لورد دونساني الأب الروحي للفانتازيا المعاصرة

عند الحديث عن الفانتازيا هناك العديد من الأسماء التي يتطرق إليها النقاش، مثل تولكين وسي اس لويس وغيرهما، ولكن نادرًا ما يذكر أحد الكاتب العظيم لورد دونساني، الذي يعد بحق الأب الروحي لأدب الفانتازيا الحديثة، وتعد روايته الأشهر “بنت ملك الجن” واحدة من أهم الأعمال في الأدب الإنجليزي على الاطلاق.

ولد إدوارد جون وليام بلانكت في الرابع والعشرين من يوليو سنة 1878 لعائلة دونساني واحدة من أعرق العائلات الأيرلندية ويعد لقب دونساني ثاني أقدم لقب أيرلندي مستمر حتى يومنا هذا، وقد حمل إدوارد اللقب مبكرًا بعد وفاة أبيه في سن صغير ليصبح البارون الثامن عشر لعائلة دونساني.

قضى دونساني جزءًا كبيرًا من حياته في قلعة عائلة دونساني الواقعة بالقرب من تل تارا ونهر بوين في آيرلندا، وهو أقدم بيت آيرلندي مأهول بالسكان حتى يومنا هذا، كما تلقى تعليمه في لندن، ودبلن عاصمة جمهورية آيرلندا بجامعة ترينتي، وعمل بعدها مع ويليام بتلر ييتس جامع التراث الآيرلندي الشهير وليدي جريجوري الخبيرة في الأساطير الشعبية الآيرلندية وغيرهما على مشروع إحياء الأدب الأيرلندي الذي أطلق عليه لقب الشفق الكِلتي Celtic Twilight كما تبرع بمبلغ كبير لبناء مسرح آبي الذي عُرضت عليه مسرحيات تمثل الثقافة الآيرلندية والتراث الآيرلندي ويعد حتى اليوم المسرح القومي للجمهورية الآيرلندية.

قلعة عائلة دونساني

 

أدب دونساني وآلهة بيجانا

بدأ دونساني مشواره في الكتابة سنة 1890 وكان كاتبًا نشيطًا حيث كتب طيلة حياته العديد من الروايات والقصص القصيرة والمسرحيات والقصائد الشعرية، وبلغت عدد كتبه أكثر من ستين كتابًا، إلا أن نجمه لم يبزغ إلا بعد نشر كتابه “آلهة بيجانا” “The Gods of Pegāna” سنة 1905 وهو من العلامات الفارقة في الأدب الإنجليزي وأدب الفانتازيا على وجه الخصوص؛ فلورد دونساني هو أول كاتب يبتكر مجمع آلهة بالكامل من خياله، بأساطير الخلق وجغرافيا العالم وحكاياته الأسطورية، حيث تتحدث الحكايات عن إله يسمى مانا يود سوشاي الذي خلق الآلهة الأخرى مثل كيب إله الحياة وسيش إله الزمن ومونج إله الموت، قبل أن يستريح مانا يود سوشاي ويخلد إلى النوم، وتبدأ الآلهة الأخرى في خلق العالم والحيوانات والبشر، وينتهي العالم بعدما يستيقظ مانا يود سوشاي من النوم، لذا يحرص سكارل قارع الطبول على العزف باستمرار كي تجعل موسيقاه وألحانه مانا يود سوشاي يستغرق في النوم، فلو توقف عن العزف لحظة واحدة لاستيقظ مانا يود سوشاي واختفت الآلهة والحياة والكون بحركة واحدة من يده.

مانا يود سوشاي من كتاب آلهة بيجانا

 

أصبح هذا العالم الذي ابتكره دونساني ركيزة لأعماله بعد ذلك، فقد تبع “آلهة بيجانا” بعد ذلك كتب أخرى مثل “الزمن والآلهة” سنة 1906 و”سيف ويليرون وحكايات أخرى” سنة 1908 و”كتاب العجائب” سنة 1912 واستمرت قصصه القصيرة ذات الطابع الفانتازي الأسطوري بآلهته ومخلوقاته الأسطورية وحكاياته الخرافية بعد ذلك مُضفية عمقًا خاصًا لعالمه، ليصبغ أدب الفانتازيا بصبغة جديدة، ويؤسس لأدب الفانتازيا الحديث كما نعرفه بصورته الحالية.

 

بنت ملك الجن

نشرت رواية “بنت ملك الجن” ” The King of Elfland’s Daughter” سنة 1924 وهي الرواية الطويلة الثانية للورد دونساني كما تعد من أهم أعماله، ومن أهم الأعمال في أدب الفانتازيا على الاطلاق، فهي الرواية الأولى من نوعها التي تقدم صورة الإيلف ـ أو الجن ـ النبلاء طوال القامة، وهو شكل مستوحى بشكل كبير من الميثولوجيا الاسكندنافية، بعيدًا عن الصورة الشعبية التي تصفهم بأنهم قصار القامة يسببون الأذى للناس ويعتدون عليهم، وهي الصورة التي نجدها في الأساطير الأيرلندية والإسكتلندية وغيرها، حتى أن تولكين لاقى صعوبات في النشر بسبب استخدامه لكلمة إيلف في قصائده لما تحمله من انطباع سيئ عند الناس، إلا أن كتاب بنت ملك الجن مهد الطريق أمام تولكين وغيره لاستخدام الإيلف بالشكل المستقر في وجدان قارئي الفانتازيا المعاصرين.

تميز أسلوب دونساني في رواية “بنت ملك الجن” بطابع ساحري شعري، فبناء دونساني للجمل وانتقاءه للكلمات ـ بشكل سلس لا متكلف ـ يجعل القارئ يشعر أنها قصيدة نثرية طويلة لا رواية، كما أنه من الكُتّاب القلائل الذين لا يجعلون السحر قوة يكتسبها البطل أو أداة للقتال أو وسيلة لتحريك الحبكة، فالسحر في عالمه سحري حقًا، جزء من العالم يتحرك ويتنفس، رائع وغامض وغير مفهوم وأحيانا مخيف، ولكنه جزء لا يتجزأ من العالم. وقد جعلت الرواية الكاتب آرثر كلارك يصف دونساني بأنه من أعظم الادباء في القرن العشرين، وقال عنه لافكرافت أنه: “مخترع ميثولوجيا جديدة، وحائك أساطير لا مثيل له.”، كما قال عنه ويليام باتلر ييتس أنه: “قد تجلي بجمال في عالمنا المعهود.”

