضى عمره كلها يكتبها ومات قبل أن ينهيها. فالصورة التي تنطبع في ذهنك عن ذكر اسم تولكين هي صورة رجل عاكف على مكتبه بين ألاف المسودات والملحوظات يعيد كتابة ومسح ما كتبه من جديد، يضع كل تفصيلة في عالمه بحرص شديد، هو رجل أقرب للبناء الذي يبني صرح كبير بحذر وبمقاييس دقيقة، لا فنان مغامر يلوح بريشته على لوحة فارغه بدون أن يدرك ما النتيجة التي ستخرج بالنهاية، وهذا لأن هدف تولكين من البداية لم يكن كتابة رواية او اثنتان، بل كان له هدف أبعد من ذلك بكثير.

ولكن تولكن ـ ككل هؤلاء الذين ألهموا حركات واسعة ـ تم إساءة فهمه، ومن ضمن المفاهيم الخاطئة التي تُشاع حول تولكين هي أنه “أبو الفانتازيا” أو “مؤسس الفانتازيا” والبعض الآخر يقول لا ليس هو مؤسس الفانتازيا ولكن هو من جددها وحولها إلى الفانتازيا الراقية أو الملحمية أو غيرها من المصطلحات، والحقيقة أن جُل من يطلقون تلك المزاعم لديهم خبرة بسيطة بالفانتازيا، أو لم يعرفوها إلا من خلال أفلام هوليوود عن سيد الخواتم وغيرها. ولكن الحقيقة أن الفانتازيا قبل تولكن كانت فن مستقر له مكانته في الأب وكُتّاب أبدعوا فيه وأخرجوا العديد من الروايات والملاحم التي تركت أثرها في العديد من الناس، وحتى تولكين ذاته لم يطلق على نفسه هذا الزعم، بل اعترف بفضل من سبقوه، ومن تلك الأعمال رواية “التنين أوروبُروس” للكاتب إيرك إديسون والتي صدرت للمرة الأولى عام 1922 واحتوت على عالم مخترع بالكامل وأجناس أسطورية وسحر وحروب بين جيوش الخير وجيوش الشر. وقد قارن النقاد رواية سيد الخواتم عند صدورها برواية التنين أوروبُروس وحتى تولكين ذاته يعترف بتأثيرها الشديد عليه، وقد كتب سي اس لويس مؤلف رواية نارنيا مقدمة قال فيها “لا يوجد كاتب آخر نستطيع أن نقول إنه يشبه إديسون.”

خريطة عالم التنين أوروبُروس

ومن الروايات الأخرى التي سبقت تولكين رواية “بنت ملك الجن” للورد دونساني التي صدرت عام 1924 وهي واحدة من أكثر الروايات تأثيرًا في عالم الفانتازيا، وقد شكلت ظهور الـ Elf لأول مرة بشكلهم المألوف في الفانتازيا الحالية، وهم الإيلف النبلاء طوال القامة، وهو شكل مستوحى بشكل كبير من الميثيلوجيا الاسكندنافية، بعيدًا عن الصورة الشعبية التي تصفهم بأنهم قصار القامة يسببون الأذى والمشاكل للناس، وهي الصورة التي نجدها في الأساطير الأيرلندية والإسكتلندية وغيرها. وقد جعلت الرواية الكاتب آرثر كلارك يصف دونساني بأنه من أعظم الادباء في القرن العشرين، وقال عنه لافكرافت أنه: “مخترع ميثولوجيا جديدة، وحائك أساطير لا مثيل له.”، كما قال عنه ويليام باتلر ييتس جامع الحكايات الشعبية الأيرلندي الشهير أنه: “قد تجلي بجمال في عالمنا المعهود.”

لوحة عن رواية بنت ملك الجن

ومن الروايات التي صدرت في نفس سنة صحبة الخاتم، رواية “السيف المكسور” للكاتب الأمريكي ذي الأصول الدنماركية بَول أندرسُن والتي أشرت في مقال سابق إلى التشابه بينها وبين سيد الخواتم، من يحث احتوائها على الإيلف طوال القامة، والدوارف أو الأقزام الذين يسكنون بأعماق الأرض ويتخصصون في صنع الأسلحة، وكذلك تحتوي الرواية على سيف مكسور يجب إعادة جمعه، ويعود هذا التشابه إلى أن كلًا من تولكين وأندرسُن قد استقوا العديد من عناصر ملحمتيهم من الاساطير الإسكندنافية والانجلو سكسونية القديمة.

غلاف رواية السيف المكسور

والقائمة تطول، فالملامح الفانتازية ليست حديثة العهد كما يظن البعض ولم تبدأ في الظهور مع تولكين، بل سبقه وعاصره العديد من الكتاب الناضجين والمتمكنين من قلمهم، فما الذي يميز تولكين عن غيره؟ كما قلت من قبل أن هدف تولكين لم يكن كتابة الرواية في حد ذاته، فقد كان تولكين أن تولكن كان دائمًا ما يشعر بالقلق لافتقار بلده إلى أساطيرها الشعبية، فعكف على مشروع “أساطير من أجل إنجلترا” متأثرًا بما حدث مع الكاليفالا التي أطلقوا عليها اسم ” أساطير من أجل فنلندا” وأصبح مشروعه بعد ذلك يحمل اسم السيلماريليون، وأسلوب تولكين هذا إن كان حقق هدفه في مسعى تولكين الشخصي، إلا أنه قد أضر بأدب الفانتازيا الروائي، ولا اريد أن يفهمني أحد بشكل خاطئ أنني أعيب في تولكين، بل أنا أرى المشكلة فيمن أساؤوا فهم تولكين، فالعديد من الأشياء التي استخدمها تولكين في خدمة مشروعه تعد عيبًا حين استخدامها في الرواية. ومن قرأ الملاحم القديمة مثل الايدا النرويجية او الشاهنامة الفارسية او الكاليفالا الفنلندية سيدرك ما الذي يسعى تولكين لتقديمه، فتلك الحكايات تمثل الميثولوجيا الشاملة لتلك المناطق، فتبدأ من القصص الكونية وحكايات الخلق، حتى تصل إلى القصص الصغيرة وحكايات الجنيات، وتمتلئ بشتى أشكال الحكايات والأفكار والفلسفة والشخصيات والتاريخ، وهذا ما سعى تولكين لتحقيقه، لذا ملأ تولكين كتبه بالأشعار الطويلة واللغات المتعددة والإشارات لأحداث وأشخاص تاريخية في عالمه المختلق لا علاقة لها بالحبكة.

