الهيدرا الرقمية

د. عماد الدين عيشة هو كاتب بريطاني ولد في 25 نوفمبر 1974 لأب فلسطيني وأم مصرية، حاصل على دكتوراه في الدراسات الدولية من جامعة شفيلد في المملكة المتحدة، عمل محاضرًا في الجامعة الأمريكية والجامعة البريطانية بمصر، له عدة مؤلفات وترجمات ومقالات أدبية سينمائية وخصيصًا في أدب الخيال العلمي، كما أنه عضو فاعل في الجمعية المصرية لأدب الخيال العلمي، هو من الكتاب القلائل في الساحة العربية المخلصين حقًا لأدب الخيال العلمي، رغم كونه يكتب باللغة الإنجليزية ـ لغته الأم ـ بسبب مولده ودراسته في بريطانيا، إلا أن أفكار رواياته وقصصه القصيرة عربية حتى النخاع، وقد نالت قصصه عدة جوائز من الجمعية المصرية لأدب الخيال العلمي وخصوصا القصص التي تنتمي إلى أدب المقاومة.

تجمع كتابات د. عيشة بين عنصرين جوهريين، الأول هو النظرية العملية؛ مثل فكرة السفر عبر الفضاء واستعمار الكواكب الأخرى، أو السفر عبر الزمن للحضارات القديمة، وقضايا السايبربانك والروبوتات وغيره، والأمر الجوهري الآخر هو اهتمامه ومعرفته بالتاريخ وإلمامه بتفاصيله وخاصة التاريخ العربي والإسلامي. فعلي سبيل المثال، عمله الأكبر “سجلات الجزيرة الخضراء: المسلمون على المريخ” ـ والذي نشر أجزاء منه على هيئة قصص قصيرة ـ يعد أبرز مثال على أسلوب د. عيشة الأدبي، فالقصص تروي عن مستقبل استعمر فيه البشر المريخ، وعن العرب والمسلمين الذين يتمتعون بعدة مستعمرات منفصلة على المريخ، ويناقش خلالها قضايا العرب ومشاكل الجيران من منظور خيالي علمي عربي إسلامي، ويظهر المؤلف في قصصه المسلمين من حضارات وثقافات مختلفة على الأرض، وكيف يحيون ويتصرفون على المريخ، ولم يظهر فيها الكاتب معرفته بالتاريخ فقط، ولكن أظهر بوضوح معرفته بالدين والمذاهب والسياسة أيضًا. ونقدم في هذا الكتاب قصة “منحنى في الفضاء” إحدى قصص سجلات الجزيرة الخضراء، التي تظهر كيف أن العيب ليس في المكان ولكن في الأشخاص أنفسهم؛ وأي مكان سيذهبون إليه سيحملون معهم مشاكلهم الخاصة.

وبجانب السفر في الفضاء فهنالك السفر عبر الزمن في قصة “زمن الأبطال: ملحمة كلكامش الجديدة” التي تدور أحداثها في العراق في المستقبل، ثم تنتقل بنا إلى الماضي، إلى عصر “كلكامش” بطل الملحمة الشهيرة، ويرسم د. عيشة بدقة – بعقل باحث تاريخ وريشة فنان – حضارة وثقافة وعادات البشر في تلك الأحقاب القديمة، فيشعر القارئ أنه يرى الأحداث ويعايشها، ولا تخلو القصة من عناصر الخيال العلمي، وكيف استطاع البطلان التواصل مع كلكامش والناس في عصره باستخدام التكنولوجيا الموجودة معهم، بشكلٍ غاية في الإتقان والإقناع، مما يدل على أننا أمام قاصٍ بارع.

وبجانب السفر عبر الفضاء وعبر الزمن فالكاتب له قصص متنوعة في أدب الجاسوسية أو “الاسبياناج” وقصص الروبوتات والذكاء الصناعي والواقع الافتراضي أو “السايبربانك” هذه الأجواء التي اعتدنا عليها أوروبية خالصة يرسمها د. عماد في جوٍ عربي مميز، مثل قصة الهيدرا الرقمية التي تتحدث عن المقاومة من خلال ألعاب الواقع الافتراضي. يظهر في تلك القصص اهتمام الكاتب بالتفاصيل الدقيقة، وحرصه على اكساب قصصه حلة مميزة، فالقارئ المتمعن لن يخطئ التعرف على قصة كتبت بقلم “عماد الدين عيشة”، هذا بجانب أسلوبه اللغوي غير المباشر الذي يتميز بالتلاعب بالكلمات والسخرية المبطنة مما يجعل من ترجمة قصصه مهمة شاقة، ولكنها ممتعة بلا شك. أتمنى بترجمتي لقصصه أن أضيف إلى المكتبة العربية إضافة جديدة ومميزة، فقلم عماد الدين عيشة قادر على تغيير وجه الخيال العلمي في العالم العربي والإسلامي، ولعله في العالم أجمع، فهو يضفي بأعماله بعدًا جديدًا لهذا النوع من الأدب على شاكلة الرواد الأوائل للخيال العملي مثل جول فيرن وإتش جي ويلز وإيزاك أزيموف وفيليب كي. ديك، وأتمنى أن يستمتع القارئ بهذه الرحلة في عوالم الخيال العلمي في المستقبل والماضي، وفي الأرض والفضاء.