غلاف رواية “بنت ملك الجن”

أثر دونساني على لافكرافت وتولكين

تأثر العديد من الكُتّاب المعاصرين بدونساني وأسلوبه وأفكاره، فقد تأثر به لافكرافت عندما سمعه يتحدث أثناء واحدة من رحلاته الأدبية للولايات المتحدة الأمريكية ـ التي تكررت ما بين عاميّ 1919 و1950 ـ وانبهر به بشدة، وكان لافكرافت في ذلك الوقت متأثرًا بإدجار آلان بو واتسمت كتاباته بسمات نوع من الرعب يسمى Macabre ـ من المرجح أنه مشتق من الكلمة العربية مقابر ـ والذي تدور تيماته حول الأماكن المهجورة والأشباح والموت، بدأ لافكرافت بعدها يميل إلى الفانتازيا وإن أكسبها طابعًا من الرعب، ويبدو أثر دونساني عليه واضحًا في كتاب “دائرة الأحلام” “Dream Cycle” وهو عالم خيالي من ابتكار لافكرافت لا يمكن الولوج إليه إلا عبر الأحلام، والإله الأكبر في عالم لافكرافت المسمى آزاثوث Azathoth حيث يبدو التشابه واضحًا بينه وبين مانا يود سوشاي فكليهما يخضعان للنوم تحت تأثير ألحان الموسيقى، وكليهما ينتهي العالم حين استيقاظهما، إلا إله لافكرافت إله أعمى مجنون يدمر العالم بدافع الفوضى وأطلق عليه لافكرافت ألقابًا عديدة مثل رب الجنون وسلطان الشياطين وإله الفوضى، وهو الجد الأكبر لكثولو الكيان الأشهر في عالم لافكرافت حتى أن عالمه الفانتازي يطلق عليه اسم ميثيلوجيا كثولو ” Cthulhu Mythos” وهو عالم كئيب مخيف يختلف عن عالم دونساني الشاعري الساحر، ولكن كلا العالمين يحملان العديد من الصفات المشتركة.

كما تأثر تولكين أيضًا ـ وهو الاسم الأشهر في عالم الفانتازيا ـ بكتابات دونساني عندما قرأها في شبابه، وقد تكرر اسم دونساني وكتبه عدة مرات في خطابات تولكين، وهناك تشابه بين قصص دونساني وبين قصائد “مغامرات توم بومبادل” التي كتبها تولكين، ولعل الكتاب صاحب التأثير الأكبر على تولكين هو كتاب العجائب ” The Book of Wonders” الذي يرى النقاد أن له دور كبير في بناء عالم السيلماريليون الخاص بتولكين.

لم يقتصر تأثير دونساني على لافكرافت وتولكين فقط، بل تأثر به العديد من كُتّاب الفانتازيا والخيال العلمي مثل مايكل موركوك، ونيل جايمان، وآرثر كلارك، وأورسولا كي لوجوين، وجاك فانس وغيرهم الكثيرين، بل اتسع تأثيره ليشمل ألوان أخرى من الفن كالمسرح والسينما والموسيقى.

لورد دونساني

حاز دونساني ـ نتيجة لما قدمه ـ على العديد من الجوائز مثل جائزة هارمسورث للأدب الآيرلندي كما كرمته جامعة ترينتي بمنحه الدكتوراه الفخرية، كما تم ترشيحه لجائزة نوبل عام 1950 ولكنه خسرها لصالح بيرتراند راسل. توفي دونساني سنة 1957 عن عمر 79 سنة، تاركًا وراءه ميراثًا كبيرًا وأثرًا لا يمحي على الأدب الأيرلندي والانجليزي وأدب الفانتازيا.

نشر المقال للمرة الأولى على شبكة الميادين الإعلامية

تولكين .. الرجل الذي أسيئ فهمه

لا خلاف على عبقرية تولكين وبراعته في الكتابة، وقد بذل تولكين مجهودًا ضخمًا في كتابة أعماله، حتى أن أصغر أعماله “الهوبِت” أخذت منه ما يربو عن عشرة سنوات لإنهائها، ناهيك عن “السيلماريليون” التي قضى عمره كلها يكتبها ومات قبل أن ينهيها. فالصورة التي تنطبع في ذهنك عن ذكر اسم تولكين هي صورة رجل عاكف على مكتبه بين ألاف المسودات والملحوظات يعيد كتابة ومسح ما كتبه من جديد، يضع كل تفصيلة في عالمه بحرص شديد، هو رجل أقرب للبناء الذي يبني صرح كبير بحذر وبمقاييس دقيقة، لا فنان مغامر يلوح بريشته على لوحة فارغه بدون أن يدرك ما النتيجة التي ستخرج بالنهاية، وهذا لأن هدف تولكين من البداية لم يكن كتابة رواية او اثنتان، بل كان له هدف أبعد من ذلك بكثير.

ولكن تولكن ـ ككل هؤلاء الذين ألهموا حركات واسعة ـ تم إساءة فهمه، ومن ضمن المفاهيم الخاطئة التي تُشاع حول تولكين هي أنه “أبو الفانتازيا” أو “مؤسس الفانتازيا” والبعض الآخر يقول لا ليس هو مؤسس الفانتازيا ولكن هو من جددها وحولها إلى الفانتازيا الراقية أو الملحمية أو غيرها من المصطلحات، والحقيقة أن جُل من يطلقون تلك المزاعم لديهم خبرة بسيطة بالفانتازيا، أو لم يعرفوها إلا من خلال أفلام هوليوود عن سيد الخواتم وغيرها. ولكن الحقيقة أن الفانتازيا قبل تولكن كانت فن مستقر له مكانته في الأب وكُتّاب أبدعوا فيه وأخرجوا العديد من الروايات والملاحم التي تركت أثرها في العديد من الناس، وحتى تولكين ذاته لم يطلق على نفسه هذا الزعم، بل اعترف بفضل من سبقوه، ومن تلك الأعمال رواية “التنين أوروبُروس” للكاتب إيرك إديسون والتي صدرت للمرة الأولى عام 1922 واحتوت على عالم مخترع بالكامل وأجناس أسطورية وسحر وحروب بين جيوش الخير وجيوش الشر. وقد قارن النقاد رواية سيد الخواتم عند صدورها برواية التنين أوروبُروس وحتى تولكين ذاته يعترف بتأثيرها الشديد عليه، وقد كتب سي اس لويس مؤلف رواية نارنيا مقدمة قال فيها “لا يوجد كاتب آخر نستطيع أن نقول إنه يشبه إديسون.”

خريطة عالم التنين أوروبُروس

ومن الروايات الأخرى التي سبقت تولكين رواية “بنت ملك الجن” للورد دونساني التي صدرت عام 1924 وهي واحدة من أكثر الروايات تأثيرًا في عالم الفانتازيا، وقد شكلت ظهور الـ Elf لأول مرة بشكلهم المألوف في الفانتازيا الحالية، وهم الإيلف النبلاء طوال القامة، وهو شكل مستوحى بشكل كبير من الميثيلوجيا الاسكندنافية، بعيدًا عن الصورة الشعبية التي تصفهم بأنهم قصار القامة يسببون الأذى والمشاكل للناس، وهي الصورة التي نجدها في الأساطير الأيرلندية والإسكتلندية وغيرها. وقد جعلت الرواية الكاتب آرثر كلارك يصف دونساني بأنه من أعظم الادباء في القرن العشرين، وقال عنه لافكرافت أنه: “مخترع ميثولوجيا جديدة، وحائك أساطير لا مثيل له.”، كما قال عنه ويليام باتلر ييتس جامع الحكايات الشعبية الأيرلندي الشهير أنه: “قد تجلي بجمال في عالمنا المعهود.”

لوحة عن رواية بنت ملك الجن

ومن الروايات التي صدرت في نفس سنة صحبة الخاتم، رواية “السيف المكسور” للكاتب الأمريكي ذي الأصول الدنماركية بَول أندرسُن والتي أشرت في مقال سابق إلى التشابه بينها وبين سيد الخواتم، من يحث احتوائها على الإيلف طوال القامة، والدوارف أو الأقزام الذين يسكنون بأعماق الأرض ويتخصصون في صنع الأسلحة، وكذلك تحتوي الرواية على سيف مكسور يجب إعادة جمعه، ويعود هذا التشابه إلى أن كلًا من تولكين وأندرسُن قد استقوا العديد من عناصر ملحمتيهم من الاساطير الإسكندنافية والانجلو سكسونية القديمة.