لوحة تجسد أحد مشاهد ملحمة الكاليفالا بالمتحف الوطني الفنلندي

واستخدم تولكين على سبيل المثال أسماء متشابهة لأبطال قصصه وهو شيء سيء إذا فعله أي كاتب لأنه يجعل الأمر يختلط على القارئ، ولكن تولكين كان يرغب في محاكاة الواقع حيث كانت تستخدم العائلات النبيلة القديمة أسماء متشابهة لأفرادها، وهذا الأمر يخدم ما يحاول تولكين فعله وهو بناء عالم موازي ولكنه لا يخدم الحبكة على الاطلاق. فالكاتب لا يكون هدفه نسخ الواقع ووضع أكبر عدد من التفاصيل في روايته، بل يجب على الكاتب اختيار كل تفصيلة بحرص ولا يضع إلى ما يخدم الحبكة وبناء الشخصيات.

أما كُتَاب الفانتازيا اللذين تلوا تولكين وتأثروا به وحاولوا محاكاته لم يكن لديهم نفس الفكرة ولا نفس المشروع، بل كان كل هدفهم هو تقليد نجاح تولكين، فأخذوا يملؤون كتبهم وعالمهم بتفاصيل ليست ضرورية ولا مفيدة للحبكة، وقد يفرط الكاتب في وصف شخصيات روايات معتقدًا أنه بهذا يبني الشخصية إلا أنه يعطيها أي عمق حقيقي فتصبح مجرد شخصية كليشية مسطحة أخرى، فينتصر أبطال رواياته في النهاية لأنهم المختارون، كما أن الأشرار في الغالب لا يمتلكون أي دوافع حقيقية. أحد الأمثلة جي كي رولنج والتي تعد كاتبة متوسطة في أفضل حال، ولم تكتسب شعبيتها إلا من خلال فكرة مدرسة السحر التي أخذتها عن أورسولا كي لوجوين، وتمتلئ أجزاء السلسلة بشخصيات نمطية وأحداث متوقعة وفجوات في الحبكة واستخدام مفرطة لحيلة deus ex machine إلا أنها مولعة أيضًا بما يطلق عليه الكُتّاب اسم بناء العالم، فتخرج من قوت لآخر لتخبرنا بمعلومة أخرى عن عالمها مثل أن دمبلدور شاذ، ولا مانع عندي من تقديم شخصية شاذة في الرواية إن كان هذا سيخدم الحبكة ويدفعا للأمام أو يضيف لبناء الشخصية، ولكن المعلومة ذكرتها الكاتبة بعد انتهاء السلسلة مما يعني أنها معلومة ليست ذات أهمية.

المأخذ الحقيقي الذي آخذه على تولكين، وسي اس لويس ايضًا، هو اختلافهم في تقديم الخير والشر عمن سبقوهم، فرغم أن دونساني وإديسون قدموا الصراع بين النور والظلام أو الخير والشر في عالمهم، إلا أنهم تطرقوا إلى الأمر بحرص، مدركين خطورة إطلاق الوصف على شيء بكونه خير محض أو شر محض، على عكس تولكين ولويس الذين لم يجدوا غضاضة في تقديم الخير باعتباره خير مطلق والشر باعتباره شر مطلق، وهو أمر خطير حين تقديمه في الأدب خصوصًا، فالقارئ يتأثر بتلك النظرة الثنائية “نحن مقابل هم” وخاصًا إن كان الكاتب يخاطب الأطفال مثل لويس في نارنيا. من السهل أن تخلق طرفين وتحدد أن أحدهم خير والأخر شرير وتخلق بينهم صراع بلا بناء درامي حقيقي ولا تطرق لفلسفة ودوافع وأفكار كل طرف، وهذا ما اتجه إليه معظم مؤلفي الفانتازيا في فترة ما بعد تولكن مثل سلسلة wheel of time لروبرت جوردن وsword of shannara لتيري بروكس، والتي يحلوا النقاد وصفها بـ Tolkien lit فالشخصيات مجرد نماذج أخرى من شخصيات تولكين، وصراع إكليشيهي بين الخير والشر في العالم مليء بالتفاصيل ولكنه ممل وضحل لا يرتقي حتى لمستوى عالم تولكين، فلا أحد مستعد لبذل الوقت والمجهود الذي بذله تولكين في بناء عالمه.

النقطة الأخرى هي الطول المبالغ فيه لثلاثية سيد الخواتم جعلت من المقبول تقديم أعمال بهذا الطول، ولم يتوقف الكُتّاب عند الحد الذي وصل إليه تولكين بل تخطوه بكثير، فثلاثية سيد الخواتم تقترب من النصف مليون كلمة وهو رقم ضخم ولكن سلسلة wheel of time للكاتب روبرت جوردن مثلا تتكون من 14 جزء مجموعهم ثلاثة ملايين ونصف كلمة!! والجدير بالذكر أن تولكين لم يقصد هذا الطول، بل عندما كان يفكر في كتابة جزء ثان للهوبِت ظن أنه سيكون أصغر بكثير لأن الهوبِت بلغت 90 ألف كلمة وهو رقم كبير بالفعل، أما اليوم إذا قمت بكتابة رواية فانتازيا من 90 ألف كلمة ربما يسخرون منك.