غلاف رواية السيف المكسور

والقائمة تطول، فالملامح الفانتازية ليست حديثة العهد كما يظن البعض ولم تبدأ في الظهور مع تولكين، بل سبقه وعاصره العديد من الكتاب الناضجين والمتمكنين من قلمهم، فما الذي يميز تولكين عن غيره؟ كما قلت من قبل أن هدف تولكين لم يكن كتابة الرواية في حد ذاته، فقد كان تولكين أن تولكن كان دائمًا ما يشعر بالقلق لافتقار بلده إلى أساطيرها الشعبية، فعكف على مشروع “أساطير من أجل إنجلترا” متأثرًا بما حدث مع الكاليفالا التي أطلقوا عليها اسم ” أساطير من أجل فنلندا” وأصبح مشروعه بعد ذلك يحمل اسم السيلماريليون، وأسلوب تولكين هذا إن كان حقق هدفه في مسعى تولكين الشخصي، إلا أنه قد أضر بأدب الفانتازيا الروائي، ولا اريد أن يفهمني أحد بشكل خاطئ أنني أعيب في تولكين، بل أنا أرى المشكلة فيمن أساؤوا فهم تولكين، فالعديد من الأشياء التي استخدمها تولكين في خدمة مشروعه تعد عيبًا حين استخدامها في الرواية. ومن قرأ الملاحم القديمة مثل الايدا النرويجية او الشاهنامة الفارسية او الكاليفالا الفنلندية سيدرك ما الذي يسعى تولكين لتقديمه، فتلك الحكايات تمثل الميثولوجيا الشاملة لتلك المناطق، فتبدأ من القصص الكونية وحكايات الخلق، حتى تصل إلى القصص الصغيرة وحكايات الجنيات، وتمتلئ بشتى أشكال الحكايات والأفكار والفلسفة والشخصيات والتاريخ، وهذا ما سعى تولكين لتحقيقه، لذا ملأ تولكين كتبه بالأشعار الطويلة واللغات المتعددة والإشارات لأحداث وأشخاص تاريخية في عالمه المختلق لا علاقة لها بالحبكة.

لوحة تجسد أحد مشاهد ملحمة الكاليفالا بالمتحف الوطني الفنلندي

واستخدم تولكين على سبيل المثال أسماء متشابهة لأبطال قصصه وهو شيء سيء إذا فعله أي كاتب لأنه يجعل الأمر يختلط على القارئ، ولكن تولكين كان يرغب في محاكاة الواقع حيث كانت تستخدم العائلات النبيلة القديمة أسماء متشابهة لأفرادها، وهذا الأمر يخدم ما يحاول تولكين فعله وهو بناء عالم موازي ولكنه لا يخدم الحبكة على الاطلاق. فالكاتب لا يكون هدفه نسخ الواقع ووضع أكبر عدد من التفاصيل في روايته، بل يجب على الكاتب اختيار كل تفصيلة بحرص ولا يضع إلى ما يخدم الحبكة وبناء الشخصيات.

أما كُتَاب الفانتازيا اللذين تلوا تولكين وتأثروا به وحاولوا محاكاته لم يكن لديهم نفس الفكرة ولا نفس المشروع، بل كان كل هدفهم هو تقليد نجاح تولكين، فأخذوا يملؤون كتبهم وعالمهم بتفاصيل ليست ضرورية ولا مفيدة للحبكة، وقد يفرط الكاتب في وصف شخصيات روايات معتقدًا أنه بهذا يبني الشخصية إلا أنه يعطيها أي عمق حقيقي فتصبح مجرد شخصية كليشية مسطحة أخرى، فينتصر أبطال رواياته في النهاية لأنهم المختارون، كما أن الأشرار في الغالب لا يمتلكون أي دوافع حقيقية. أحد الأمثلة جي كي رولنج والتي تعد كاتبة متوسطة في أفضل حال، ولم تكتسب شعبيتها إلا من خلال فكرة مدرسة السحر التي أخذتها عن أورسولا كي لوجوين، وتمتلئ أجزاء السلسلة بشخصيات نمطية وأحداث متوقعة وفجوات في الحبكة واستخدام مفرطة لحيلة deus ex machine إلا أنها مولعة أيضًا بما يطلق عليه الكُتّاب اسم بناء العالم، فتخرج من قوت لآخر لتخبرنا بمعلومة أخرى عن عالمها مثل أن دمبلدور شاذ، ولا مانع عندي من تقديم شخصية شاذة في الرواية إن كان هذا سيخدم الحبكة ويدفعا للأمام أو يضيف لبناء الشخصية، ولكن المعلومة ذكرتها الكاتبة بعد انتهاء السلسلة مما يعني أنها معلومة ليست ذات أهمية.

المأخذ الحقيقي الذي آخذه على تولكين، وسي اس لويس ايضًا، هو اختلافهم في تقديم الخير والشر عمن سبقوهم، فرغم أن دونساني وإديسون قدموا الصراع بين النور والظلام أو الخير والشر في عالمهم، إلا أنهم تطرقوا إلى الأمر بحرص، مدركين خطورة إطلاق الوصف على شيء بكونه خير محض أو شر محض، على عكس تولكين ولويس الذين لم يجدوا غضاضة في تقديم الخير باعتباره خير مطلق والشر باعتباره شر مطلق، وهو أمر خطير حين تقديمه في الأدب خصوصًا، فالقارئ يتأثر بتلك النظرة الثنائية “نحن مقابل هم” وخاصًا إن كان الكاتب يخاطب الأطفال مثل لويس في نارنيا. من السهل أن تخلق طرفين وتحدد أن أحدهم خير والأخر شرير وتخلق بينهم صراع بلا بناء درامي حقيقي ولا تطرق لفلسفة ودوافع وأفكار كل طرف، وهذا ما اتجه إليه معظم مؤلفي الفانتازيا في فترة ما بعد تولكن مثل سلسلة wheel of time لروبرت جوردن وsword of shannara لتيري بروكس، والتي يحلوا النقاد وصفها بـ Tolkien lit فالشخصيات مجرد نماذج أخرى من شخصيات تولكين، وصراع إكليشيهي بين الخير والشر في العالم مليء بالتفاصيل ولكنه ممل وضحل لا يرتقي حتى لمستوى عالم تولكين، فلا أحد مستعد لبذل الوقت والمجهود الذي بذله تولكين في بناء عالمه.

النقطة الأخرى هي الطول المبالغ فيه لثلاثية سيد الخواتم جعلت من المقبول تقديم أعمال بهذا الطول، ولم يتوقف الكُتّاب عند الحد الذي وصل إليه تولكين بل تخطوه بكثير، فثلاثية سيد الخواتم تقترب من النصف مليون كلمة وهو رقم ضخم ولكن سلسلة wheel of time للكاتب روبرت جوردن مثلا تتكون من 14 جزء مجموعهم ثلاثة ملايين ونصف كلمة!! والجدير بالذكر أن تولكين لم يقصد هذا الطول، بل عندما كان يفكر في كتابة جزء ثان للهوبِت ظن أنه سيكون أصغر بكثير لأن الهوبِت بلغت 90 ألف كلمة وهو رقم كبير بالفعل، أما اليوم إذا قمت بكتابة رواية فانتازيا من 90 ألف كلمة ربما يسخرون منك.

ما أريد قوله هو أن تولكين رغم عبقريه فإنه ليس الأب الروحي للفانتازيا، بل هو حجر في صرح الفانتازيا العظيم، كما أن مشروعه الميثولوجي بغير عمد منه قد أضر بفن الفانتازيا من الناحية الروائية، ولعل انبهار الناس بجودة التفاصيل ودرجة واقعية العالم يعمي عيونهم عن تلك العيوب. والسبب الآخر هو انبهارهم بالعالم السينمائي لسيد الخواتم والفضل في ذلك يعود إلى بيتر جاكسون. ولكن إذا أردنا أن تعود الفانتازيا إلى سابق عهدها فيجب أن يتوقف الكتاب عن محاولة تقليد ومحاكاة تولكن، إن لم تكن مستعدًا لبذل مجهود تولكين في عالمه فلا تحاول محاكاته أو تقليده، كما أنصح بالعودة إلى المنابع الأصلية للفانتازيا من أساطير وحكايات شعبية وملاحم قديمة، ولو فعل الشباب ذلك لرأينا أعمال فانتازية عظيمة تعود للظهور على الساحة مجددًا.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست

أثر ملحمة الكاليڤالا الفنلندية على أدب تولكين

تتميز العديد من الدول الأوربية بأساطيرها وملاحمها الخاصة من الأساطير اليونانية والنوردية والفنلندية وغيرها، إلا أن تولكن كان دائمًا ما يعرب عن قلقه من افتقار بلده “إنجلترا” إلى أساطيرها الخاصة، وقد عكف تولكين على بحث ودراسة الأساطير الخاصة بالبلدان، وواحدة من تلك الملاحم التي تأثر بها كانت ملحمة الكاليڤالا الفنلندية، وقد جمعت أغاني الكاليڤالا ونشرت في منتصف القرن التاسع عشر على يد العالم اللغوي الفنلندي إلياس لونروت .(1802-1884)

وتعتبر الكاليڤالا الملحمة الوطنية الفنلندية أحد أهم أعمال الأدب الفنلندي وكان الهدف منها إزكاء الروح القومية عند الفنلنديين والذي بدأوا يفقدون هويتهم بعد تعاقب احتلال عدة دول أجنبية عليهم لعدة قرون مثل السويد وروسيا، ويعزى الفضل للكاليڤالا في إلهام الصحوة الوطنية التي قادت في نهاية المطاف إلى استقلال فنلندا عن روسيا في عام 1917.

وقد أثرت الكاليڤالا كثيرًا على الفنلنديين، وكان اكتشاف الأساطير الأصلية لفنلندا السبب في منح الفنلنديين الشعور بالاستقلال والهوية الوطنية، وأصبح إلياس لورنوت بطلاً قوميًا في فنلندا، كما أصبح للكاليڤالا مكانة كبيرة في نفوسهم فأسموها “أساطير من أجل فنلندا” وقد كان لها أثر كبير في نفس تولكين الذي كان يقلقه افتقار بلده إلى أساطيرها الشعبية، فعكف على مشروع “أساطير من أجل إنجلترا” والذي أصبح فيما بعد يحمل اسم “السيلماريليون”.

قرأ تولكين الكاليڤالا عندما كان طالبًا في كلية الملك إدوارد في برمنجهام عام 1911 وانبهر بها كثيرًا، فقد استلهم تولكين من الكاليڤالا شخصية كوليرڤو بطله التراجيدي المأسوي، وقد كانت حكاية كوليرڤو هي نقطة تحول في حياة تولكين فقد كانت المرة الأولى التي ينتقل فيها تولكين من كتابة الشعر إلى كتابة النثر، وتعد شخصية كوليرڤو البذرة الأساسية لأغلب شخصيات وأساطير تولكين، والتي حملت اسم “السيلماريليون” وخاصة حكاية أبناء هورين وبطلها تورين تورمبار.

وقد أقر تولكين أنه “تأثر بشدة” بالأساطير الفنلندية، ويظهر في رسائله لخطيبته “إيديت برات” في عام 1914 رغبته في تحويل إحدى حكايات الكاليڤالا وهي قصة كوليرڤو والتي هي حكاية تراجيدية طويلة إلى قصة نثرية قصيرة مع مجموعة من الأناشيد، وبالرغم من أن القصة تعد عملًا غير منتهي لتولكين، إلا أن التشابه بينها وبين أعمال تولكين التالية وخاصة قصة أبناء هورين والتشابه بين كوليرڤو وتورين تورمبار يبدو واضحًا.

فكلا القصتين تعد حكاية مأساوية “تراجيدية” وكلا البطلين يمارسان الزنا مع أختهما بدون أن يعرفوا من تكون، وفي كلا القصتين تنتحر الأخت بإلقاء نفسها في الماء بعد اكتشاف ما قد تم ارتكابه من خطيئة، كما أن كلا البطلين يقتلان أنفسهما بسيفهما بعد أن يسأل البطل سيفه إن كان سيذبحه.

وبجانب تأثير حكاية كوليرڤو الواضح في حكاية تورين تورمبار، فإن أثرها يبدو واضحًا في أغلب حكايات السيلماريليون، وهي توضح أنماط السرد التي اتخذها تولكين في كتابة أساطيره، فهناك المأساة والقصة الأسطورية والشعر والنثر، ولذلك قال تولكين عن الحكاية المأساوية لكوليرڤو إنها المادة الخام التي طور منها أقوى قصصه.

توجد قصة كوليرڤو كمخطوطة واحدة في مكتبة “بودلي” وهي المكتبة البحثية الرئيسية في جامعة أكسفورد كمشروع خام للقراءة مع الكثير من الهوامش وأسطر من الإضافات والتصحيحات بالقلم الرصاص، وفي مسودة القصة كتب تولكين: “يجب أن يعاد تنقيح المخطوطة وإخراج التقرير النهائي عنها”.

وقد ظلت المخطوطة غير منشورة حتى عام 2010 عندما قامت الدكتورة الجامعية Verlyn Flieger بتحرير المخطوطة، ونشرها مع عدة تعليقات ومقالات في العدد السابع من جريدة دراسات تولكينية Tolkien Studies وهي جريدة أكاديمية سنوية متخصصة في دراسة أعمال تولكين، وتم نشر القصة بشكل منفصلة في كتاب “حكاية كوليرڤو” في أغسطس عام 2015 من خلالHarperCollins Publishers  وتم ترجمتها إلى العربية على يد المترجم أسامة أبو ترابة ويمكن الحصول على النسخة المترجمة ومعرفة المزيد عن تولكين وأعماله باللغة العربية من هنا

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست

سر ازدياد شعبية الفانتازيا

شهدت الفانتازيا في العقود الماضية ازدهارًا ملحوظًا وخاصة مع الحمى التولكينية في ستينات وسبعينات القرن الماضي، واليوم عادت الفانتازيا تتصدر المشهد السينمائي بتحويل سيد الخواتم وهاري بوتر ونارنيا وغيرها من روايات الفانتازيا إلى أفلام، وحتى ألعاب الفيديو مثل لعبة The Witcher وDragon Age وElder Scrolls وغيرها من الألعاب التي يلعبها الملايين، بل إن إحدى الألعاب وهي World of Warcraft بلغ عدد مشتركيها أكثر من 133 مليون لاعب.