ما أريد قوله هو أن تولكين رغم عبقريه فإنه ليس الأب الروحي للفانتازيا، بل هو حجر في صرح الفانتازيا العظيم، كما أن مشروعه الميثولوجي بغير عمد منه قد أضر بفن الفانتازيا من الناحية الروائية، ولعل انبهار الناس بجودة التفاصيل ودرجة واقعية العالم يعمي عيونهم عن تلك العيوب. والسبب الآخر هو انبهارهم بالعالم السينمائي لسيد الخواتم والفضل في ذلك يعود إلى بيتر جاكسون. ولكن إذا أردنا أن تعود الفانتازيا إلى سابق عهدها فيجب أن يتوقف الكتاب عن محاولة تقليد ومحاكاة تولكن، إن لم تكن مستعدًا لبذل مجهود تولكين في عالمه فلا تحاول محاكاته أو تقليده، كما أنصح بالعودة إلى المنابع الأصلية للفانتازيا من أساطير وحكايات شعبية وملاحم قديمة، ولو فعل الشباب ذلك لرأينا أعمال فانتازية عظيمة تعود للظهور على الساحة مجددًا.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست

الكاتب أحمد المهدي يقوم بترجمة رواية التنين الاخير

كتبت/دنيا حسين بجريدة المساء العربي

قام الكاتب أحمد صلاح المهدي مؤلف رواية ريـــم الصادرة عن دار الكنزي بالنشر والتوزيع بمفاجأة متابعيه بتقديم ترجمة الرواية المصورة التنين الاخير وهي رواية مصورة تأليف جين يولين ورسومات ريبيكا جواي، وتقص الرواية قصة الحرب القديمة بين البشر والتنانين واستيلاء البشر على جزر التنانين وقتل التنانين وابادتهم .. أو هكذا ظنوا! فهناك بيضة واحدة نجت وظلت تتنظر عشرات السنوات قبل أن تفقس أخيرًا ويخرج منها التنين الاخير.

عن المترجم:

أحمد صلاح المهدي كاتب مصري، تخرج من كلية الآداب قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة. كتب عدة مقالات نقدية وأدبية على عدد من المواقع العربية منها نون بوست وكوميكس جيت، وصدر له مجموعة من قصص الأطفال بمجلة فارس بمصر، كما صدر له قصة أطفال بعنوان “الأرنب الشجاع” عن دار الأصالة بلبنان بالتعاون مع مؤسسة الفكر العربي. ورواية “ريم” مع دار الكنزي للنشر والتوزيع بمصر، كما قام بترجمة رواية “الإله العظيم بان” للكاتب آرثر ماكين بالتعاون مع دار إبداع للنشر والترجمة بمصر.

وقد صدرت القصة عن موقع بوابة الكوميكس المتخصص في ترجمة جميع الكوميكس الاجنبية لأشهر ابطالها المعروفين: سوبرمان، باتمان، البرق، الرجل العنكبوت وغيرهم الكثير.

كما أنه متخصص أيضاً في نسخ و تقديم الاصدارات القديمة من الكوميكس المعربة التي كانت تصدر في الوطن العربي: سوبرمان، العملاق، ما وراء الكون، بساط الريح، ميكي دار الهلال، سمير وغيرهم الكثير من هذه القصص الممتعة.

الموقع يسعى لتأسيس صناعة ثابتة و مستقرة لأدب القصة المصورة في مصر و المنطقة العربية ويحث الفنانين والكتاب الشباب والمهتمين في كل مكان على التدريب وتقديم المزيد من المحاولات و الأعمال الأصلية من خلال أقسام مخصصة لذلك.

يحتوي الموقع ايضاً على تحليلات و مقالات ادبية حول كل ما يخص الكوميكس و شخصياتها و كتابها.

ايضاً هناك اقسام مخصصة للأفلام و الالعاب المبنية على الكوميكس الشهيرة.

عن النوستالجيا والفانتازيا

من منا لا ينتابه الإحساس بالنوستالجيا، هذا الإحساس الجميل والمؤلم في الوقت ذاته، الحنين إلى طفولتك، إلى شيء فقدته وتعرف يقينًا أنه لن يعود، هذا الإحساس الذي يجعلك تشعر أن كل ما عايشته في طفولتك أجمل مما تعايشه الآن، من موسيقى وكتب وأفلام، هذا الإحساس مؤخرًا وأنا ألعب بعض ألعاب الأتاري القديمة وسألت نفسي هل هي حقًا أجمل من الألعاب الحديثة بكل ما تحمله من دقة في الرسومات والتفاصيل؟

الإجابة المنطقية هي بالتأكيد لا! ولكن هناك إجابة أخرى طرقت ذهني، في الماضي كان هناك قيودًا كثيرة في صناعة الألعاب والأفلام، وهذا ما جعل القائمين على هذه الأعمال يلجأون إلى ترك أشياء كثيرة بلا تفاصيل، ويعتمدون على مخيلة المشاهد أو اللاعب كي يملأ تلك التفاصيل الناقصة بخياله، هذا الذي لجأ إليه المصممون بسبب نقص الإمكانيات هو ما أعطى تلك الألعاب سحرها وجاذبيتها، كم من مرة وأنت تلعب لعبة قديمة من ألعاب الأتاري سألت نفسك ما هذا المبنى الغريب الموجود في خلفية اللعبة؟ أنت بالتأكيد لن تستطيع الوصول إليه ولا معرفة الإجابة، ولكن خيالك سيتكفل بهذا الأمر.

أتذكر واحدة من الألعاب كانت تسمى كاراتيكا Karateka واللعبة عبار عن لاعب كاراتيه يواجه مجموعة أخرى من لاعبي الكاراتيه وكلما هزم واحدًا منهم، يظهر الزعيم وهو يشير بيده لواحدٍ آخر كي يتقدم ويواجه البطل، ومن وقت لآخر تظهر فتاة جالسة وحدها حزينة، لم يكن هناك حوار أو حتى جمل مكتوبة ولا أي شيء يشير إلى قصة اللعبة، ولكن عقلي تكفل بملء كل التفاصيل، هذا البطل يسعى لإنقاذ تلك الفتاة المحتجزة، وهذا الذي يشير بيده للاعبي الكاراتيه هو الشرير الذي يحتجز الفتاه، ولا شك أن البطل هو حبيبها كان كل هذا كافيًا لإثارة مخيلتي، وكلما تركت اللعبة تذكرت الفتاة التي تنتظرني كي أخلصها من الرجل الشرير.