حتى الموسيقى لم تسلم من حمى الفانتازيا فظهرت العديد من الفرق التي تقتبس كلمات أغانيها من روايات تولكين ومصطلحاته وغيرها من روايات الفانتازيا، ويقول سير كريستوفر لي ـ  صاحب دور سارومان في فيلم سيد الخواتم ـ عن تأسيسه لفريق “شارلمان” الغنائي: “لقد مزجت موسيقى الميتال بالفانتازيا، بسبب قدرة الموسيقى الكبيرة على التعبير”، ولعل من أفضل محاولات تحويل رواية فانتازية إلى موسيقى هي تحويل رواية “ابنة ملك الإيلف” للورد دونساني إلى ألبوم غنائي بالتعاون بين سير كريستوفر لي وماري هوبكن وغيرهم من الفنانين ليخرجوا ألبومًا غنائيًا مذهلاً، ويمكن الاستماع لإحدى أغانيه الرائعة من هنا:

فما سر هذه الشعبية الطاغية للفانتازيا في العقود الأخيرة؟

شعبية الفانتازيا حقيقة لا يمكن إنكارها، فالكتب صاحبة الأرقام القياسية في المبيعات تنتمي إلى الفانتازيا، مثل روايات سيد الخواتم وهاري بوتر وأغنية الثلج والنار “صراع العروش”، وأيضًا الأفلام الأكثر شهرة هي اقتباسات مبنية على هذه الروايات الشهيرة، كما أن أفلام ومسلسلات الأبطال الخارقين تعد جزءًا من الفانتازيا.

ولا نعني بالفانتازيا فقط السيوف والتنانين والسحر، فالفانتازيا معنى كبير وواسع يشمل أكثر من ذلك، بل قد يشمل كل ما هو خيالي، ولكن ما يميزها عن الخيال العلمي، أنها لا ترتبط بحقائق علمية محددة، بل يمكنك أن تقدم تاريخًا بديلاً، أو حقائق علمية مختلقة، أو عوالم جديدة في الفضاء أو عوالم أخرى سحرية، إنها خيال بلا حدود، ويقال إن الفانتازيا تبدأ من حيث ينتهي العلم.

يقول مارك تشادبورن المؤلف الفانتازي البريطاني: “كلما أصبح العالم أكثر عقلانية، جنحنا إلى اللامعقول في خيالنا”.

تقدم الفانتازيا مجالاً للهروب من الواقع، ومن ضغوط الدراسة أو العمل، حيث يتنفس الإنسان الصعداء قليلًا في مغامرة خيالية شيقة قبل أن يعود إلى عالمه الواقعي، فإن كنت في ملحمة شيقة من تنانين وسحرة وجن وأقزام، فإن مشاكل عالمك الواقعي تصبح بعيدة، فأنت قد غادرت عالمك لتحلق في عالم آخر بعيد، كما أن الفانتازيا سهلة القراءة، لا تتطلب منك معرفة علمية أو تاريخية أو سياسية مسبقة، بخلاف أفلام الخيال العلمي كفيلم Interstellar الشهير للمخرج كريستوفر نولان الذي يتطلب منك معرفة عميقة ببعض قواعد الفيزياء النظرية كي تستمتع بالفيلم على الوجه الأكمل، أما في الفانتازيا فقط اربط الحزام واستعد لمغامرة شيقة مثيرة، بل قد تطالبك الرواية بالتخلي عن المنطق مثل رواية أليس في بلاد العجائب، حيث تدور في إطار عبثي، ولكنها لا تخلو من المتعة والتسلية أيضًا.

بين تولكين والآلات والدرويدية

ومن أسباب نجاح روايات الفانتازيا وبخاصة النوعية التولكينية هي جنوحها للطابع القديم، فتولكين كان يكره الحضارة الحديثة، والآلات ويقول عنها في خطابه لابنه كريستوفر عندما كان جنديًا في الحرب العالمية الثانية:

“تتضح هنا مأساةُ جميع الآلات والماكينات وإحباطاتها، فعلى عكس الفن الذي يكتفي بخلق عالم ثانوي جديد في العقل، تحاول الآلات أن تخلع على الرغبة طابعًا ماديًا، ومن ثَمَّ خلق قوة في هذا العالم، ولا يمكن لذلك حقيقةً أن يتمَّ بأي رضا حقيقي، إن الآلات الموفِّرة للجهد لا تخلق سوى جهدٍ وشقاءٍ أسوأ لا نهايةَ لهما.”

ويحلو للنقاد وصف تولكين بأنه Anti-Urban أو مضاد للحضارة، والحقيقة أن هذه ليست سمة تولكين فقط، بل هي سمة عامة لعشاق هذا النوع من الفانتازيا بالذات، فما يقدمه تولكين ولويس صاحب سلسلة نارنيا وغيرهما من الكتاب هي نسخة أخرى من إنجلترا أو ما يطلق عليها اسم “Merry England“، وهي نسخة يوتوبية من إنجلترا حيث كان الإنسان سعيدًا مع الطبيعة والحقول الخضراء، وترتبط أيضًا بحكايات الجنيات والإيلف وغيرها من المخلوقات الأسطورية، ولعل الحنين إلى الماضي جزء لا يتجزأ من وجدان أي مجتمع بشري، والفانتازيا تلعب على هذا الإحساس بالذات، الحنين إلى زمن ماضٍ حتى وإن لم يكن ماضيًا حقيقيًا.

ولعل هذا لا يقتصر على الروايات والأفلام والموسيقى فقط، بل امتد الأمر للديانات، فشهدنا إعادة إحياء ديانة الدرويدية الأيرلندية القديمة على شكل Neo-Druidism، فالدرويد ارتبطوا بالطبيعة والأشجار وبخاصة شجرة البلوط، وإعادة إحياء هذا الارتباط يعبر عن نزعة الإنسان للبعد عن الحضارة المادية والتناغم أكثر مع الطبيعة، وقد بلغ عدد أعضاء منظمة Order of Bards Ovates and Druids (OBOD) على الفيسبوك أكثر من 422 ألف مشترك، ويقول فيليب كار جروم وهو باحث في الدرويدية وأحد مؤسسي المنظمة: “إن هناك الآلاف كل عام يقرأون كتب عن الدرويدية أو يتصفحون على الإنترنت المواقع الخاصة بالدرويدية الموجودة الآن”.

ولعل الفانتازيا تتشارك مع الدرويدية في الرغبة في العودة إلى الماضي وإلى الطبيعة بعيدًا عن ضغط العصر الحديث المادي الذي يجثم على أنفاس الناس.

نشر للمرة الأولى على موقع نون بوست

السيلماريليون.. الأب الروحي لسيد الخواتم

ذاع صيت سيد الخواتم والهوبت في السنوات الأخيرة، وبالرغم من ذلك فالقليل هم من يعرفون كتاب السيلماريليون والأقل هم من قاموا بقراءته بالكامل، وهذا الكتاب يعد العمل الأهم لتولكين وعالمه الحقيقي، بينما لا يشكل سيد الخواتم والهوبت إلا لمحات صغيرة من هذا العالم الساحر.

كان طموح تولكين منذ البداية أن يقوم ببناء ميثولوجيا كاملة تتدرج من الحكايات الكونية وقصص الخلق حتى تصل إلى القصص الصغيرة وحكايات الجنيات، وأن يقوم ببناء حكايات كاملة مستقلة وسط هذا العالم الخيالي، وقد بدأ تولكين في بناء عالمه بسنوات طويلة قبل كتابة سيد الخواتم أو حتى الهوبيت، وكان هناك ثلاث حكايات هي الأقرب لقلبه وهم حكاية بيرن ولوثيان وسقوط جوندولين وأبناء هورين.