لعبة كاراتيكا

الأمر يشبه لعبة سوبر ماريو حيث لا تعرف شيئًا عن البطل ماريو ولا عن الأميرة التي يرغب في إنقاذها، ولا لما يقوم التنين باوزر ـ الذي لم نكن نعرف اسمه في ذلك الوقت ـ بخطف الأميرة باستمرار، ولكن هذه التفاصيل القليلة والرسومات التي تعتمد على أبسط قدر من التفاصيل، وموسيقى اللعبة التي هي عبارة عن ألحان بسيطة بقدر ما تسمح به إمكانيات الجهاز المتواضعة، كل تلك التفاصيل الصغيرة تحولت إلى أشياء عظيمة في خيالي، أذكر عندما لعب أخي اللعبة قبل أن أراها وعاد ليحكي لي عن مغامراته لإنقاذ الأميرة والوحوش التي قابلها والتنين الذي ينفث النار وقلعته المخيفة، لم تكن اللعبة بمثل تلك التفاصيل ولكنها كانت كذلك في مخيلتنا.

سوبر ماريو

هذا يأخذني إلى سؤال آخر، وهو سر شعبية مسلسلات مثل هركليز وزينا وسندباد في تسعينيات القرن الماضي، حيث كانت الشوارع تخلو من المارة ويتجمع الناس في المقاهي أو في بيوتهم لمشاهدة حلقة جديدة من هذا المسلسل أو ذاك، وهذه المسلسلات تعد فانتازيا، فهي تمتلئ بشتى أشكال الخيال والسحر والوحوش الأسطورية والمغامرات العجيبة، فما سر شعبية تلك المسلسلات القديمة ولما تحوز مسلسلات الفانتازيا الحديثة مثل تلك الشعبية؟ والإجابة على تلك النقطة هي نفس الإجابة على نقطة الألعاب القديمة، وهي اعتمادهم على مخيلة المشاهد لملء التفاصيل.

أبطال مسلسليّ هركليز وزينا

كُتّاب الفانتازيا المعاصرين مولعين للغاية ببناء عالم الفانتازيا وتفاصيله أو الـWorld Building ومولعين أيضًا بما يسمونه نظام السحر أو الـ Magic System وهذا يعني أن يشرح الكاتب كل شيء للقارئ بالتفصيل، بل بعضهم يقول إن على الكاتب التفكير في تفاصيل كل شيء في عالمه قبل أن يبدأ كتابة الرواية نفسها، وهذا لا يدع شيئًا لمخيلة القارئ إلا تخيل ما يكتبه المؤلف، وهذه النقطة هي ما يميز الفانتازيا عن غيرها من أشكال الكتابات الخيالية الأخرى.

الفانتازيا هي نوع قديم للغاية من الأدب كما قلت من قبل في مقال “ما بعد السحرة والتنانين: الأهمية الحقيقية للفانتازيا”: “الفانتازيا هي أقدم نوع قصصي عرفه الإنسان، فهي تعد جزءًا من اللاوعي الجمعي للجنس البشري، وقد امتلأت مخيلة الإنسان البدائي بحكايات عن الآلهة والبشر والسحرة والتنانين والوحوش الخيالية والأسطورية، كما أنهم وضعوا تفسيرات أسطورية للظواهر الطبيعية الغامضة التي وقف الإنسان البدائي حائرًا أمامها، مثل البرق فهو مطرقة ثور عند الإسكندنافيين، وهو أسهم زيوس عند الإغريق”.

الأمر بالنسبة لي أنا يشبه حكايات جدتي التي كانت تمتلئ بالفرسان والأميرات والساحرة الشريرة والغول والوحوش الغريبة، هذه الحكايات ينقصها الكثير من التفاصيل التي تجعلك تتخيل، يشبه الأمر عند تولكين شخصية “توم بومبادل” فهذه الشخصية تكسر كل القواعد التي وضعها كُتّاب الفانتازيا، فهي شخصية غامضة لا يعرف القارئ عنها أي شيء سوى أنها أقدم من الأجناس الموجودة في الأرض الوسطى، ولكن ليس هذا هو الغريب فقط، بل الغريب أيضًا أن تولكين نفسه لا يعلم أي شيء عن تلك الشخصية، لقد وضعها دون أن يعرف عنها الكثير، وقال إن على الكاتب أن يجهل بعض الأشياء في عالمه.

توم بومبادل

من الروايات التي أعجبتني كثيرًا رواية “بنت ملك جن” من تأليف لورد دونساني، فإنها رواية سحرية غامضة غريبة، لا يكاد دونساني يفسر فيها أي شيء، فمن هو ملك الجن وكيف ظهر عالمه وما علاقاته بعالمنا، ما سر خلود كل شيء في عالمه ولما يمضي الوقت في عالمنا أسرع من عالمه؟ لقد قضى البطل بضع دقائق في أرض الجن ليعود فيكتشف أن سنوات عديدة قد مرت في عالمه، هناك العديد من أشكال السحر في الرواية أيضًا ولكن الكاتب لم يشرح كيف يعمل هذا السحر، لا يوجد نظام سحر كما يسميه الكُتّاب المعاصرون، هذا ما يجعل القصة غامضة وسحرية ومثيرة للخيال، فالسحر في عالمه ليس مجرد قوة أو وسيلة للقتال أو أداة لتحريك الحبكة، بل السحر هو سحري حقًا، جزء من العالم يتحرك ويتنفس، رائع وغامض وغير مفهوم وأحيانًا أخرى مخيف، ولكنه جزء لا يتجزأ من العالم.

غلاف النسخة الفرنسية من رواية بنت ملك الجن

 هذا ما يجعلها فانتازيا حقًا، أن يشارك القارئ بخياله في ملء تفاصيل العالم، قد لا يكون عالم لورد دونساني ضخمًا ومعقدًا ومليئًا بالتفاصيل بحيث يحتاج إلى عدة أجزاء يبلغ كل جزء منهم حجم موسوعة إلا أن عالم دونساني أكثر شعرية وساحرية، وهو ما أرى أنه يستحق لقب فانتازيا حقًا.