في هذا الكتاب يحكي تولكين نشأة عالمه الفانتازي وخلق الأرض الوسطى التي تكتشف أنها جزء من العالم الأكبر الذي هو  والكوكب الذي هو Arda، وفيه تقع العديد من القارات مثل الأرض الوسطى التي تدور فيها أحداث سيد الخواتم والهوبت، وAman التي هي أرض الفالار، وهناك الأرض المظلمة وجزيرة نومينور وغيرها من الأراضي والجزر والقارات. فالكتاب يعطي ملامح تفصيلية عن الأرض الوسطى في عصور سبقت سيد الخواتم بآلاف السنوات، ويرينا ممالك الإيلف التي سقطت في العصر الأول أمام مورجوث مثل دورياث و جوندولين و نارجثروند، وهي التي ذكرها جيملي بعد ذلك في قصيدة في سيد الخواتم بعد سقوطها بآلاف السنين وهو يقف في مناجم موريا قائلا:

The world was fair, the mountains tall,

In Elder Days before the fall

Of mighty kings in Nargothrond

And Gondolin, who now beyond

The Western Seas have passed away.

لقد كان العالم جميلاً والجبال شاهقة

 في الأيام القديمة قبل سقوط

الملوك الجبابرة في نارجثروند وجوندولين

الذين عبروا الآن إلى ما وراء البحار الغربية.

فالسيلماريليون يرصد تاريخ العالم منذ بدء الخليقة حتى نهاية العصر الثالث الذي هو نهاية سيد الخواتم أيضًا، وهناك مئات الشخصيات من الإيلف والدوارف والبشر والاينور والفالار والمايار في أحداث ضخمة ومتشعبة. فقد استطاع تولكين خلق عالم كامل بكل تفاصيله وأجناسه وثقافاته ودياناته بشكل مقنع، فتشعر أنه تاريخ عالم حقيقي وليس مجرد حكاية خيالية يرويها راوي، ولعلنا لا نعجب إن عرفنا أن هذا العالم بدأ تولكين في الكتابة عنه في سنوات شبابه قبل البدء في الهوبت بسنوات عديدة، واستمر في كتاباته حتى موته، وقد بدأ تولكين في كتابة هذه القصة في صورة شعرية في البداية ككثير من قصصه، وأخذت مع الوقت تكبر وتتشعب وتتعقد، وبذل ابنه كريستوفر تولكين مجهودًا كبيرًا في جمع الحكايات من بين أوراق والده ومسوداته وملاحظاته، والحقيقة أن ما فعله مجهود يستحق الإعجاب فقد أخرج في النهاية عملاً مكتملاً من البداية للنهاية، وقام بنشره في كتاب واحد بعد موت تولكين بأربعة أعوام، فتولكين قضى عمره وأفناه في هذا العمل الفانتازي المذهل الذي ألهم العديد من كتاب الفانتازيا من بعده.

تتكون السيلماريليون من خمسة أجزاء تمت كتابتها في البداية باعتبارها خمسة أعمال منفصلة، ولكن كريستوفر جمعها سويا في هذا الكتاب وهي:

Ainulindalë

The Music of the Ainur موسيقى الإينور

وهي تصف خلق الكون وانبثاقه من عقل إرو إلوفاتار وانبثاق الإينور، وتصف ميلكور الذي سيكون العدو الأساسي خلال الصراع في العصر الأول.

Valaquenta

Account of the Valar تقرير عن الفالار

يصف الفالار والمايار وأيضًا يتحدث عن ميلكور، ويسرد تفاصيل إغوائه للعديد من المايار ومنهم ساورون الذي يعرفه بالطبع كل من قرأ سيد الخواتم.

Quenta Silmarillion

The History of the Silmarils تاريخ أحجار السيلماريل

وهو يشكل الجزء الأكبر من الكتاب وتقع أحداثه في العصر الأول، ويتحدث عن تشكيل الأراضي والقارات والصراع مع ميلكور أو كما سيصبح اسمه بعد ذلك مورجوث، وبدء ظهور الإيلف والدوارف والبشر وعن خلقهم وعن صناعة مجوهرات السيلماريل والصراع عليها بعد ذلك.

Akallabêth

The Downfallen الطوفان وغرق نومينور

وهو أحداث العصر الثاني، ويتحدث عن مملكة جزيرة نومينور وسكانها الدونيداين “الذي سيكون منهم أراجون بعد ذلك” وقصة صعودهم وانهيارهم ومواجهتهم للعدو ساورون الذي يمثل العدو الأساسي خلال العصر الثاني.

Of the Rings of Power and the Third Age

عن خواتم القوة والعصر الثالث

وهذا الجزء كما يبدو من عنوانه تدور أحداثه في العصر الثالث حتى نهايته، ويتحدث عن بدء تشكيل الخواتم والحروب التي جرت بعد ذلك، ويمثل الأحداث التي سبقت الهوبت وسيد الخواتم، ولكنه يشمل كذلك سردًا واختصارًا لما حدث في الهوبت وسيد الخواتم، وبانتهاء هذا الجزء تنتهي حكاية الإيلدار على الأرض الوسطى وتمثل بدء عصر جديد وهو عصر البشر.

ولكن هناك عدة ملاحظات يجب أن يضعها القارئ في اعتباره قبل قراءة الكتاب؛ فهذا الكتاب لا يعد رواية بل هو سردي بشكل كبير، والبعض يرى أن الكتابة جافة وأن الكاتب لا يهتم بمشاعر شخصياته مثل الكتابين الآخرين سيد الخواتم والهوبت، ولكن هذا يرجع لكون تولكين لا يكتب رواية بل هو يسرد تاريخ عالمه الخيالي الذي صنعه، ولو لم ينتهج هذا الأسلوب لاحتاج إلى ملايين الصفحات لسرد كل هذه الأحداث بالتفصيل، بل يشعر القارئ عند الانتهاء من قراءته أن الهوبت وسيد الخواتم تشكل لمحات صغيرة من عالمه.

الأسماء متشابهة جدًا، وقد يقع التباس عند القارئ بين الشخصيات، كما أن لكل مكان ولكل شخص ولكل شيء عدة أسماء، وهذا يرجع إلى أن تولكين قد ابتكر عدة لغات خيالية لعالمه، لذا يحتاج القارئ إلى أن ينتبه للأسماء ويمكنه الاستعانة بدليل للأسماء والأماكن لكيلا يفقد تركيزه، وخاصة في منتصف الكتاب عندما تكثر الشخصيات بشكل كبير.

ولمن يرغب في قراءة السيلماريليون فهناك ترجمة متميزة باللغة العربية للمترجم أسامة أبو ترابة حرص فيها المترجم على الإشارة إلى أغلب الأسماء والأعراق والأجناس، وقام بتبسيط بعض الأسماء والأماكن وشرحها في هوامش الكتاب، يمكن تحميل النسخة مترجمة من هنا.