نشر المقال للمرة الأولى في موقع نون بوست

الكاتب أحمد صلاح المهدي يشارك بترجمه رواية “الإله العظيم بان” في معرض القاهرة الدولي للكتاب

كتبت: دنيا حسين بجريدة المساء العربي

يشارك الكاتب أحمد صلاح المهدي في معرض القاهرة الدولي للكتاب برواية “الإله العظيم بان” للكاتب الإنجليزي آرثر ماكين ترجمة الكاتب أحمد صلاح المهدي عن دار إبداع للترجمة والتدريب والنشر والتوزيع.

رواية الإله العظيم بان هي رواية رعب كلاسيكية للكاتب آرثر ماكين مزج فيها بين الأساطير والخرافات والعلم، وقد سار لافكرافت على درب ماكين في كتاباته، وقد صرح في أكثر من موضع بإعجابه بالرواية قائلًا: “لا أحد يستطيع وصف التشويق اللامتناهي والرعب المطلق الموجود في كل فقرة من فقرات الكتاب”

ولم يقتصر تأثير ماكين وروايته على لافكرافت فقط، بل عديد من كتاب الرعب حاولوا محاكاة ماكين ورايته ومنهم واحد من أعظم كتاب الرعب المعاصرين ستيفن كينج الذي قال عنها إنها أفضل رواية كتبت في أدب الرعب باللغة الإنجليزية، وأن هذه الرواية حرمته من النوم ليالٍ طويلة، وقال أيضا أن رواية ماكين كان لها أثر في العديد من أعماله مثل رواية الإحياء التي صدرت عام 2014.

تجدونها في معرض القاهرة الدولي للكتاب في أجنحة دار إبداع والمكتبات الكبرى، كما يشارك الكاتب ايضاً برواية “ريم” عن دار الكنزي للنشر والتوزيع.

الخيال الغريب بين آرثر ماكين ولافكرافت

الخيال الغريب أو ما يطلق عليه اسم Weird Fiction وهو نوع فرعي من الأدب المعني بالخيال والذي ينقسم إلى فروع مثل الفانتازيا والخيال العلمي والرعب وغيرها، إلا أن الخيال الغريب يميز نفسه عن كل تلك الأنواع، بأنه يدمج بين الأسطورة والخرافة بل وحتى الحقائق العلمية، ولعل أشهر رموز هذا النوع من الأدب هو لافكرافت وخاصةً في حكايات كثولو والكيانات القديمة، فالقارئ لا يرى ما يجب أن يرعبه بشكل مباشر، ففي أغلب حكاياته يكون مصدر الرعب هو الغريب وغير المألوف، ويقول لافكرافت معرفًا هذا النوع من الأدب:

“الحكاية الغريبة الحقيقية هي التي تحتوي على أكثر من جريمة قتل سرية، يجب أن يوجد جو حابس للأنفاس من الرهبة، والخوف من قوى غريبة غير مألوفة يجب أن يكون حاضرً”، وهذا ما نجده بقوة في حكايات كثولو وغيرها لدى لافكرافت.

لافكرافت

ولكن الحقيقة أن لافكرافت ليس مؤسس هذا النوع من الأدب، بل تأثر بالعديد ممن سبقوه، فنجده متأثرًا مثلا بقصص اللورد دونساني الذي يعد أول من قام بابتكار آلهة خاصة به ليحكي عنها حكاياته في الأدب الحديث، وهنا تشابهات بين آلهة دونساني والكيانات القديمة لدى لافكرافت، ولكن أكثر من تأثر به لافكرافت هو آرثر ماكين، وبالتحديد حكاية الإله العظيم بان.

آرثر ماكين

ولد آرثر ماكين (1863 ــ 1947) في ويلز في منطقة يشار إليها باسمها الويلزي القديم “جوينت” وينحدر ماكين من سلالة طويلة من رجال الدين، وفي عمر الحادية عشر تخرج من مدرسة هيريفود الكاتدرائية بتقدير ممتاز، إلا أن فقر عائلته منعه من الالتحاق بالجامعة، فتم إرساله إلى لندن لعمل اختبارات الالتحاق بمدرسة الطب، إلا أنه فشل في ذلك.

ومع ذلك فقد أبدى ماكين تألقًا في مجال الأدب، وفي 1881 قام بنشر أولى قصائده الطويلة والتي تحمل اسم “إلوسينيا” وكان موضوعها أسرار اليوسيس (هي عبارة عن مراسم للبدء تقام كل عام لعبادة ديميتر وبرسفون في مدينة إلفسينا في اليونان القديمة)، وقد عاش ماكين في لندن حياة فقيرة ما بين عمله كصحفي ومحرر للناشرين، ومعلم خصوصي للأطفال، بينما يقضي مساءه في الكتابة أو التجول على غير هدى في شوارع لندن.

في عام 1884 قام بنشر عمله الثاني “تشريح التبغ” والذي أمن له عمل مع الناشر والموزع جورج رادواي، كمفهرس ومحرر في مجلته، وهذا فتح له أبواب عمل أخرى، كمترجم من اللغة الفرنسية، مثل الحكايات الفانتازية الفرنسية ومذكرات كازانوفا وغيرها، واستخدم ماكين في ترجمته لغة إنجليزية مفعمة بالحيوية والحماس أصبحت مقياسًا للمترجمين إلى الإنجليزية لسنوات عديدة.

غلاف كتاب الإله العظيم بان

استمر ماكين في نشر القصص القصيرة بالمجلات الأدبية، والتي اتخذ بعضها الطابع الخيالي أو القوطي، قبل أن يقوم بكتابة أول نجاح كبير له، رواية “الإله العظيم بان”، وقد نشرت لأول مرة عام 1890 بمجلة The Whirlwind ونقحها آرثر ماكين وأضاف الكثير من التفاصيل لها لتنشر في شكل كتاب مستقل سنة 1894، وأثارت الرواية عند نشرها ضجة كبيرة، واتخذ فيها ماكين تيمة الإله بان المرتبط بالخوف والرعب عند القدماء ومن اسمه تشم اشتقاق كلمة Panic والتي تعني في الإنجليزية الخوف الشديد، ومثل الكيانات القديمة عند لافكرافت، فإن حضور بان طاغي في القصة كلها بالرغم من عدم ظهوره بشكل مباشر.

فالقارئ لا يستطيع أن يعرف ما هو بان بالضبط، ولكنه يرى أثره في الرعب الذي يسببه في كل مكان، وفي هذه القصة مزج ماكين بين الأساطير والخرافات والعلم في مزيج رائع جعل القصة واحدة من كلاسيكيات أدب الرعب، وقد سار لافكرافت على درب ماكين في كتاباته، وقد صرح في أكثر من موضع بإعجابه بالرواية قائلًا: “لا أحد يستطيع وصف التشويق اللامتناهي والرعب المطلق الموجود في كل فقرة من فقرات الكتاب”، ويبدو أثر ماكين على لافكرافت واضحًا لكل من تعمق في أدب الكاتبين، بل إن لافكرافت أشار إلى كتاب ماكين بالاسم في قصته رعب دانويتش (The Dunwich Horror) وهي واحدة من حكايات كثولو المحورية.

ستيفن كينج

ولم يقتصر تأثير ماكين وروايته على لافكرافت فقط، بل عديد من كتاب الرعب حاولوا محاكاة ماكين ورايته ومنهم واحد من أعظم كتاب الرعب المعاصرين ستيفن كينج الذي صرح بأن روايته القصيرة N تعد محاكاة لرواية ماكين، وأن روايته لم تستطع أن تصل لمستوى رواية ماكين التي قال عنها إنها أفضل رواية كتبت في أدب الرعب باللغة الإنجليزية، وقال إن هذه الرواية حرمته من النوم ليالٍ طويلة، وقال أيضا أن رواية ماكين كان لها أثر في العديد من أعماله مثل رواية الإحياء Revival التي صدرت عام 2014.

ومن الكتاب الآخرين الذين حاولوا محاكاة رواية الإله العظيم بان الكاتب كلارك أشتون سميث في رواية “السلالة التي لا اسم لها”، والكاتب بيتر ستراوب في رواية “حكاية شبح”، كما تم ذكر رواية ماكين بالاسم في رواية “مذكرات عثة” للكاتب راتشل كلاين، والعديد من الكتاب الآخرين.

الإله العظيم بان على خشبة المسرح

ولم يقتصر أثر رواية “الإله العظيم بان” على الأدب والروايات فقط، بل على أنواع أخرى من الفنون أيضًا، ففي عام 2008 تم تحويلها إلى مسرحية على يد المخرج تشارلي شرمان، كما أن أغنية Pan’s Daughter لفريق الروك الأمريكي Flummox مستوحاة من الرواية.

وقد ترجمت الرواية ـ على مدار السنوات ـ إلى العديد من اللغات، وألهمت العديد من الكتاب والقراء حول العالم، وقد قمت بترجمة راوية الإله العظيم بان إلى العربية، والتي صدرت في معرض القاهرة 2017 عن دار إبداع للنشر والترجمة لتصبح أول ما يترجم للكاتب آرثر ماكين إلى اللغة العربية.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست

عالم ووركرافت…دليلك لسلسلة الأفلام و الكوميكس الجديدة

العديد منا شاهد فيلم ووركرافت ولم يفهم الكثير من قصة الفيلم، من هو جولدان؟ ومن هو الحامي ماديف؟ ولما قام بفتح البوابة للأورك؟ وما السحر الاخضر الغريب هذا؟ العديد من الأسئلة التي لم يجيبها الفيلم، لأن هذا الفيلم مأخوذ عن سلسلة ألعاب و كوميكس ووركرافت، ويعتمد صناع الفيلم على أن مشاهدين الفيلم يعرفون اللعبة على الأقل ويعرفون قصتها، ولكن الكثير شاهدوا الفيلم وهم لا يعرفون اللعبة، أو يعرفون اللعبة ولكن لا يعرفون قصتها بالتفصيل ولم يتابعوا الكوميكس، وهنا سأحاول شرح بعض أساسيات عالم ووركرافت التي قد تساعدكم على فهم الفيلم وسلاسل الكوميكس و الأفلام القادمة!

بداية عالم ووركرافت والتايتنز

بداية عالم ووركرافت غامضة، البعض يقول أنه خلق بواسطة خالق واحد، والبعض الآخر يقول أنه نتيجة حدث كبير (يشبه الإنفجار الكبير) أدى إلى خلق الكواكب في حالة شديدة من الفوضى. ولكن ما نعرفه أنه أثناء مرحلة الخلق، ظهر جنس قوي يسمى ”التايتنز“ وكانت مهمتهم هي جلب النظام للكون، ويطلق على قادتهم إسم البانثيون. وواحد من البانثيون ويسمى البطل سارجيرَس Sargeras، حارب من أجل جلب النظام للكون، وقام بسجن كل من يعارض تلك الفكرة، إلا أنه بمرور الوقت بدأ يشك في مهمته، لأنه رأى الكون يميل للفضوى، ويقاوم مهمتهم لجلب النظام، فإن كان الكون خلق من أجل النظام، لما هو في حالة فوضى شديدة، بل ويقاوم محاولتهم لفرض النظام؟! وهكذا أخذت تلك الأفكار تسيطر على عقل سارجيرَس، حتى تحولت مهمته من جلب النظام إلى خلق الفوضى، وتغيرت هيئته إلى هيئة نارية شيطانية، وترك البانثيون، وقام بتحرير كل قوى الشر التي قام بسجنها خلال آلآف السنوات، وأطلق عليهم اسم فيلق الإحراق أو Burning Legion كانت مهمتهم أن يعملوا ضد التايتنز، وتدمير النظام الذي يحاولون خلقه في الكون، ويغزون الكواكب لجلب الفوضى!