وبالنهاية فإن السيلماريليون هو عمل ضخم يستحق القراءة بشكل عام ولعشاق الفانتازيا بشكل خاص، فهو سيشكل لهم رحلة لن ينسوها في عالم الأرض الوسطى وفي عقل تولكين.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست

أشهر كليشيهات أفلام وروايات الفانتازيا

لو كنت عاشقًا لأفلام وروايات الفانتازيا مثل سيد الخواتم وهاري بوتر وغيرها من الأفلام التي تنتمي لهذا النوع؛ فبالتأكيد لاحظت وجود نمط متكرر أو كليشيه بين هذه الأفلام، الأشياء التي تم استخدامها مرارًا وتكرارًا وبعضها يستمتع به المشاهد أو القارئ، والبعض قد يقتل متعة مشاهدتنا لهذه الأعمال، فما هي أشهر الكليشيهات المستخدمة في الفانتازيا؟

النبوءة

أهم الأشياء التي تدفعنا لمشاهدة فيلم أو قراءة كتاب هي الرغبة في معرفة ما سيحدث بعد ذلك، ما العقبات التي ستواجه البطل، وكيف سيقوم بالتغلب عليها؟ فإن كان القارئ لديه معرفة مسبقة بما يواجه البطل فإن هذا بالتأكيد سيقتل جزءًا من متعته، وعلى أسوأ تقدير فإن القارئ قد يشعر أن أحداث الرواية قد أُفسدت عليه، كمثال، في رواية إراجون عندما تنبأت أنجيلا بموت أحد أحباء إراجون وتم تحقيقها بموت بروم في النهاية.

المختار

وهذا الكليشيه مرتبط بالنبوءة أيضًا، فهناك هاري بوتر، وهناك لوك من سلسلة ستار وارز ونيو من سلسلة ماتريكس، كلهم مختارين بلا سبب واضح أو منطقي ليكونوا هم الخاصين بالنبوءة، ولعل هذا الكليشيه شهير لأنه يداعب أحلام طفولتنا عندما كنا صغار بأن يتم اختيارنا لنصبح مشهورين بدون أن يكون هناك سببًا حقيقيًا لذلك.

سيد الظلام

مثل فولدمورت في هاري بوتر أو ساورن في سيد الظلام، ولا أعني أن كل شرير في الأفلام أو الروايات الفانتازيا هو شخصية كليشية، بل أقصد وجود سيد ظلام شرير من أجل الشر، بدون إخبارنا بالدافع الحقيقي لكونه شريرًا، ومن الأمثلة الجيدة على صنع شخصية شريرة غير كليشية شخصية سميغل في سيد الخواتم فهو يعاني صراع مع نفسه طوال الوقت ولا نشعر حتى في خيانته لفرودو وسام أنه كان شريرًا من أجل الشر بل كان هناك دافعًا حقيقيًا وراء تصرفاته، وأيضًا شخصية فاجارد من رواية السيف المكسور الذي يثير سؤالاً وجوديًا، وهو هل يولد الإنسان بطبيعة خيرة أو شريرة أم يقوم هو بتحديد مصيره الخاص؟ كما أن الشرير لا يرى نفسه شريرًا بل يرى أنه بطل من منظوره الخاص.

البطل النقي

مثل كليشيه سيد الظلام فإن شخصية البطل عندما تكون خيرة من أجل الخير بدون دوافع أو صراعات داخلية فإنها تصبح كليشية ومملة، ولهذا السبب فإن باتمان أفضل من سوبرمان في كونه بطلًا خارقًا.

الساحر العجوز الحكيم

وهي من أشهر الكليشيهات المستخدمة في الفانتازيا، جاندالف في سيد الخواتم، دمبلدور في هاري بوتر، وغيرها، لا يكون وجود الساحر في حد ذاته شيئًا سيئًا إلا إذا تم استخدامه كإله من الآلة مثل ما كان يحدث في المسرحيات الإغريقية حين يتعقد الموقف، فيتم إنزال أحد الممثلين بآلة رافعة ليقوم بدور إله من آلهة الإغريق يحل الأمر حل سحري بدون تدخل من الأبطال لإنقاذهم من المأزق، فكلما وقع الأبطال في مشكلة يقوم الساحر بتحريك عصاه لحلها، ويقع تحت هذا الكليشيه أيضًا شخصية أصلان من روايات نارنيا حيث يقوم بحل كل المشكلات نيابة عن الأبطال مما يفقد الرواية جزءًا من حماسها ومتعتها.

الخير لونه أبيض والشر لونه أسود

من الكليشيهات المشهورة في الفانتازيا أن يكون الشرير قبيح الشكل بينما البطل جميل وفي الغالب يكون رجلًا أبيض، كمثال شخصيات الإيلف بيض البشرة والأورك قبيحي الهيئة في أفلام سيد الخواتم وغيرها، فمن الأمثلة رواية نارنيا حيث يكون أصحاب البشرة البيضاء هم الخير وأصحاب البشرة الداكنة أو سكان كالورمين هم الشر دومًا، ومن الأمثلة على كسر هذا الكليشيه رواية صراع العروش حيث يكون النبلاء البيض في الغالب هم أسوأ الشخصيات في الرواية.

الغابة المظلمة

في المعتاد يضطر الأبطال للعبور من غابة مظلمة أو مسكونة مثل غابة ميركوود في سيد الخواتم والغابة المحرمة في هاري بوتر، وهي من الكليشيهات المتكررة في الفانتازيا، وفي الغالب تكون مسكونة بعناكب ضخمة قبيحة تحاول قتل الأبطال.

الزي الموحد

كمحاولة للتمييز بين الأجناس المختلفة يلجأ المخرجون إلى جعل كل جنس من الأجناس المختلفة يرتدون نفس الملابس ويتحدثون بنفس الطريقة ويتصرفون بشكل متماثل كأنهم نسخ متكررة، وهذا غير واقعي وغير منطقي، فإذا نظرنا للجنس البشري نجد تعددًا كبيرًا وثقافات مختلفة، ولكن لا يكون الحال هكذا عند الحديث عن الإيلف أو الدوارف أو الأورك.

معارك غير واقعية

البطل يتلقى عدة طعنات بالسيف ويظل يقاتل كما لو أنه لم يصاب بخدش واحد، لا شك أنك رأيت هذا المشهد في العديد من الأفلام، وكذلك العلاج غير المنطقي للجروح، فالبطل قد يصاب بكسر شديد ثم تجده في اليوم التالي سليمًا معافى، أو يتلقى البطل طعنة مميتة ثم تجده بعد ذلك في أحسن حال، بالرغم من أن الفانتازيا في الغالب تدور في فترات العصور الوسطى حين كان الطب أقل مما هو عليه الآن بكثير مما يعني أن هذه الإصابات ستظل لفترات طويلة وستسبب ألمًا شديدًا، ولكن جورج مارتن مؤلف صراع العروش يكسر هذا الكليشيه أيضًا بالعديد من شخصياته يصابون بإصابات خطيرة ودائمة، ناهيك عن تعرض العديد من شخصيات الرواية المحورية للقتل.

السحر

عندما يكون السحر حلًا لكل شيء فإن الرواية بالتأكيد ستفقد جزءًا من متعتها وتشويقها، كما أن وجود السحر بلا حدود سيقتل جزءًا كبيرًا من متعة الرواية بدلًا من أن يكون وسيلة لإضافة الإثارة والتشويق للرواية أو الفيلم.