سارجيرس – التايتن المظلم

وفي تلك الأثناء كان التايتنز يجهلون ما يفعله سارجيرَس وفيلق الإحراق الخاص به، مستكملين مهمتهم في تنظيم وتشكيل الكواكب كما يرونه مناسب لمهمتهم، حتى وصلوا إلى الكوكب الذي نعرفه الآن بإسم أزيروث Azeroth والذي كان في حالة فوضى شديدة، فقد كانت العناصر Elements تحارب بعضها البعض، ولكن رغمًا عن إرادتهم، فقد كانوا مستعبدين من قبل كيانات قديمة يطلق عليها اسم Old Gods أو الآلهة القدامى وهي كيانات قوية ومظلمة وهي كائنات تتغذى على الفوضى، فقام البانثيون والتايتنز بالحرب ضد سادة العناصر Elemental Lords والـ Old Gods وانتصر البانثيون وقاموا بنفي العناصر إلى عالم يسمى Elemental Plane حيث يستكملون حربهم بدون إيذاء العالم الحقيقي، وقاموا بسجن الكيانات القديمة Old Gods في أعماق الأرض وهكذا بدأوا بتشكيل الكوكب وجلب النظام له، وبعد أن تم تمهيد الكوكب للحياة أطلقوا عليه اسم كاليمدور ثم غادروا الكوكب ليستكملوا مهمتهم في أنحاء الكون!

سادة العناصر

 

بئر الخلود وحرب القدماء

بئر الخلود

نشأت الحياة على كوكب كاليمدور وظهر العديد من الأجناس، ومنهم النبلاء الإيلف، الذين كانوا يتمتعون بقوى سحرية كبيرة، يستمدونها من بئر يطلق عليه اسم بئر الخلود Well of Eternity ولا يُعلم على وجه التحديد مصدر هذا البئر، قد يكون التايتنز قد تركوه وراءهم أو قد يكون قد نشأ بنفسه عند مولد كوكب أزيروث، ولكن على كل حال فإن هذه القوى السحرية العظيمة قامت بلفت أنتباه سارجيرَس وأتباعه، وهكذا إندلعت حرب تسمى بحرب القدماء War of the Ancients بين سارجيرَس وأتباعه من ناحية وبين كل أجناس أزيروث من ناحية أخرى، وكانت حربًا ضاريةً وشرسة، واستطاع أجناس أزيروث في النهاية التغلب على سارجيرَس، ولكن كان هذا بمقابل تدمير بئر الخلود لأن سارجيرَس كان يستمد قوته منه في ذلك الوقت، وأدى تدمير البئر إلى إنفجار كبير قام بتقسيم أرض كاليمدور إلى عدة قارات حتى أصبحت أزيروث التي نعرفها اليوم!

حرب القدماء

قبل حرب القدماء بقرون طويلة عثر سارجيرَس على كوكب يسمى آرجوس Argus وعلى هذا الكوكب كان يوجد جنس قوى للغاية يسمى الإيريدار Eredar وكان لديهم ثلاثة قادة أقوياء، أركيموند Archimonde وكيلجايدن Kil’jaeden وفيلين Velen وأدرك سارجيرَس قوة هذا الجنس وأراد أن ينضموا معه إلى فيلقه. ووعدهم سارجيرَس بقوة لا نهائية ومعرفة بلا حدود وأتباع وعبيد مخلصين إن هم انضموا له، وعلى الفور انضم أركيموند وكيلجايدن لفيلق سارجيرَس، ولكن فيلين أدرك شرور سارجيرَس فقام بجمع أتباعه وغادر كوكب آرجوس وأطلقوا على أنفسهم إسم دراناي Draenei والذي يعني المنفيون Exile Ones، إلا أن كيلجايدن لم يعجبه هروب فيلين واعتبرها خيانة وإهانة شخصية له وقرر أن يطارد فيلين وأتباعه وأن يجدهم حتى لو كلفه هذا آلاف السنوات!

الدراناي

كوكب درينور وجولدان وسبب غزو آزيروث

أخذ كيلجايدن يطارد فيلين وأتباعه، وكلما استقر فيلين والدراناي كان كيلجايدن يعثر عليهم ويرسل الفيلق على أثرهم، إلا أن فيلين كان يشعر بقدومهم ويهرب في الوقت المناسب، وهكذا استمر فيلين في الهرب من كوكب إلى كوكب حتى وصل إلى كوكب أطلقوا عليه إسم درينور Draenor ولكن هذا الكوكب لم يكن مهجورًا فعلى سطحه يعيش العديد من الأجناس ومنهم الأورك Orc الذين كانوا يتبعون طريقة من السحر تسمى الشامان Shaman وهي تمكنهم من الحصول على مساعدة عناصر الطبيعة Elements واستطاع فيلن والدراناي أن يعيشوا في سلام بين الاورك لقرون طويلة، حتى استطاع كيلجايدن العثور عليهم مجددًا، ولكن هذه المرة لم يقم بإرسال الـBurning Legion لكي لا يتكرر نفس الأمر بل قام بالتفكير في خطة جديدة، وهي أن يقوم بإفساد الأورك والسيطرة على عقولهم كي يقومون بمحاربة الدراناي بالنيابة عنه.

كيلجايدن

وهكذا زرع كيلجايدن الخوف والشك في نفوس الأورك تجاه الدراناي، وعرض عليهم القوة التي تمكنهم من قتالهم ووهبهم ساحر الـFel الأخضر الذي حول الأورك إلى مشعوذين WARLOCKS وهكذا إندلعت الحرب بين الأورك والدراناي حتى وصلوا إلى معركة أخيرة وحاسمة قرب مدينة Shattrath التي تحصن بها الدراناي، فعرض كيلجايدن على نارزول Ner’zhul شرب دماء الشيطان مانوروث Mannoroth والذي عن طريق شرب دمائه يحصل الأورك على قوى شيطانية مخيفة تمكنهم من هزيمة الدراناي، إلا أن نارزول رفض أن يشرب قادة الأورك دماء مانوروث فإتجه كيلجايدن إلى تلميذه جولدان Gul’dan والذي خان معلمه نارزول وأقنع سادة الأورك أن دماء مانوروث هي هبة ستمنحهم قوة كبيرة، وبالفعل شرب الأورك الدماء وحصلوا على القوة وغزوا مدينة شاتراث وقتلوا كل رجل وامرأة وطفل وجدوه في المدينة، وشاهد كيلجايدن ومانوروث الحرب وعرفوا أن فيلين وأتباعه تم تدميرهم وأن مهمتهم قد تمت على هذا الكوكب، وهكذا تركوا كوكب درينور والأورك إلى مصيرهم الخاص!

شيطان مانوروث

 

ولكن ما لم يعلمه كيلجايدن أن فيلين كان قد تمكن قبل الحرب من الهرب مع بعض أتباعه والاختباء بعيدًا عن أنظار الأورك وكيلجايدن زانجرمارش Zangarmarsh عالما أنه وأتباعه لهم مهمة كبيرة في المستقبل وأن معاناته ستنتهي في يومٍ ما ولكن هذه قصة أخرى لا تتعلق بفيلم ووركرافت الآن!

فتح البوابة المظلمة

 

بعد أن غادر كيلجايدن الكوكب وترك الأورك لمصيرهم وجد الأورك أن كوكبهم قد أصابه الخراب والدمار، كما أن دماء الشيطان مانوروث قد أصابتهم بالجنون وانقلبوا على بعضهم البعض في قتال وحروب مستمرة، وأصبح على جولدان أن يجد حلًا لشعبه، في تلك الأثناء كان سارجيرَس يواجه أجناس أزيروث في حرب القدماء، وتعرض لهزيمة قاسية وأدرك سارجيرَس والـBurning Legion أنهم لن يستطيعوا الإنتصار على أجناس أزيروث بسهولة فنشأت في عقلهم خطةً أخرى. وهكذا تواصل سارجيرَس مع جولدان وأخبره بوجود كوكب أزيروث، وهو كوكب مليء بالأشجار والمياة، والكثير من الأعداء ليقاتلهم الأورك بدلًا من قتل بعضهم البعض، ولم يكن سارجيرَس يهتم بالأورك بل يهتم فقط بتدمير أزيروث، وحتى لو انهزم الأورك فإنهم سيضعفون الكوكب بشكل كافي لكي يقوم الـ Burning Legion بغزوه وتدميره وهكذا تم فتح البوابة المظلمة بين درينور وأزيروث عن طريق ماديف Medivh ولكن من هو ماديف الحامي الأخير ومن هم حماة أزريوث الـGuardians ؟!

مجلس تايرسفال وحماة آزيروث

 

القلعة البنفسجية، حصن مدينة دالاران المركزي

 

بعد انتصار أجناس أزيروث على سارجيرَس وتدمير بئر الخلود قرر السادة النبلاء والإيلف تحريم استخدام السحر لأنه قد يجذب أنظار الـBurning Legion مرةً أخرى، إلا أن مجموعة من الإيلف النبلاء نبذوا هذا القرار وغادروا متجهين إلى الجزء الشرقي من أزيروث حاملين معهم قارورة بها مياة من بئر الخلود كان مالفيوريان قبل تدميره قام بالحفاظ على مجموعة من القوارير استخدمهم في عمل بئر خاص بالـNight Elves بعد ذلك، إلا أن الإيلف النبلاء الذين غادروا أطلقوا على أنفسهم اسم الـHigh Elf أما الجزء الشرقي كان به أجناس أخرى مثل البشر ومردة الغابة Forest Trolls والـGnomes. قام الإيلف بتشييد مدينة خاصة بهم واستخدموا قارورة مياه بئر الخلود في عمل بئر جديد اسمه بئر الشمس Sun Well واستخدموا السحر بحذر وحرص لكي لا يجذبوا أنظار سارجيرَس. إلا أن الترولز الذين كانوا في حالة عداء مع البشر أصبحوا في حالة عداء مع الإيلف أيضاً، وطلب الإيلف من البشر التحالف معهم في الحرب ضد الترولز ووافق البشر بشرط أن يقوم الإيلف بتعليم 100 من البشر استخدام السحر، و وافق الإيلف ودارت الحرب بين البشر والإيلف من ناحية والترولز من ناحية أخرى وانتهت بهزيمة ساحقة للترولز!

الترولز

 

قام الإيلف بتعليم البشر السحر والذين قاموا بإنشاء مدينة خاصة بهم اسمها دالاران Dalaran وقد جذبت دالاران أنظار من يرغبون في تعليم السحر، أو من يرغبون في خدمة السحرة مقابل المأوى والطعام، إلا أن البشر استخدموا السحر بلا اكتراث فجذبوا أنظار الـ Burning Legion مرة أخرى و وقام الإيلف بتحذير البشر من عواقب استخدام السحر وهكذا قرر الثلاثة أجناس البشر والإيلف والـGnomes بتكوين مجلس لحماية أزيروث من الـBurning Legion وأطلقوا على هذا المجلس اسم مجلس تايرسفال Council of Tirisfal على أن يقوم أعضاء المجلس وهم أقوى مستخدمي السحر من الأجناس الثلاثة بتركيز قوتهم السحرية في شخص واحد يختارونه يكون هو حامي أزيروث.

ماديف

 

لمدة طويلة استمر حماة ترايسفال في حماية آزيروث من محاولات شياطين الـBurning Legion في محاولة تدمير الكوكب، حتى قبل 800 عام من غزو الأورك لكوكب آزيروث و أصبحت أجوين Aegwynn أم ماديف هي حامية أزيروث وقامت بمهمتها على أكمل وجه لمدة 500 عام قبل أن تواجه الـBurning Legion وسارجيرس الذي تظاهر أنه قد هزم ولكنه استغل تلك المعركة لزرع جزء منه داخل أجوين، بحيث عندما تكون أجوين حامل في ماديف يتسلل سارجيرَس إليه وينتظر اللحظة المناسبة ليكمل خطته، واستطاع سارجيرس بالفعل إفساد روح ماديف والاستحواز على روحه، ومن خلاله قام بالتواصل مع جولدان كي يقوم بفتح البوابة المظلمة بين آزيروث ودرينور ليبدأ غزو الأورك للكوكب ونصل إلى أحداث فيلم ووركرافت!

البشر ضد الأورك

 

وبالنهاية فإن قصة ووركرافت عميقة و واسعة للغاية و متشعبة بين سلاسل الألعاب و الكوميكس بل و الأفلام أيضاً الأن ولا يمكن شرحها كلها في مقال واحد أو عدة مقالات، ولكني حاولت أن أشرح كل ما له علاقة بالفيلم الأول الجديد لكي يستطيع القاريء أن يستمتع بمشاهدة فيلم ووركرافت ومشاهدة الأفلام التالية من السلسلة.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع بوابة الكوميكس