فمن الأمثلة السيئة لاستخدام السحر رواية هاري بوتر فلا يوجد حدود للسحر ويمكنه أن يفعل كل شيء حتى إنك تتساءل لماذا يوجد عائلة فقيرة مثل عائلة ويزلي بينما تستطيع مدام ويزلي جعل الأطباق تغسل نفسها بنفسها.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست

الفانتازيا بين تولكين وأندرسُن

الفانتازيا هي نوع من الأدب يستخدم السحر والخيال والأشياء الخارقة للطبيعة كعنصر أساسي للحبكة أو بناء تُبنى عليه الرواية، وتعتبر الفانتازيا قديمة قدم البشر ذاتهم، فقد امتلأت حكايات الشعوب البدائية وأساطيرهم بالخيال والسحر والصراع بين الآلهة والبشر، أو الصراع بين البشر والأجناس الخيالية الأخرى كالتنانين والغيلان وغيرهم، ولعل من أشهر الكتابات الشعبية القديمة في الفانتازيا هي حكايات ألف ليلة وليلة التي تعد جامعة لأساطير عدة شعوب شرقية، سواء عربية أو هندية أو فارسية.

أما مصطلح الفانتازيا فيطلق حاليًا على الفانتازيا الحديثة والتي بدأت مع كتابات عديدة مثل “الأميرة والجوبلِن” لجورج مكدونالد و”ملك النهر الذهبي” لجون روسكِن.

وقد شهدت الفانتازيا ازدهارًا كبيرًا في العصر الحديث، وخاصة مع ملحمة تولكين الغنية عن التعريف “سيد الخواتم” والتي تحولت في العقد السابق إلى فيلم سينمائي حقق نجاحًا كبيرًا، وبالرغم من أن تولكن له جمهور عريض يعده أبا الفانتازيا الحديثة، إلا أن هناك روايات عديدة مكتملة تنتمي إلى الفانتازيا تم نشرها قبل أن يولد تولكن وأثناء حياته، واعترف تولكين بتأثره بها ومنها رواية “ابنة ملك الجن (1) “للمؤلف البريطاني لورد دُنساني، ورواية “التنين أوروبُروس” للكاتب إيرك إديسون وغيرهما.

السيف المكسور وسيد الخواتم

ومع شهرة سيد الخواتم لجأ العديد من الشباب إلى الإقبال على قراءة وكتابة الفانتازيا، ولكنهم بدلًا من أن يرجعوا إلى المصادر الرئيسية التي أخذ عنها تولكين ويستلهمون منها فقد لجأوا إلى تقليد ومحاكاة تولكين فأتت أعمالهم سطحية بها بعض الجن وبعض السحر بدون عمق حقيقي أو حبكة حقيقية أكثر من محاولة محاكاة تولكين.

ويعود ذلك لظنهم أن تولكن هو مؤسس الفانتازيا، كما أن الكثير من الأعمال التي كُتبت قبل تولكن في مجال الفانتازيا اختفت تحت ظلال شهرة سلسلة سيد الخواتم، ومن الروايات التي اختفت تحت ظلال شهرة تولكين رواية “السيف المكسور” للكاتب الأمريكي ذي الأصول الدنماركية بول أندرسن، ويعد هذا الكتاب من الملاحم الفانتازية المغمورة، فقد صدر هذا الكتاب في السنة ذاتها لصدور “صحبة الخاتم” الجزء الأول من “سيد الخواتم”، ولكنه على عكس الكثير من الملاحم الفانتازيا الحديثة التي تستقي كل شيء من تولكين؛ فإن بول أندرسن – بحكم أصوله الدنماركية – يستقي عناصر ملحمته من الأساطير الشمالية التي استقى منها تولكين؛ وهذا أدى إلى وجود العديد من التشابهات بين الملحمتين؛ مثل وجود الجن طوال القامة والأقزام (2) الذين يعيشون بالأعماق، وحتى التشابه بين بعض الأسماء مثل القزم ديرين عند بول أندرسن الذي يشبه في اسمه دورين عند تولكين وكليهما يرجع إلى اسم أحد الأقزام في الأساطير الشمالية، بل وحتى السيف المكسور الذي يشير إليه عنوان الكتاب يوجد أيضًا في سيد الخواتم حيث إنه السيف الذي قام أراجورن بإصلاحه واستخدامه في المعركة الأخيرة وهذا السيف المكسور هو جزء من الأساطير الشمالية.

وفي الوقت الذي نجد فيه أن تولكين قد أخذ الأساطير الشمالية وأعاد صياغتها وحبكها ليخلق عالمه الخاص، فإن رواية أندرسُن تقع في عوالم الأساطير الشمالية نفسها، فهناك ألفهيم أرض الإيلف أو الجن وترولهيم أرض الترول ويوتنهيم أرض العمالقة الزرق وأزجارد أرض الآلهة وبالطبع ميدجارد أرض البشر والتي تعني بالمناسبة “الأرض الوسطى” وهو الاسم الذي تم ذكره أيضًا في ملحمة بيوولف التي ترجمها تولكين وهو الاسم الذي استوحى منه بعد ذلك أرض ملحمته.

كما أننا نجد في رواية أندرسُن ذكر لبعض الآلهة الشمالية القديمة مثل أودين وثور وتير وأيضًا ذكر لوكي وإشارة إلى راجناروك أو معركة نهاية العالم كما في الاساطير الشمالية، فهكذا استغل أندرسُن العالم الثري الموجود بالفعل ونسج على نوله روايته الخاصة.

هذا بالنسبة للعالم، فماذا عن الشخصيات والأحداث؟

في حين أن تولكين يتفوق بلا منازع في بناء العالم وتفاصيله، إلا أن أندرسُن استطاع رسم شخصيات أكثر عمقًا وتشويقًا، حيث لا يوجد هنا خير مطلق أو شر مطلق، فهناك الكثير من المناطق الرمادية في شخصيات الرواية، حتى بطل الرواية سكالفوك يسقط في ظلامه الخاص، وأيضًا هناك شخصية فالجارد البطل الآخر الذي يثير سؤالاً وجوديًا وهو هل يولد الإنسان بطبيعة خيرة أو شريرة أم يقوم هو بتحديد مصيره الخاص؟ كما أن أندرسُن خلق أكثر قصة حب معقدة ومؤثرة من بين كل قصص الحب التي قرأتها طوال حياتي، فلا يوجد شخصية سطحية أو نمطية وكل شخصية تتحرك بدافع وبهدف خاص بها.

القصة أيضًا ليست مثل الشاير عند تولكين أو نارنيا عند لويس تلك الأراضي الخضراء المرحة التي تشعرك بالدفء، بل هو عالم قاسي بارد، يقع تحت مطرقة الحرب، القصة أيضًا ناضجة فهناك الكثير من المشاهد المؤلمة وهناك الكثير من القتل، ومع ذلك فإن كل شخصية تموت في هذه الرواية تخدم الحبكة ولا تخلق الفوضى بل تدفع الرواية وحبكتها للأمام.

فالملامح الفانتازية ليست حديثة العهد كما يظن البعض ولم تبدأ في الظهور مع تولكين، بل سبقه وعاصره العديد من الكتاب الناضجين والمتمكنين من قلمهم، وهذا لا يعني التقليل من تولكين أو عمله، فهو قد قام بتحقيق تحفة فنية ليس لها مثيل، بل السعي لتقليد تولكين لا في قصصه ولكن في المجهود الذي بذله لبناء أعماله، والعودة إلى المنابع الأصلية للفانتازيا من أساطير وحكايات شعبية وملاحم قديمة، ولو فعل الشباب ذلك لرأينا أعمال فانتازية عظيمة تعود للظهور على الساحة مجددًا.

نشر المقال للمرة الأولى على موقع نون بوست